الحوار المتمدن - موبايل



حلاوة الذاكرة (قصة قصيرة)

زهير صادق الحكاك

2018 / 9 / 20
الادب والفن


دخل الطبيب الى صالة العناية المركزة، شاب في نهاية العشرينات من عمره، طويل القامة، وسيم المحيا، شعره اسود كثيف مرتب بعناية، لكن خصلة ملتوية ابت الا ان تهبط على جبينه وتغطي احدى عينيه. اقترب من السرير وسأل: ما هي الحالة؟ اجابته الممرضة وهي تنظر في اوراق لوحة المريض، رجل في السابعة والخمسين من عمره، جاءت به سيارة الاسعاف اثر نداء احد الناس رأى سيارة تتمايل ثم صعدت الرصيف وتوقفت امامه، وهذا الرجل (سائقها)، كان ماسكا صدره ويتنفس بصعوبة واضحة. حال وصوله وضعناه على جهاز التنفس، وحقناه بمنشط القلب، فاستقرت حالته، واجرينا له كافة التحليلات اللازمة واشعة شرايين القلب. رفعت الممرضة فلم الاشعة امام الضوء وقالت: انظر دكتور الشرايين الثلاثة مغلقة تقريبا ويحتاج الى عملية. لكن هناك مشكلة، صنف دمه نادر جدا وغير متوفر في المستشفى.
اخذ الطبيب لوح الاوراق وراح يقلبها ويتمعن بما فيها، نظر الى وجه المريض وهو مغطى بكمامة جهاز الاوكسجين، وضع السماعة في اذنيه، وبدأ بتمرير اللاقطة بين الشعر الابيض الذي كان يغطي صدر المريض. رفع رأسه، وقال: القلب مستقر، وبدأ يكتب على احدى الاوراق، وفي لحظة شرود وقعت عيناه على اسم المريض، اصابته دهشة كبيرة، ترنح على اثرها، وكأن الغرفة قد اصابتها هزة ارضية، تماسك قليلا، تنحنح بحنجرته وقال يتمم بصوت متهدج اعطه 10 مل من مخفف الدم، ودعيه ينام لأطول فترة، سأتكلم مع البروفسور حول العملية ومسألة ندرة دمه، وغادر الغرفة مسرعا حتى لا تلمح الممرضة دهشة عينيه.
جلس على مكتبه الصغير بعد ان اغلق باب الغرفة، وهو يكلم نفسه، لا..لا يمكن، انه تشابه اسماء، فلقد اخبرتنا امنا بأن ابانا قد مات في حادث سيارة، وأعطتنا شهادة وفاته لنقرأها. ثم قررت أن نترك بينتنا وجئنا الى هذه المدينة البعيدة. وسرح يقلب ذكرياته ،استغربنا كثيرا عندما قررت امنا تغيير لقبنا، ومن اوامرها بعدم التكلم عن ذكرياتنا وماضينا. همس في نفسه، اني اتذكر تلك الليلة، بعد سنوات من استقرارنا في هذا البيت، صحوت من نومي لأشرب الماء، رأيت نورا ضئيلا في الصالة ، خرجت من غرفتي بهدوء ونظرت الى اسفل، رأيت امي قد عملت نارا صغيرة في برميل معدني في وسط الصالة، وهي منشغلة في سحب صورا من البومات لم اراها من قبل وترمي بها الى النار، بعد كل رمية كنت ارى النار تزداد لهبا وشرارات متوهجة كأنها نجوما متوهجة تقفز هنا وهناك في عتمة الصالة. بقيت طول الليل افكر بما كانت تفعله امي، ولما بزغ الفجر، وانسحب ظلام السماء، نزلت الى الصالة بهدوء، رأيت البرميل مملوء بالرماد، ولا اثر لتلك الالبومات، ووقع نظري على طرف احدى الصور وقد حشرت مقلوبة تحت السجادة، اخذتها، ونظرت اليها بلهفة. نعم هذا ابي وانا جالس في حضنه وهو بين جدي وجدتي، كان عمري قرابة الخمس سنوات، ضممتها الى صدري، وهرولت صاعدا الى غرفتي، قفلت بابي وبقيت لفترة طويلة متسمرا بعيني الدامعتين على الصورة. كتمت الامر، وحملت الصورة دائما في احد كتبي، في المدرسة والجامعة، وحرصت جدا في ان لا تراها امي، لأني اعرف انها ستغضب، وانها ستنفعل وتفقد اعصابها، وثورتها تبدأ عادة بالصراخ والبكاء والسب والشتم وتضربني وتضرب اختي وتكسر حاجات البيت، لتصل الى القمة وتقوم بهلس شعرها وضرب رأسها بالحائط والدولاب، ولا احد يستطيع ان يقف بوجهها. حتى اختي لا تعرف بوجود هذه الصورة. انتصب واقفا كأنه رأى شبحا، وذهب الى رف فيه مجموعة من الكتب، سحب احداها وبدأ يقلب بأوراقه الى أن وجدها، صورة بحجم الكف، اصفرت بحكم الزمن. نظر اليها بتمعن باحثا عن الشبه بين صورة الشاب الضاحك ووجه المريض الذي راه قبل دقائق. صرخ بلهفة مكبوتة، انه هو..انه ابي، ولكن بشعر ابيض ولحية بيضاء ووجه مريض اصفر. اذن هو حي!! لماذا كذبت علينا امنا وقالت انه مات؟ انتفض واقفا، تمشى في الغرفة قليلا وهو يفكر. اخرج حقنة بلاستيكية صغيرة من احد الجرارات، ربط زنده الايمن بحبل مطاطي، غرز الابرة في وريده وسحب كمية من الدم، وضخه في انبوبة صغيرة، كتب عليها رقما ووضعها في جيبه. تسلل الى غرفة المريض اثناء غياب الممرضة، وجده مازال نائما، رفع كمامة الاوكسيجين، ونظر الى وجهه بتمعن، ابتسم بعينين دامعتين واراد ان يقبله، اعاد الكمامة في مكانها، واخرج حقنة اخرى من جيبه، غرز ابرتها في الكانيولا المثبتة على ظهر كف المريض وسحب كمية من الدم وضخها في انبوبة صغيرة، كتب عليها رقما، ووضعها في جيب صدريته. غادر العرفة بهدوء ونزل الى مختبر التحليلات، وطلب من زميله في الدراسة ان يقوم بتحليل النموذجين بنفسه ويخبره عن درجة تطابقهما.
عاد وجلس في غرفته يفكر. فتحت الممرضة الباب بهدوء وقالت بصوت معتذر: لقد حضرت والدة مريض القلب وهي جالسة في غرفة الانتظار. انتفض واقفا كالملدوغ، بقي واجما شاردا متوجسا من هذا اللقاء، وهو يسمع اقدام الممرضة تنسحب ليتحول صوتها الى صدى مبهم . خرج مرتبكا، يجر رجليه جرا، وبيد مرتجفة، وجبين متفصد بحبات من العرق، فتح الباب ليرى عجوزا نحيلة الجسم، شعرها ابيض، انيقة في رونق جميل بالرغم من قسوة سنوات العمر. ارادت ان تقف مترنحة، فهب اليها ومسكها من كتفها ونظر الى وجهها عن قرب، فتبخرت سنوات، وتذكر ذلك الوجه الحنون، واراد ان يصرخ بأعلى صوته جدتي..جدتي الحبيبة، لا تتعبي نفسك، ولكنه خنق صوته بألم شديد. سألته بصوت مرتجف، كيف رأيت ابني دكتور؟ هل سيعيش، انه ما زال صغيرا، اجابها بصوت متكسر من اعماقه ولا يدري كيف نطق به: انه بخير، نائم الآن، حالته مستقرة، سنجري له العملية غدا صباحا. اعدك بأنه سيكون على احسن ما يرام.
شكرته واطلقت زفرة طويلة، وقال بصوت حزين، والدمع يتغرغر في عينيها، الحمد لله، لقد جئنا لزيارة احد اصدقائه الذي اشترى بيتا في هذه المدينة البعيدة . كان يسوق سيارة صديقه عندما اصابته النوبة، كان يجربها بعد ان قام بتصليح عطل في محركها، طول عمره يحب السيارات. انه امانة بين يديك دكتور. خرج من الغرفة مسرعا قبل ان ترى جدته وجهه الحزين وترتعب من دموع عينيه. عاد الى غرفته، وضع الصورة امامه وبقي ساهما ينظر اليها ، نعم ان هذه العجوز جدته التي فقدها من عشرين سنة، نفس وجهها المريح ونفس كلامها المقنع، ولكن اين هو جده؟ ذلك الرجل الطيب الذي كان يأتي الى الروضة ويدهشه ويدهش باقي الاطفال والمربيات بألعابه السحرية، ويعود بي الى بيتهم بسيارته البيضاء، ويداعبني ويضحكني ويدغدغني بخاصرتي، ويطبخ لي تلك الاكلة اللذيذة التي كنت احبها. شعر بالموبايل يرتجف في جيبه، انه زميله في المختبر، تلقى الخبر الذي كان يتوقعه دون اي شك، ان نموذجي الدم في اعلى درجة تطابق، شعر بسرور كبير، وبدأ يتحرك بالغرفة يصفر ويشمر بذراعيه كأن راقص باليه يتمرن على حركات طلبها منه المدرب. فتح الموبايل على رقم اخته وكتب: اختي الحبيبة، اريدك ان تأتي الى المستشفى بعد انتهاء عملك، عندي لك مفاجئة العمر، ستجعلك من اسعد الناس، انني متأكد بأنك ، مثلي، سترفضين العودة الى بيتنا، بعدما تعرفين الحقيقة. رفع الصورة بيده وراح يقبلها والدموع اغرقت عينيه، وهتف بصوت عال غير مبال لمن يسمع، ستعيش يا ابي الحبيب، وستفرحين جدتي، سنعود لنعيش معا، وسنستعيد بفخر اسمنا القديم، وغادر الغرفة ، وهو يطاد ان يطير، وذهب الى استاذه البروفسور ليخبره بحكايته.







اخر الافلام

.. مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين


.. الحياة الثقافية 3 تاريخ 1ث


.. الحياة الثقافية والفكرية تاريخ 1ث




.. الحياة الثقافية والفكرية 2 تاريخ 1ث


.. أنا الشاهد: مسرحية -وجع - قصة تحكي عن خجل المجتمع والتخلي عن