الحوار المتمدن - موبايل



فصل تمهيدى : عن الصلاة فى تاريخ المسلمين وفى تشريعاتهم (1 )

أحمد صبحى منصور

2018 / 9 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


كتاب الصلاة : فصل تمهيدى : عن الصلاة فى تاريخ المسلمين وفى تشريعاتهم (1 )
أولا :المشكلة المنهجية فى بحث التراث
1 ـ أهم مشكلة منهجية فى الدراسات الاسلامية هى التعامل مع المصادر. أغلبية الباحثين يخلط بين الحقائق القرآنية المطلقة وبين روايات التراث وأحاديثه التى كانت تسميتها الأصلية : أخبار وروايات. هذه التسمية: ( أخبار وروايات )هى فصل الخطاب فى موضوعنا.
2 ــ فى عصر الازدهار العلمى لحضارة المسلمين كان علماء الحديث يطلقون على تلك الأحاديث مصطلح ( الخبر) والخبر عندهم هو الذى يحتمل الصدق والكذب، ولأن الأصل فيه الشك وليس اليقين فقد كانوا يجعلون له اسنادا عبر أجيال من الرواة ليحاول أن يؤكد صحته. وهذا الاسناد لا يعطى ذلك الحديث صفة اليقين لأن هناك مطاعن ضد الرواة واختلافات فى مدى صدقيتهم وحفظهم وأمانتهم فى النقل. ولا يوجد اتفاق عام على توثيق راو أو تضعيف راو آخر حسبما قال الامام الذهبى فى كتابه ( ميزان الاعتدال ). ولذلك كان علماء الحديث يقولون ان تلك الأحاديث تفيد الظنّ ولا تفيد اليقين. أى مجرد أخبار تحتمل الصدق والكذب ، وبالتالى ليست جزءا من الدين لأن الدين لا بد أن يكون يقينيا من عند الله تعالى ، وهذا لا يتأتى الا فى القرآن فقط . وقد قالوا ايضا ان العقائد أوالسمعيات لا تؤخذ الا من القرآن لأنها تدخل ضمن الايمان ولا بد للايمان أن يكون مصدره يقينيا.
3 ـ وفى عصر الازدهار الفكرى بعد موت النبى محمد بقرنين وأكثر ـ اى فى العصر العباسى الأول ـ عاش أئمة الحديث والفقه. لم يكونوا يقولون مباشرة ( قال رسول الله ) وانما يقولون ( روى فلان عن فلان عن .. ان رسول الله قال .. ) أى يؤكدون انها رواية بشرية وليست قولا مباشرا مؤكدا قاله النبى بنفسه لمن كتب ذلك الحديث. وبعضهم كان يختصر فيقول بطريقة المبنى للمجهول ( روى أن رسول الله قال ..) هو يؤكد نفس المعنى من أنها مجرد رواية متناقلة عبر رواة متعددين مختلفين فى الزمان والمكان.
4 ـ وفى عصر التقليد والجمود بدءا من القرن السابع الهجرى عكف اللاحقون على كتب السابقين يشرحونها ويلخصون الشرح ويجعلونه مختصرا موجزا ثم يحولون المختصر الى متن ثم يعيدون شرح المتن. وبذلك تقهقرت الحركة العلمية من تقليد الى جمود الى تأخر ، وذلك من بداية العصر المملوكى الى أواخرالعصر العثمانى. وبالتالى تحولت كتب العلماء السابقين الى أسفار مقدسة ـ مع اختلافها والشقاق بين مؤلفيها ـ وتحول أولئك الأئمة الى أنصاف آلهة لا يجوز الاعتراض عليهم أو مناقشة آرائهم. والأهم من ذلك أن روايات الأخبار عن النبى أصبحت بالتقليد الأعمى وغيبة العقل والنقد جزءا أساسا من الدين . وأصبح لا يقال ( روى فلان عن فلان عن أن رسول الله قال ) بل يقال على وجه التأكيد ومباشرة ( قال رسول الله ) او يقال : (روى البخارى أن رسول الله قال) كما لو أن البخارى كان صاحبا ملازما للنبى محمد عليه السلام وسمع منه مباشرة. والبخارى اكتسب قدسية مرعبة ترهب من يفكر فى مناقشة أحاديثه.
5 ــ ثم جاء عصر الصحوة التى بدأها الامام محمد عبده وحملها فى رحلاته الى تونس والجزائر وغيرها ، واقترنت هذه الصحوة الدينية بتوجهات سياسية وفكرية ليبرالية فى مصر وغيرها ، وكان مأمولا أن تثمر هذه الحركة نهضة اصلاحية تعيد الاسلام الى المسلمين وتعيد المسلمين الى الاسلام لولا ظهور الدولة السعودية بفكرها الوهابى الذى استرجع أردأ انواع الفكر السلفى وأشده تعصبا وتخلفا وجمودا وظلامية. وقام قطار النفط بنشر الوهابية على أنها الاسلام ، وأيدته ظروف محلية واقليمية ودولية فانتشر وساد ، واسفر فى النهاية عن اتهام الاسلام بالارهاب والتخلف والجمود. وهذا ما نعانيه الآن وما يستوجب الاصلاح.
5 ـ ومن ملامح هذا التخلف الوهابى المسيطر أنه أعاد منهج العصر العثمانى فى التفكير، وهو العصر الذى عاش فيه محمد بن عبد الوهاب، فلم يعد يقال : روى فلان عن فلان عن أن رسول الله قال ، بل أصبح أحدهم يقول بجرأة : قال رسول الله، كما لو كان جالسا مع النبى للتو واللحظة .. ولم يعد يقال انها " اخبار " أو انه (خبر ) عن النبى ، بل أصبح يعرف بأنه حديث تحدث به النبى على وجه اليقين فأصبح جزءا من الدين.
6 ـ بناء على هذه البلوى فاننا نعانى :
6 / 1 : من خلط مستمر فى المنهج بين حقائق القرآن وأقاويل التراث المنسوبة للنبى. فالعلماء التقليديون ومن سار على نهجهم من محترفى الكتابة فى الدين ـ بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير ـ يخلطون بين حقائق القرآن وأكاذيب التراث وأقاويله، يخلطون بين الحقيقة القرآنية المطلقة وأخبار التراث البشرية التى ـ ان صدقت ـ فالصدق فيها احتمال كما أن الكذب فيها احتمال آخر ، وكلاهما وارد.
6 / 2 : وزاد الطين بلة ـ كما يقولون ـ أنهم ألحقوا التاريخ بالأحاديث، مع أن كل دارس للتاريخ لا بد ان يبدأ بمنهجية الأحكام النسبية لكل روايات التاريخ ووقائعه، سواء كانت اقوالا أو كانت أحداثا بسيطة أو مركبة ، وسواء كان الراوى أو المؤرخ معاصرا للحدث ناقلا عنه من واقع المشاهدة والرؤية العيانية أو كان ناقلا عن السابقين من المؤرخين .
6 / 3 :تتضح البلوى أكثر لدى من يكتب فى الاسلاميات بدون علم ، أو بمجرد الهواية والجرأة الهائلة على الابحار فى هذا المحيط دون استعداد عقلى وثقافة ومعرفة وعلم بالمناهج البحثية . ترى أحدهم لا يكتفى بالكتابة فيما لا يعرف وفيما لا يفقه بل ويتصدى لنا مناطحا صائحا ويجد خلفه الأتباع وسقط المتاع يؤيدونه ويزايدون على جهله جهلا. وأساس الجهل عندهم هو ذلك الخلط بين حقائق القرآن المطلقة وأخبار التراث ، ورفعهم أخبار التراث الى مستوى حقائق الاسلام القرآنية. قد أكتب بحثا أستشهد فيه بآيات القرآن الكريم وببعض أخبار التراث وأحداث التاريخ فترى هؤلاء وقد تراءى لهم اننى وقعت فى مأزق فيتساءلون : اذا كان ينكر الأحاديث فلماذا يستشهد بها ؟ أواذا كان ينكر التراث فلماذا يستشهد بأحداثه ؟
7 ـ أننى انكر نسبة تلك الأحاديث للنبى محمد عليه السلام. انكرها ايمانيا كمسلم يكتفى بالله تعالى ربا وبالقرآن كتابا ،ومعى أدلّتى من القرآن الكريم ، وقد فصّلت القول فى ذلك فى كتاب ( القرآن وكفى )، وانكر نسبة هذه الأحاديث للنبى محمد كباحث متخصص فى التراث وفى البحث التاريخى . وقد فصّلت نقد الاسناد ( أى اسناد الحديث للنبى محمد ) فى بحث منشور عن الاسناد. انكارى نسبة تلك الأحاديث للنبى محمد يعنى أنها ليست جزءا من الاسلام الذى اكتمل بالقرآن. ومعنى انكارى نسبتها للنبى محمد اننى أراها معبرة فقط عن ثقافة المسلمين فى العصر الذى تمت كتابتها فيه، وأراها معبرة عن ثقافة مؤلفها ، فصحيح البخارى يعبر عن عقلية البخارى بمثل ما يعبر كتابى هذا عن ثقافتى وعصرى وعقليتى. وفى النهاية فهو جهد بشرى يؤخذ منه ويردّ عليه.
8 ـ وهذا الأخذ والرد والقبول والرفض ليس عشوائيا أو انتقائيا أو بمجرد الهوى او بدافع التحامل أو الجهل . بل له منهج علمى فى البحث، وقد شرحته بالتفصيل فى كتبى التى كانت مقررة فى جامعة الأزهر قسم التاريخ والحضارة الاسلامية ، ومنها كتب :( البحث فى مصادر التاريخ الدينى: دراسة عملية) ( اسس البحث التاريخى ) ، و(التاريخ والمؤرخون : دراسة فى تاريخ علم التاريخ) ( والتاريخ والمؤرخون : دراسة فى المادة التاريخية ).
هناك منهج يستطيع به الباحث قبول رواية تاريخية ورفض أخرى ، يستطيع به فحص الروايات اذا كانت متشابهة أو متعارضة أو متداخلة، ومنهج يستطيع به فحص الرواة والمؤرخين ومدى مصداقية أحدهم اذا كان ناقلا عن الغير أو ناقلا بنفسه عن عصره .. والحديث يطول فى منهجية البحث التاريخى وطبيعة المادة التاريخية ومناهج المؤرخين السابقين ومصطلحاتهم.. وفى النهاية فان مصداقية الباحث التاريخى والتراثى ترتبط بمدى كفاءته العلمية ومدى حياده ونزاهته وتقواه. وفى النهاية أيضا فان ما يتوصل اليه الباحث من بحثه التاريخى ( فى تلك الأخبار التراثية والتاريخية التى تحتمل الصدق والكذب ) ليس سوى وجهة نظر شخصية ، وليس أبدا حقائق مطلقة، لأن الحقائق المطلقة لا توجد الا فى القرآن الحكيم وحده.
9 ـ ما نستنبطه من القرآن الكريم وما نختاره من ( اخبار ) التراث والتاريخ هو عمل بشرى غير معصوم من الخطأ ، تكون جودته بقدر ما فيه من جهد عقلى وابداع بحثى واستدلال علمى . ولأنه عمل بشرى فانه يحمل اسم المؤلف، سواء كان المؤلف هو البخارى او أى فلان من الناس. أما القرآن العظيم فليس له مؤلف من الناس .أنه كتاب رب العالمين جل وعلا ، لذا فلا يصح مساواته بكتب البشر.
10 ـ هذا عن المناهج عامة ، فكيف بتطبيقها فى هذا الكتاب عن الصلاة بين القرآن الكريم والمسلمين ؟
ثانيا : منهج البحث فى هذا الكتاب
1 ـ بدأ الكتاب فى بابه الأول ببحث الصلاة فى القرآن الكريم أساسا، أى لا بد أن يكون القرآن الكريم هو مرجعيته حين نبحث عن ملامح الصلاة فى القرآن الكريم. ولهذا البحث عن الصلاة فى القرآن منهجية ، أذ أن للقرآن الكريم منهجه الخاص فى ايراد القصص وفى الاشارات العلمية وفى الدعوة وفى الحوار، وله منهجه الخاص فى التشريع عموما ، و فى تشريع ملة ابراهيم خصوصا، وهذا ما أوضحناه فيما سبق فى هذا الكتاب.
2 ـ بعده هذا المبحث الذى يتتبع الصلاة فى تراث المسلمين وفى تاريخهم بعد نزول القرآن الكريم. هنا لا بد من الاعتماد على المصادر البشرية من كتب الفقه والحديث، وكتب التاريخ التى أرّخت للقرنين الأول والثانى بعد الهجرة . وكلها موجودة ومنشورة ومشهورة. بالطبع ليست سوى روايات وأخبار وأحداث وآراء بشرية لأفراد تحتمل الصدق والكذب . بعضها قالها أصحابها بأنفسهم أو نسبوها كذبا للنبى محمد عبر الاسناد الذى نرفضه دينا وعلما، ونرى ان تلك الأحاديث انما هى آراء لأصحابها حملت اسم النبى بعد موته بقرن وأكثر زورا وبهتانا.
3 ـ هذه المصادر الفقهية والحديثية والتاريخية نحتكم فيها للقرآن الكريم ، ومروياتها تخضع للمنهجية العلمية الصارمة ، فهى روايات ورؤى بشرية تحتمل الخطأ والصواب والصدق والكذب وهى مقطوعة الصلة بالاسلام لأنها جهد لمؤلفيها من المسلمين ومعبرة عنهم وليس عن الاسلام العظيم الذى اكتمل بالقرآن الكريم. وما نصل اليه من آراء واجتهادات ليست هى الأخرى معصومة من الخطأ ، مهما تعاظم المبذول فيها من الجهد.
ثالثا : الخلفية التاريخية للمصادر التراثية
1 ـ الفتوحات أو الغزو العربى وتكوين امبراطورية عربية تحمل اسم الاسلام ، هو المفتاح لفهم الخلفية التاريخية لتراث المسلمين.
2 ـ انشغل العرب بالفتوحات والنزاع السياسى والعسكري خلال فترتى الراشدين والأمويين ، ولم يكونوا فى الأصل أصحاب حضارة سابقة أو من الأمم ذات الشهرة فى الكتابة والتدوين. كانت الأمم المفتوحة ذات ارث حضارى متصل ومكتوب، وقد تعامل العرب معهم ـ خصوصا فى الدولة الأموية ـ على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية ، فكان لقبهم السائد ( موالى ) أى الأتباع والخدم والعبيد، سواء منهم من كان رقيقا أو كان حرا فى بلاده، اذ كان يدفع الجزية حتى لو أسلم.
3 ـ فى وقت انشغال العرب بالفتوحات والفتن والحروب الأهلية والفتن والمكائد السياسية نشأ جيل جديد من الموالى خدم كبار الصحابة ونقل حكاياتهم ، وكانت لهم خلفية علمية لم تكن موجودة لدى العرب ، وكان العلم سبيلهم فى التميز الاجتماعى فى مواجهة أسيادهم العرب كما كانت المبالغة فى التدين بالاسلام وترك الدنيا بدعوى الزهد طريقة بعضهم فى المزايدة الدينية على العرب المسلمين الذين تنازعوا وسفكوا فى سبيل حطام الدنيا الدماء البريئة التى حرمها الله تعالى.
4 ـ أولئك الموالى وأبناؤهم كانوا قادة الحركة العلمية فى العصر الأموى، خصوصا بعد موت المتأخرين من الصحابة مثل خادم النبى الصحابى أنس بن مالك الذى توفى بالبصرة سنة 92 عن عمر يناهز 99 عاما،وهو آخر من توفى من الصحابة بالبصرة ، وعبد الله بن أوفى ت 86 وعبد الله بن الزبير 73 وابن عمرو 65 وابن عمر 74 وابن عباس 68 . جاء بعدهم من خدمهم من الموالى مثل سالم مولى عبد الله بن عمر 106، و عكرمة مولى ابن عباس الذى اخترع حديث : (من بدّل دينه فاقتلوه ) والتفاصيل فى كتابنا : ( حد الردة ).
5 ـ ينقل إبن الجوزى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله ) لما مات العبادلة " عبد الله بن عمر وعبدالله بن عمرو و عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير" صار الفقه فى جميع البلاد الى الموالى ، فكان فقيه أهل مكة عطاء بن رباح ، وفقيه أهل اليمن طاووس ، وفقيه أهل اليمامة يحيى ابن كثير ، وفقيه أهل البصرة الحسن البصرى ، وفقيه أهل الشام مكحول ، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراسانى ، إلا المدينة فان الله تعالى خصها بقرشى فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع ) ( تاريخ المنتظم 6 : 319 ـ 320 ). ونقول تعليقا على هذه الرواية :
5 / 1 : هذه الرواية تجاهلت مشاهير الفقهاء من الموالى مثل سعيد بن جبير ت 95 والشعبى ت 104 و مجاهد بن جبر 104 وابن سيرين 110 ومالك بن دينار 130 وكلهم من العراق ، كما أنها تجاهلت مصر تماما ، و قد قاد الحركة الفقهية فيها بعد سالم ( مولى ابن عبد الله ابن عمرو بن العاص ) فقيه مشهور من الموالى هو الليث بن سعد المتوفى 175 وكان مولى لخالد الفهمى ، وكان الليث معاصرا لأبى حنيفة وأستاذا لمالك بن أنس فى المدينة. وعن مدرسة المدينة فقد كان فقيهها سعيد بن المسيب الذى ولد بعد سنتين من مقتل عمر ابن الخطاب ، ثم عاش ليدرك الدولة الأموية معارضا سلميا لها الى أن مات فى خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 94 ، وكان من أشهر تلامذته الزهرى ت 124الذى كان أستاذا لمالك ابن أنس ت 179. كما أن مالك بن أنس كان أستاذه فى المدينة مولى ، وكان أعرف بالفقه والعلم منه ، إذ جمع بين الرأى والحديث إنه فروخ ، أو ربيعة الرأى المتوفى سنة 136 . إلا أن العصبية العربية أشهرت مالك وتجاهلت فروخ ، أو ربيعة الرأى الذى كان أستاذا أيضا لأبى حنيفة فى مدرسة الرأى والاجتهاد.
5 / 2 : ابن الجوزى نقل الرواية السابقة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المتوفى سنة 182 ، أى كان معاصرا لأولئك الأعلام الذين تجاهلهم. وقد يكون هذا التجاهل مبعثه اختلاف الرأى أو الحسد ، إذ لم تبلغ شهرة إبن أسلم أو علمه مبلغ أولئك الأعلام.
6 ـ جاء العباسيون للحكم بسيوف الفرس المسلمين من أتباع أبى مسلم الخراسانى ومساعدة من قبائل العرب القحطانية ، فتحولت الكفة الراجحة للموالى فتطرف بعضهم الى درجة الشعوبية وانتقاص العرب بل والطعن فى الاسلام واصطناع الالحاد والزندقة التى أصبحت ( موضة ) المثقفين وكتبة الدواوين العباسية ، ولا بأس بها لدى الخلافة العباسية طالما يظل ولاء الزنديق للدولة العباسية، فاذا كان متهما فى ولائه عوجل بتهمة الزندقة وقتلته الدولة بحد الردة الذى اخترعوه لقتل خصوم الدولة باسم الشرع، على نحو ما أوضحنا فى كتب ( حد الردة ) و( الحسبة ) وغيرها.
7 ـ واذا كان العصر الأموى قد شهد بداية الحركة العلمية فى بساطتها وسذاجتها و شفهيتها فان العصر العباسى الأول هو الذى شهد ازدهارها وتدوينها وتشعبها وتنوعها وتعقيدها من العمومية الى التخصص . وبدا واضحا أن الحضارات السابقة فى الرافدين والنيل قد تم بعثها وتلقيحها برؤي مستمدة من الاسلام وناطقة بالعربية. وكان لهذا التطور تأثيره فى الجزيرة العربية الموطن الأول للرسالة الاسلامية الخاتمة.
8 ـ لقد تعقدت الحياة فى العصر العباسى خصوصا فى بيئات الأنهار مثل العراق والشام ومصر ، بل ان دخول أبناء الأمم المفتوحة ـ أو الموالى ـ فى الاسلام ومعيشة بعضهم فى الجزيرة العربية جعل الحياة الصحراوية البسيطة فى مكة والمدينة أكثر تطورا. والبيئات الصحراوية بالذات منغلقة رتيبة الحركة تعيش على التقليد وتنأى عن التطور، والمدينة ومكة كانتا معا أهم الحواضر فى صحراء الجزيرة العربية.
9 ــ وبينما ظلت أهمية مكة سارية بالمسجد الحرام وظلت علاقتها بالتطور متجددة بالحج والعمرة فان المدينة لم تعد عاصمة المسلمين بعد مقتل عثمان ، اذ تحولت العاصمة الى الكوفة ثم دمشق ، ثم بغداد ، وأنحسرت عن المدينة الأضواء وتحول المال والقوة والاهتمام الى العراق والشام ومصر. ولم يعد للمدينة الا أن تعيش على ماضيها حين كانت عاصمة النبى محمد ومركز القوة والسيطرة فى عهد الخلفاء ( الراشدين ) وكبار الصحابة. من هنا تخصصت المدينة فى (حكى ) أو رواية تاريخ النبوة ،اذ هو تاريخ الآباء والأجداد لمن عاش من ذرية الصحابة فى المدينة فى العصر العباسى.
10 ـ ولأنها بيئة ماضوية تعيش على الماضى المجيد وتنسب نفسها للنبى محمد وعصره فقد واجهتها مشكلة التأقلم مع التطورات الجديدة الآتية من البيئات النهرية ذات الحضارة القديمة من مصر والعراق وفارس والشام. لم يكن متاحا الاجتهاد العقلى الصريح لأن البيئة تنكره وتنتصر للتقليد والاحتكام للماضى. كان المتاح هو تغطية ذلك الاجتهاد بنسبته للنبى محمد عليه السلام ، أو لكبار الصحابة ، او لما كان يعرف بعمل أهل المدينة. أى يقول أحدهم رأيا فلا يجرؤ على نسبته لنفسه ، خشية السخط عليه فيسارع بنسبته للنبى أو لأحد كبار الصحابة.
11 ـ هذا هو منهج الامام مالك الذى منع (أن يقول أحد فى الاسلام برأيه )، وتلك مدرسة الحديث الحجازية التى واجهت مدرسة الرأى فى العراق التى أنشأها أبوحنيفة . ثم ما لبثت مدرسة الحديث أن انتقلت الى العراق ومصر بالتطور الذى أحدثه فيها الشافعى.







اخر الافلام

.. روسيا تحاول نشر التعاليم المسيحية في الغوطة الشرقية عبر المس


.. ميليشيا أسد الطائفية تواصل قصفها لجنوب وشرق إدلب


.. البابا تواضروس يترأس قداس -50 عاما على تدشين كاتدرائية العبا




.. الجيش النيجيري يحبط هجوما لبوكو حرام على قاعدة عسكرية


.. تعيين وزير يهودي في تونس يثير جدلا