الحوار المتمدن - موبايل



جوق الإنشاد ، من - ابن الرافدين - الى ادرعي وكوهين !

عارف معروف

2018 / 9 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


في الستينات من القرن الماضي كانت الإذاعة " الإسرائيلية " تحاول ان تملأ مساحة الشك بل وانعدام الثقة بين المواطن العربي وأجهزة الاعلام العربية عبر مصداقية تحاول ان تضفيها على برامجها الإخبارية والتحليلية من جهة وعبر التوجه الى عامة الناس من خلال " شخصية شعبية " تتحدث بلغة المواطن العادي وتتناول هموم الشارع ، بدلا من حذلاقات وتَفيقُهْ الاعلام العربي ومكابرته الرسمية اتجاه المواطن وبعده عن الاهتمام بأسئلته وشكوكه وهواجسه ... وكانت الشخصية التي توجهت الى العراقيين ، حينذاك ، هي شخصية " ابن الرافدين " ، التي بقي المواطن العراقي ، رغم بلادة الاعلام المحلي وتهافت وسائله ، ينظر اليها بشك وريبة ولا ينسى انه اتجاه عدو يحاول تيئيسه وهزيمته معنويا .
لكن عصر الاعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي التي اصبح بموجبها تداول المعلومة والاتصال والتفاعل اكثر شخصية وحميمية من جهة ، وأوسع نطاقا بما لا يقاس ، من جهة أخرى ، بحيث شمل الفتيان والصبابا والشباب وربات البيوت والشيوخ ، كمتفاعلين وليس كمتلقين فحسب ، كما انه لم يعد مقصورا في التوجه على المتعلمين والمثقفين او المهتمين بالشأن العام كما كان الحال قبل ذلك ، تطلبَ موائمة جديدة للوسائل مع الأغراض وشخصيات جديدة ولغة مناسبة . وبدلا من التوجه الى متوسطي الاعمار لغرض تشكيكهم وبذر بذور اليأس والإحباط في نفوسهم وتعزيز حدار الفصل بينهم وبين حكوماتهم وقياداتهم السياسية اوبينهم كواقع وبين كل ما يمكن ان يشكل تطلعا او حاجة حقيقية لديهم ، كما كان شأن توجه الاعلام " الإسرائيلي " في الستينات والسبعينات . تطلب الحاضر التوجه بقوة الى الشباب ، ليس فقط بسبب كونهم الكتلة الاجتماعية الأكبر في المجتمعات العربية والعراق خصوصا بل وبسبب قراءة او توقع ما يمكن ان تفعله هذه الكتلة حاضرا ومستقبلا في ظل انهيار الأنظمة السياسية المركزية وتولي الامر من قبل أنظمة سياسية شديدة الضعف اتجاه الضغوط الخارجية والداخلية بفعل تركيبتها ذاتها ، لذلك تعيّن ان يتوجه الى الشباب عبر شخصية مثل افيخاي أدرعي ، " الصهيوني الطريف " ، الذي يقدم لك جيش الاحتلال الإسرائيلي من خلال المشاركة والنكتة والترنم باغنية شعبية محلية وأساليب خفيفة الظل وربما استشهادات قرآنية ، تجعل من " ادرعي " صديقا محتملا والصلة معه ممكنة ولا تكلف شيئا ، مع التأكيد المستمر على إنسانية والتزام "جيش الدفاع الإسرائيلي " بالقانون والقيم الاخلاقية ، إضافة الى قوّته الجبارة وعينه التي لا تنام ! وكالعادة ، ولأن لعبة الطيب والخبيث ما تزال نافعة في مواجهة وبلبلة الأعداء المستهدفين ، فقد تعّين ان يتبع ادرعي الطيب والأخلاقي والملتزم بالقوانين والقيّم ، بشخصية أخرى تمثل ،الجريء والصلف والمتسم بالرعونة مع جرعة عدوانية صارخة أحيانا ، فكان ان أُنزل الى الحلبة " ايدي كوهين " !
ايدي كوهين الذي رغم تقديمه لنفسه كمتخصص واكاديمي وباحث في " مركز بيغن السادات " ، اختار او اختير له ان تكون لغته وطريقته موجهة ومناسبة لأقل فئات الشباب ثقافة وتجربة . لغة ، هي عبارة عن خليط ، زلاطة salad ، كما توصف لغة المرضى العقليين ، صادمة ومبلبلة الى ابعد الحدود . فمن التدين التلمودي والاستشهادات التوراتية التي تؤكد على قدسية بني إسرائيل ووعد الله لهم بارض المعاد ، إسرائيل الكبرى ، الى الدعوة العلمانية والاشادة بالديمقراطية التي تتميز بها إسرائيل ويفتقدها العرب . ومن التعصب الصهيوني الصريح والبالغ الرعونة حّد القول ان برج الساعة في مكة يقع على انقاض بيوت او احياء بني قينقاع او بني النظير وان اليوم الذي سيطالب بها اليهود ليس ببعيد ! الى التباكي على الشعوب العربية من سطوة وطغيان حكامها ، اللذين يغمزهم كوهين بين فترة وأخرى بانه على اطلاع على مستوى وسعة علاقاتهم السرية مع تل ابيب . اما ثقل عداءه الرئيسي فهو موجه بالطبع، بعد الفلسطينيين وكل ما يتعلق بهم ، الى ايران " المجوسية ، عدوة العرب الأولى والتي لابد من تحطيمها بالتحالف مع " إسرائيل " الى حزب الله ونصر الله ونظام بشار وانتهاءا بالشيعة اللذين يجب ان ينتبه العرب السنّة المساكين الى مخططاتهم الشريرة ونواياهم الاجرامية ولا يصدقوا اكاذيبهم ابدا ! لكنه لا يستثني أحدا ، في الحقيقة ، فلغته وهدفه أوسع من العداء المباشر ، انه يهدف الى التشكيك بكل شيء وتحطيم الثقة بأي شيء ، من ايران الى السعودية وتركيا ، ومن مصر الى الجزائر والمغرب ، مرورا بالخليج ، وليس انتهاءا بالصين وروسيا :

- " تلقيت نداءات من العراق وسورية واليمن والان ليبيا ، يريدون جميعا تدخل إسرائيل لانقاذهم من سفلة قومهم وانهم سيستقبلون الجيش الإسرائيلي بالارز والورود .... لا حول ولا قوة الاّ بالله "
او
" ما رأي أصدقائي في سوريا او العراق بتحريرهم من قبل الجيش الإسرائيلي وان تحكمهم إسرائيل ؟ سيتنعمون بالنظافة والصحة والسلام والحرية ، إسرائيل اقوى دولة بالعالم ! "
او " توسطت أمريكا لغرض عقد صفقة سرية بين دولة خليجية كبرى وإسرائيل " .....الخ !
بل وتهوي لغته الى درك غير متوقع من الانحطاط أحيانا ، واستنادا الى قراءة سايكولوجية مؤكدة للنفسية العربية :
" هناك ثلاثة حكام عرب يعانون من الشذوذ الجنسي السالب ، هل تعرفونهم ؟ لدينا معلوماتهم الكاملة وتسجيلات سرية لهم "
مما يرجح ان كوهين يعمل كمسبار او بالون اختبار متحرر من كل قيد و يمكن ان يدفع في أي اتجاه لقياس ردود الأفعال والانفعالات .
يتناغم مع كوهين ويعيد تغريداته ويعلق عليها ويتحمس الى ابعد من حدودها كثيرا ، خصوصا حينما تكون ذات محتوى طائفي مثير ، قراء ومدونون من الشباب العرب في ظاهر الحال ( يتبعه اكثر من 70 الف منهم كما يقول موقعه على تويتر ) ، لكن من المحتمل ان نسبة كبيرة منهم غيرحقيقية وتعمل تحت أسماء زائفة ، ذات رنين معين وايحاءات طائفية محددة مثل " عمر الدليمي " او " علي عبد الحسين " او غير ذلك من الأسماء المهيأة دائما لحرف أي نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي الى مسارات معينة يمكنها من تأجيج سعير الحرائق الطائفية عبر الشتائم المقحمة على السياق أحيانا من " الذباب الالكتروني الإسرائيلي " ممن يديرون " المعركة " من غرف عمليات الكترونية إسرائيلية ، كما كشفت التقارير والصور التي نشرت بهذا الخصوص . دون انكار او التهوين من حقيقة ان واقع المنطقة المرير ومنذ فترة ليست بالقصيرة ، هيأ الاجواء المناسبة لعمل كوهين وغيره وحفز اعداد محزنة من الشباب العربي للتعاطي بهذا النفس وفهم الوقائع والمجريات على أساسه .
تطلب عصر الهجوم الامبريالي والصهيوني الشامل لتدمير مرتكزات القوة في المنطقة والسيطرة على ثرواتها وتحويل مجتمعاتها الى امارات وقبائل متقاتلة . عصر التطبيع العربي الإسرائيلي الشامل والتام ، إعادة تأسيس وعيها الرسمي والشعبي وفق مقولات جديدة واولويات وقضايا تنبع من مصلحة وخارطة هذا الهجوم بتسمية أعداء جدد ، زائفين ، ليحلوا محل الأعداء الحقيقيين ، وخلق اصطفاف لأصدقاء جدد يتناسب وهذا المحتوى بدلا عن الأصدقاء الحقيقيين الذين تجمعهم الينا المصلحة الحقيقية وحرف بوصلة الكفاح العربي باتجاه عكسي ، تطلب كل ذلك من جهاز الدعاية الإسرائيلية الموجهة إعادة تدوير بعض محتوياته القديمة وتلميع الأخرى وإعادة برمجة خطابه ومفرداته ولغته اليومية والتسلل بها من باب العواطف وإعادة رواية التاريخ للجيل العربي الشاب ، جيل المحنة الكبرى ، ولهذا شهدنا احياءً لأسماء قديمة بإلباسها ثوبا اسطوريا جديدا ، مثل قصة ساسون حسقيل . او إعادة رواية وقائع قديمة في ضوء مطالب وغايات جديدة ، مثل قصة فرهود اليهود ، وغير ذلك الكثير مما استدعى منا مراجعته مراجعة نقدية وفق ما تتيحه إمكانات فردية ، خصوصا ، مع ما يثيره هذا الجيش اللجب من المتطوعين العرب والعراقيين للعمل ككورس مجاني ( او ربما غير مجاني ؟!) مع جوق الانشاد الصهيوني !







اخر الافلام

.. نتانياهو بين صواريخ غزة ورصاصة ليبرمان..إلى متى سيصمد؟


.. لقاء الناشطة ينار محمد على قناة الحرة عراق بخصوص جريمة الشرف


.. من هي نانسي جمال ممثلة التحالف الدولي ضد داعش | ستديو الآن




.. تيريزا ماي صامدة بمسودة البركسيت أمام حكومتها وحزبها والمعار


.. الحصاد - مسار قضية خاشقجي بعد التسجيلات التركية الجديدة