الحوار المتمدن - موبايل



هل كانت سوزان الفرنسية سعيدة في حياتها الزوجية مع طه حسين؟

شكيب كاظم

2018 / 9 / 14
الادب والفن


قرأت ما يشير إلى ان بعض من قرأوا مذكرات السيدة سوزان الفرنسية, أرملة الدكتور طه حسين التي كتبتها بالفرنسية يرون انها لم تكن سعيدة في حياتها معه , وبأنه لو قدر لها ان تعيد صياغة حياتها لاختارت غير الحياة التي عاشتها مع طه حسين.
أرى ان وقائع الحياة والأشياء تثبت ان سوزان الفتاة الفرنسية التي التقت بطه حسين أول مرة في 13/من مايس عام 1915 في مونبلييه كانت سعيدة في حياتها الزوجية معه, إذ كانت بدايةً تزوره بين الحين والآخر في غرفته كانا يتحدثان وكانت تقرأ له بعض الفصول من كتاب فرنسي, لقد كان القدر قد أصدر قراره هي التي لم تتكلم مع أعمى قبل ذلك كما لم يكن شيء ينبئها في ذلك اليوم بأن مصيرها كان يتقرر, وان حياتهما كانت تقترب كي يعيشا سوية أكثر من نصف قرن وحتى وفاة طه حسين يوم الأحد 28/ من تشرين الأول / من عام 1973 كان مصيرهما يتقرر فقد كان أعمى آخر هو الأستاذ الايطالي الذي كان يدرسه اللغة اللاتينية أدرك ذلك وقال له: ( سيدي, هذه الفتاة ستكون زوجتك).
لقد قرأت كتاب (معك) الذي كتبته سوزان زوجة طه حسين بالفرنسية التي ظلت تقرأ بها وتكتب على الرغم من مغادرتها الأراضي الفرنسية والعودة إلى مصر مع زوجها بعد أكمال متطلبات الدراسة في شهر تشرين الأول عام 1919بعد ان كانا تزوجا في التاسع من آب / 1917 أقول لقد قرأت كتاب (معك) مترجماً إلى العربية ترجمة أنيقة راقية, كيف لا والمترجم بدر الدين عرودكي وزاد الترجمة أناقة ورقة المثقف الرقيق الباحث الناقد محمود أمين العالم وصدر الكتاب عن دار المعارف بمصر في ضمن سلسلة كتب أكتوبر, لكن خلا – للأسف- من رقم الطبعة وتاريخ الطبع عدا رقم الإيداع عام 1979 قرأته فلم أجد أية شكوى أو ما تشبه الشكوى, بل أسى وأسف على انقضاء حياة زوجها ورحيله, وظلت وفية لذكراه , حتى أنها كتبت كتابها الوحيد هذا إحياء لذكرى زوجها العزيز الذي غادرت من أجله وطنها وتركت أسرتها وأمها خاصة فلو لم تكن محبة له حانية عليه وسعيدة بحياتها معه, لما استمرت معه نحو ستة عقود من الزمن ولعل الذين قالوا بعدم سعادتها معه قرأوا هذه السطور الأولى من الكتاب بالفرنسية من دون قراءته كاملاً, إذ تقول سوزان طه حسين بعد ان رصعت كتابها بقول لاشعيا (وأسيِّر العُمْيَّ في طريق لم يعرفوها.. في مسالك لم يدروها أمشيهم أجعل الظلمة أمامهم نوراً) وقول الشاعر السوري الراحل نزار قباني: (الق نظارتيك.. ما انت أعمى).
تقول سوزان:إننا لا نحيا لنكون سعداء عندما قلت لي هذه الكلمات في عام 1934 أصابني الذهول لكني أدرك ماذا كنت تعني وأعرف انه عندما يكون شأن المرء شأن طه حسين, فانه لا يعيش ليكون سعيداً وإنما يعيش لأداء ما طلب منه, لقد كنا على حافة اليأس , ورحت أفكر:لا ,اننا لا نحيا لنكون سعداء ولا حتى لنجعل الآخرين سعداء , لكني كنت على خطأ , فلقد منحت الفرح, وبذلت ما في نفسكم من الشجاعة والإيمان والأمل. كنت تعرف تماماً انه لا وجود لهذه السعادة على الأرض, وانك أساساً بما تمتاز به من زهد النفوس العظيمة لم تكن تبحث عنها فهل يخطر علي الأمل بأن تكون هذه السعادة قد منحت له الآن؟)).
من أين تأتي السعادة لشخص مثل طه حسين؟عقل جوال جواب آفاق, وحس مرهف, ومجسات دقيقة رقيقة بالغة الدقة من أين تأتيه السعادة, والسعادة صنو البلادة والدماغ الثخين!! لقد قرأت الكتاب بتأن ومتعة فسوزان تسرد وقائع تزيد على ستة عقود من حياتهما المشتركة, فلم أجد إشارة إلى أنها نادمة أو ما يشبه الندم على حياتها معه, لا بل وجدت انها أضاعت عليه الكثير من الوقت الذي كان يجب ان يصرفه في البحث والكتابة , فهي امرأة اعتيادية ترغب في العيش بتلقائية والتذاذ وطه راهب من رهبان الفكر والمنقطعين في محرابه لكنه كان يشاركها في هذه الحفلات والسياحات السنوية في بقاع المعمورة الرائعة, لقد كانت تسهب في وصف الحفلات, حفلات الطعام خاصة وأصنافها, وظني بطه انه عزوف عن الأطعمة عيوف لما يتلهف عليه الناس من مشروب ومأكول ونحافته تدل على ذلك وأرى ان لو تركته في محاريب البحث والقراءة من دون ان تشغله بحفلات الطعام والشراب. لقدم لنا وللإنسانية – زيادة على ماقدم – الأروع والأبهى.
وبعد, تقول, سوزان: ( اليوم , التاسع من يوليو/ تموز 1975 أي بعد مضي ثمانية وخمسين عاماً على اليوم الذي وحدنا فيه حياتنا وبعد مضي ما يقرب من العامين على رحيلك عني, سأحاول ان أتحدث عنك ما دام قد طلب الي ذلك, أولئك الذين يعرفون حياتك العامة, ويعرفون عن حياتك عالماً وكاتباً أكثر مما اعرف عنها انا نفسي , كتبوا وسيكتبون مؤلفات جميلة وعميقة عنك, أما أنا فانني أريد بكل بساطة ان أخلد للذكرى مستعيدة ذلك الحنان الهائل الذي لا يعوض, ولاشك انك تدرك ذلك أنت الذي كتبت لي ذات يوم: (لسنا معتادين على ان يتألم الواحد منا بمعزل عن الآخر) (...) كان سكرتيرك يقرأ لك القرآن والتوراة كتابان كانا دوماً ضمن حقائبنا مع كتب أخرى كنا نحملها (...) وكنت أترجم لك مقالات [عن الفرنسية] (...) أما في المساء, فقد كنا نتشبث بجهاز الترانزيستور لنستمع إلى الأخبار من إذاعة مونت كارلو(...) وكنا نبحث بتلهف عن حفلة موسيقية جميلة وما كان اشد فرحنا حين نستطيع التقاط مهرجان ستراسبورغ أو نستمع إلى إحدى المسرحيات (...) كنت أستشعرك بالقرب مني فأنت على يساري لكنك مع ذلك كنت دوماً على يميني وكنت أتناول ذراعك اليسرى (...) وصلت جنوة وحيدة وحدة مطلقة. كان الجو جميلاً وكنت معك أنظر إلى هذا الجسر الرائع والذي سيكون مكان آخر وقفة لك على ارض أوربة. ورحت تقول لي: فيم رحيلنا؟ أوَ ليس بوسعنا البقاء وقتاً أطول قليلاً؟ (...) يقلقني عجزي عن أعادتك إلى قربي ويقنطني اعرف انك تحيا ولكن أين؟ وكيف؟(...) آه ما أبعدك يا صديقي لا أستطيع التغلب على هذا الضيق الذي يثقل صدري منذ الصباح(...) سأعيد القيام برحلاتنا كلها؟ سأتوقف حيث توقفنا (...) وفي الصمت, أتوجه نحوك بكل قواي كل ما بقي مني يأتي اليك.وانما لكي آتي اليك أكتب وأتابع كتابة كل ما يطوف بقلبي).
وتظل سوزان تبوح بخلجات القلب والعقل والروح ترى أهذه أقوال امرأة نادمة على حياته معه, أم انها نجوى عاشقة دلهها الحب والعشق والغرام فأطلقت العنان لقلمها ليبوح من القلب والروح..؟ لقد عقد الله إكليل المحبة بين قلبيهما ومن يعقد الله إكليله فلن يقدر على فسخه أحد.







اخر الافلام

.. ضرورة وجود ثقافة للتعامل مع الزملاء في بيئة العمل | الليلة


.. وزيرة الثقافة تفتتح صالون النحت الدولى بدورته الثانية بقصر ا


.. نبيلة عبيد: أفلامى فى بيروت نكسة.. وإحسان عبد القدوس أنقذنى




.. معرضا لفنانين سوريين بغازي عنتاب لنقل معاناة المعتقلين


.. أسهل طريقة لتعلم اللغة الفرنسية - أولى ثانوي2019