الحوار المتمدن - موبايل



عندما تريد افراغ منظمة ثورية مسلحة من ثوريتها

سعيد الوجاني

2018 / 9 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


من خلال العديد من المحطات الثورية ، في تاريخ العديد من المنظمات الثورية المسلحة ، سنكتشف ان من اهم أسباب تقوقعها ، وانحدارها نحو الهاوية المُفْضية الى الاستسلام ، هو قرار تخليها عن الكفاح المسلح ، والدخول في مفاوضات عقيمة ، قد تستمر لسنين وسنين ، ولن تنتهي سوى بإفراغ القضية من مضمونها الثوري ، وإلباسها اللبوس الإصلاحي ، الذي يحوّلها الى منظمة من الثرثارين ، الذين يجيدون فن الخطابة ، والتشكي ، والبكاء على الاطلال ، بعد ان يكون الزمن قد فعل فعلته في الثوريين الذين لم يعودوا ثوريين ، وفي التنظيم الذي سيتحول الى حزب سياسي ، يُمجّد ويتشبث بالتفاوض من اجل التفاوض ، مع التخلي عن روح القضية ، التي لفّتها سنوات النسيان .
ان هذه الحالة ، لاحظناها بالنسبة للمنظمات الثورية بأمريكا اللاّتينية ، كمنظمة " الطريق المضيء الماوية " ، " جبهة فرباندو مارتي للتحرير التحرير الوطني" " حركة زاباطا بالمكسيس " ، " منظمة توباماروس " ....لخ ، كما سجلناها في حالة منظمة التحرير الفلسطينية ، التي تركت النضال المسلح ، لصالح اوفاق مدريد و أوسلو ، وسجلناها في حالة جبهة البوليساريو ، التي أوقفت الكفاح المسلح ، منذ اتفاق وقف اطلاق النار في سنة 1991 ، الموقع تحت اشراف الأمم المتحدة .
بالنسبة للمآل الذي انتهى اليه مصير المنظمات الأمريكية ، كان هو الانضمام الى النظم القائمة ، دون ان يتحقق لها ادنى نتيجة ، من المشروع العام التي ناضلت بالسلاح من اجل تحقيقه ، بل الأخطر من ذلك ، انّ العديد من زعماءها ، رغم انهم القوا السلاح للانخراط في الدولة ، فان الحكام اعتقلوا العديد منهم ، والجماهير رفضت العفو عليهم ، ورفضت مشاركتهم في اللعبة الديمقراطية ، التي تجري دائما تحت اعين وانظار المخابرات الامريكية .
لكن هل حققت منظمة التحرير الفلسطينية ، بالنضال السياسي والدبلوماسي ، ما لم تحققه بالنضال المسلح ؟
لقد تعرضت الثورة الفلسطينية لمؤامرة كبرى ، تضافرت فيها القوى الغربية برئاسة الولايات المتحدة الامريكية ، وبتواطؤ أنظمة سياسة عربية ، على رأسها مصر والأردن ، وانضافت اليهما اليوم ، كل من السعودية والامارات العربية ، حيث الجميع يهلل لصفقة القرن التي ستُطمر القضية الفلسطينية الى الابد .
لقد مر على أوفاق مدريد حوالي ستة وثلاثين سنة ، ومرت على أوفاق أوسلو حوالي خمسة وعشرين سنة . فخلال هذه المدة تحللت منظمة التحرير من التزاماتها الشعبية التي كان يغديها النضال المسلح ، وانخرطت في مفاوضات ماراطونية عقيمة ، للوصول الى شيء لن يكون ابدا الدولة الفلسطينية . فما انتهى اليه الصراع السياسي والدبلوماسي ، تحت غطاء واشنطن ، والعواصم الغربية ، هو رفض عودة اللاّجئين ، والاستعداد لتوطينهم في بلاد اللجوء ، الغاء الأونروا لتُعوّض بوكالة تساهم في التوطين ، الاعتراف بالقدس عاصة للدولة العبرية ، واسقاط حل الدولتين ، لصالح مشروع الكنفدرالية ، او لصالح الحكم الذاتي . بل ان القاء منظمة التحرير لكل بيضها في السلة الامريكية ، انتهى بالإذلال المقصود ، حين تم اغلاق مكتب منظمة التحرير بواشنطن ، وتم اغلاق حسابات المكتب وموظفيه ، وانتهى الامر بطرد الفريق ( الدبلوماسي الفلسطيني ) من الولايات المتحدة الامريكية .
كل هذا الانقلاب الذي كان مرتقبا ومنتظرا ، تم امام اعين النظام السياسي العربي ، الذي يتوق الى ابرام صفقة القرن ، على حساب تضحيات الشعب الفلسطيني ، وعلى حساب أرواح الشهداء ، والمقاومين ، والمجاهدين الذين لا يزالون يقبعون في السجون الإسرائيلية ، دون ان يحرك قضيتهم نظام عربي ، او دولة اوربية مثل تدخل المانيا ، لإطلاق سراح أي صهيوني يقع في اسر المقاومة ، ولا حَظيَ مشكل المعتقلين الذين منهم من بلغ اكثر من ثلاثين سنة في السجن ، باهتمام من منظمة من المنظمات المشتغلة بمادة ( حقوق الانسان ) الدولية .
لقد أدت اوفاق مدريد وأوسلو ، بعد التخلي عن النضال المسلح ، بروز اتجاهات جديدة في قيادة منظمة التحرير ، بقدر ما تجتهد في الاندفاع في المفاوضات ، بقدر ما تتقدم اكثر ، في التنسيق البوليسي مع البوليس الإسرائيلي ، فكم من مناضل سلمه الامن الفلسطيني الى الامن الإسرائيلي ، وكم التبليغات قام بها الامن الفلسطيني ، عن الفلسطينيين المقاومين ، والمجاهدين لصالح دولة صهيون .
لكن الجديد الذي لعب الدور الهام في التغيير الذي طبع قيادة منظمة التحرير ، هو حين اغرقها الغرب وأنظمة الخليج ، في اوساخ الدولار ، حيث اصبح للعديد من عناصر القيادة ، اموالا بالدول الاوربية ( ياسر عبد ربه كمثال ، محمد دحلان ، محمود عباس ، قريع ، عزام ......لخ ) ، كما تغير نمط عيشهم ، ليتحولوا الى مستهلكين للسلع الغربية سواء اللباس ، البدلات الغالية الثمن ، العطور المسجلة ، السيارات الفارهة ، الفيلات الراقية والمفروشة من الطراز الرفيع .... لخ ) . في الوقت الذي ظل الشعب الفلسطيني المتاجرين بهمومه ، يعيش بالمخيمات تحت سقف الفقر .
الآن اكثر من تسعين في المائة من أراضي الضفة الغربية بيد إسرائيل ، وهذه لا تزال مستمرة في بناء المستوطنات ، رغم الانتقاد الأوربي المحتشم ، حتى لا يثير حساسية الشعوب العربية الغير مبالية بما يجري .
اما قطاع غزة فيخضع لحصار عربي صهيوني ، سيجعل من القطاع يتوقف في كل شيء ، على فتح المعابر والابواب المُتحكّمة فيها ، وهو ما سيجعل القطاع تابعا في كله لمصر ولاسرائيل .
الصورة قد اكتملت جيدا ، والمخطط قد نجح في قلب المعادلة والمفاهيم ، والسؤال : بعد ستة وثلاثين سنة عن اوفاق مدريد ، وبعد خمسة وعشرين سنة عن اوفاق أوسلو ، تكون القيادة الخائنة لمنظمة التحرير قد خانت فلسطين . لكن ما العمل ؟
القضية الفلسطينية ، سقطت كقضية في اعين الأنظمة العربية ، و ضرب العراق لم يكن بسبب غزو الكويت ، بل السبب الحقيقي في تدمير العراق ، هو حين ربط انسحابه من الكويت ، بانسحاب إسرائيل من فلسطين . هنا تحرك كل الغرب ، وليس فقط واشنطن ، وهو ما يدلل وبالملموس ، ان كل العواصم الاوربية هي مع إسرائيل الكبرى ، اما الظهور ببعض المواقف المتميزة عن مواقف واشنطن ، فالغاية هي ترك كل شيء للوقت الذي سيقتله . لقد اصبح محمود عباس وقيادة منظمة ( التحرير ) ، كالأيتام في مأدبة اللئام ، وبعد اغلاق واشنطن لمكتبهم ، وطرهم ، واغلاق حساباتهم ، وتهرب الأنظمة العربية منهم ، وتلاعب الاوربيين بهم ، لم يعد لهم من حل ، غير الانسحاب ، وتسليم المسؤولية للشعب الذي خانوه وخانوا قضيته . لكن هل يستطيع عباس فعلها ؟ لن يستطيع لان شهيته لا تزال مفتوحة على الدولار والعيش الرغيد .
ما حصل لمنظمة التحرير الفلسطينية ، هو نفسه المخطط الذي سقطت فيه جبهة البوليساريو . فقبل 1991 ، عندما كانت الحرب في الصحراء على اشدها ، تمكنت الجبهة من التأثير على النظام السياسي المغربي ، الذي اضحى بسب حرب الصحراء ، مهددا في وجوده . وهنا لا ننسى تأثير الحرب السلبي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي ، الذي كان يعرف هزات اجتماعية عنيفة ، كهزة الدارالبيضاء في 9 يونيو 1981 ، وهو ما دفع بالحسن الثاني لدرء مخاطر السقوط ، يقبل بالاستفتاء وتقرير المصير ، في مؤتمر منظمة الوحدة الافريقية في سنة 1981 / 1982 ، كما لا ننسى التضارب في المواقف ، التي قبلت مرة بالحكم الذاتي والاستفتاء الذي نظمه مخطط جميس بيكير المسمى ب " اتفاق الاطار " ، ثم الحكم الذاتي في سنة 2007 ، وبعده الجهوية الموسعة الاختصاصات ، ثم الاعتراف أخير في سنة 2016 بالجمهورية الصحراوية . فكل هذا التذبذب في المواقف ، كان بفعل التخلص من مشكل الصحراء ، طالما انه اصبح يهدد وجود النظم المغربي . وخاصة وان المحاولة الفاشلة للجنرال احمد الدليمي ، وبتنسيق مع الجزائر والجبهة ، قد ظلت تحفر حفرتها في جبين النظام .
لقد حاول النظام بدخوله الى الصحراء ، ان يسد ويقفل أبواب الخطر القادم من الصحراء ، حيث ان جميع السلالات التي حكمت المغرب جاءت من الصحراء ، وسقطت كذلك من الصحراء . لكنه باعتماده المقاربة الأمنية الضيقة ، وبتخليه عن القبيلة ، وتوظيفه وشراءه للأشخاص باسم القبيلة ، وهؤلاء يكونون سريعي الانقلاب ، والانتقال من موقع الى آخر بحسب المصالح ، كما يطغى عليهم النفاق والكذب ، يكون قد فشل في اقفال باب الخطر ، وتكون الصحراء لا تزال ، بموقعها ، وتضاريسها الجغرافية ، ووديانها ، وشعابها ، ورجالاتها ، لا تزال تشكل اكبر تحد ، واكبر خطر يهدد النظام في وجوده .
انه لتجاوز الخطر الدائم على النظام ، بفعل الحرب الشرسة والطويلة ، حيث تم تسجيل خسارات مادية وبشرية هامة ، وسقط في الاسر اكثر من اربعمائة ألف اسير حرب ، منهم من قضى في الاسر اكثر من ستة وعشرين سنة ، لم يجد النظام من وسيلة لقلب الظروف المهددة لوجوده ، غير الإسراع بالإبراق لمجلس الامن ، يطلب منه الإسراع بتوقيف الحرب حالا ، والشروع في اتخاذ الإجراءات المسطرية ، لتنظيم الاستفتاء الذي كان متوقعا في سنة 1992 ، او في ابعد تقدير في سنة 1993 . هكذا سينجح مقلب الحسن الثاني في الإيقاع بالجزائر ، وبالجهة ، بقبولهما بمقترح وقف اطلاق النار ، وتوج هذا العمل بتوقيع الطرفين ، النظام المغربي ، وجبهة البوليساريو ، على اتفاق وقف اطلاق النار في سنة 1991 ، وتحت اشراف الأمم المتحدة ، ومجلس الامن .
كما قلت أعلاه . ان أي منظمة ثورية مسلحة ، إنْ أنْت أردْتَ تجريدها من عنفها الثوري المسلح ، فما عليك الاّ ان ترمي لها بطعم المفاوضات السام ، الذي قد يستغرق سنين وسنين ، حتى يلف النسيان والاهمال جوهر القضية ، الذي سيصبح عوض الاستقلال ، الغرق في مستنقع المفاوضات .
لقد تم توقيع وقف اطلاق النار في سنة 1991 ، وقد ترتب على هذا الاتفاق ، انشاء " المينورسو " ، " هيئة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية " . وكان من المتوقع ان يتم تنظيم الاستفتاء ، وتحت اشراف الأمم المتحدة في سنة 1992 او 1993 . لكن الى الآن تكون قد مرت على وقف اطلاق النار سبعة وعشرين سنة ، دون ان تنجح " المينورسو " في انجاز المأمورية التي من اجلها تم انشاءها . بل ان النظام المغربي المتخبط في مواقفه المتضاربة ، قد تخلى عن حل الاستفتاء ، وليعوضه بحل الحكم الذاتي المعلن عنه في سنة 2007 ، رغم انه مات قبل ان يجف الحبر الذي كتب به .
إذن ماذا تنتظر جبهة البوليساريو منذ سنة 1991 ؟ هل تريد الاستفتاء ، وهذا اصبح مرفوضا من قبل النظام المغربي ؟ هل تريد الحكم الذاتي وهو حل ترفضه ، دون ان تستطيع ابتكار آليات الرفض الثورية ؟ هل تريد كنفدرالية ، وهو حل ،لا ولن يقبل به النظام المغربي ، كما لن تقبل به البوليساريو ، التي تتمسك فقط بالاستفتاء الذي اصبح بدوره متجاوزا ، باعتراف النظام الصريح بالجمهورية الصحراوية ؟ فماذا تريد الجبهة الفاقدة للبوصلة ، والتائهة في كثبان الصحراء ؟
لقد انتظرت الجبهة الخمس سنوات الأولى ، ولم يكن هناك حل . وانتظرت الخمس سنوات الثانية ، ولم يكن هناك حل . وانتظرت الخمس سنوات الثالثة ، ولم يكن هناك حل . وانتظرت الخمس سنوات الرابعة ، ولم يكن هناك حل . وانتظرت الخمس سنوات الخامسة ، ولم يكن هناك حل . وهي الآن في الثلاث سنوات من السادس سنوات الجارية ، ولا حل في الأفق .
وإذا كانت القضية الفلسطينية قد تعرضت لتآمر العواصم الغربية ، ومجلس الامن ، وبتواطؤ الأنظمة السياسية العربية ، وخيانة القيادة البرجوازية الفلسطينية ، فان القضية الصحراوية ، هي بدورها ، حلها من عدمه ، وفي ظل استمرار الستاتيكو ، هو بيد الولايات المتحدة الامريكية ، والدول العظمى بمجلس الامن . فأي مخرج سيكون لجبهة البوليساريو ،بعد آخر دورة لمجلس الامن حول الصحراء في أكتوبر 2019 ؟
والسؤال : ماذا عند الإعلان عن فشل مجلس الامن ، وبعده الأمم المتحدة في حل نزاع اصبح يعد من اقدم النزاعات في القارة الافريقية ؟
إذا كان يمكن القول بسبب الخيانات المتعددة والمتواصلة ، وداعا فلسطين ، فهل ستقول جبهة البوليساريو ، مع احتمال تغيير موقف الجزائر بسبب التحولات الجارية الآن على قدم وساق ، وداعا الجمهورية الصحراوية .
ان اية منظمة ثورية مسلحة ، إنْ أنْتَ أردْت أنْ تُجرّدها من صفتها الثورية ، فما عليك إلاّ ان تجرها الى المفاوضات السم العقيمة ، لتستمر سنين وسنين ، الى ان يلفّ النسيان القضية ، فتصبح ذكرى من أطلال غابرة .







اخر الافلام

.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبون في المعسكرات القسرية


.. الجبير: لن نسلم مواطنينا إلى تركيا


.. القمة الخليجية.. التصدي لعدائية إيران وخطر الإرهاب




.. السترات الصفراء.. خيارات باريس والكلفة الباهظة


.. اليمن.. حوار السلم وقناصة الميليشيات