الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل الرابع 4

دلور ميقري

2018 / 9 / 21
الادب والفن


الضاحية المغسولة بلون الغسق الأرجوانيّ، وجدها وقد رانَ عليها ما يُشبه صمت القبور، قياساً بضوضاء مراكش. فضلاً عن حقيقةٍ، تأكد منها؛ وهيَ أن السيارة تقطع المسافة بينهما في أقل من ربع ساعة. على أنّ حقائق أخرى، أكثر أهمية، أجيزَ له الاطلاع عليها قبيل الرحلة وفي سياقها على السواء: أولها، أنّ ابن الأسرة المُحسنة كان أشترى منزلاً، سبقَ وأقام فيه " فرهاد " مع امرأته وأمها. هذه الأخيرة، أنجزت إجراءات البيع في غياب ابنتها، مما يعني أن المنزل مسجّلٌ باسمها. وكان على " سيامند " أن يهتم بالتفاصيل، كونه مارس مهنة المحاماة علاوة على مشاكل الإرث في أسرته نفسها!
ولأنّ الذكرى ما تفتأ تسكن ذهنه، فإنه فكّرَ الآنَ كم من المرات اجتازَ فيها أخوه الراحل هذه الدروب المتربة مشياً وركوباً: " ولكنه شأن شقيقته، كان تحت تصرفه أحياناً سيارةُ رانج روفر، بيضاء ناصعة كعروس، وليسَ بيجو عجوزاً ". لم تجلبَ الفكرةُ المتفكّهة مرحاً لداخله، المختنق بما يعلمه عن مدى المعاناة والآلام، التي أثقلت كاهل أخيه خلال فترة إقامته في الضاحية.
شرعت السيارة تسيرُ متمهلة بموازاة ساقيةٍ نحيلة، متمددة على طول الدرب المؤدي إلى المزرعة المقصودة. ولكن لم يكن ثمة نهرٌ ما لاحَ في هذه الأنحاء، يُمكن أن يُعزى إليه مصدر مياه الجداول، المنتشرة بين الحقول وعلى جوانب شبكة الطرق. هنالك عند نهاية مجرى الساقية، المُشكّل قمة ترابية هيّنة الارتفاع، وقفَ رجلٌ ضخم الجثة وبيده عصا يستند عليها بتكاسل وما لبثَ أن وجّهها نحوَ السيارة المقتربة. ثم أقتربَ بدَوره من الراكبين حالما دلفا من عربتهما، مقدّماً نفسه بصوتٍ يصدُح بالزهو والتعالي: " اسمي مصطفى، وكيل أعمال سعادة الجنرال ". مشى أمامهما دونَ أن يضيف كلمة أخرى، إلى أن صاروا جميعاً أمام مدخل فيللا على شيء من الفخامة بالرغم من مظهرها، الكئيب والمتوحّد. وكانت عمارة المسكن على النمط الأوروبيّ، إنما بخصائص ملائمة للبيئة المحلية. مثلما الأمر مع باب الفيللا المزدوج، حيث جُعل الخارجيّ من الحديد المتشابك لضرورة الأمن. كذلك الجدران، كان يتسلق عليها نبات شوكيّ كثيف وربما لنفس الضرورة. عندئذٍ فكّرَ " سيامند "، أنّ هكذا اعتبارات مناسبة لرجلٍ أمضى عمره ضمن الأجهزة الأمنية يواجه الأخطارَ أو يتكهّن بوجودها كي يقتنع رؤساؤه بأهمية شغله وظيفته!

***
" هذه المزرعة، بما فيها المسكن، كانت تعود بملكيتها أساساً إلى رسام فرنسيّ توفيَ في العام الماضي، ولقد اشتريتها قبل بضعة أشهر. هذا جواباً على ملاحظتك الصائبة، بشأن العمارة الأوروبية "، خاطبَ الجنرالُ ضيفَهُ بطريقته الفظة المعهودة. كانا يجلسان على الشرفة، المعتلية مدخل البناء، تغمرهما أضواءُ مصابيحها الكهربائية المبهرة، فيما غابَ كلٌ من السائق والوكيل. هذا الأخير، كان قبل ذهابه قد همسَ شيئاً في أذن المعلّم. وما عتمَ أن تقهقر متراجعاً، آنَ سماعه الصوت الآمر: " لا، أجلب الشاي حالياً ". فلما بادرَ الضيفُ للقول، أنه تعشى مبكراً في المنزل، فإنّ سعادته رسمَ ابتسامة متهكّمة على شفتيه الغليظتين. وأعادَ حركته غير المهذبة، لما تساءل " سيامند " عن مصدر أصواتٍ غريبة تخترق الجو الحار، الخريفيّ.
" إنها الخفافيش.. "، أجابَ الجنرال مبتسماً ثم أضافَ فوراً: " وعليك أن تأخذ حذرك، لأنها عمياء وتصطدم مع أيّ جسمٍ غير متحرك ". من الشرفة، ظهرت لعينيّ الضيف مئذنة مسجد الضاحية، وكانت الوحيدة المُنارة في هذا الخلاء المكتنف بالعتمة. بقيَ متململاً في مجلسه، بما أنه لم يجد حديثاً مُجدياً بالوسع تبادله مع مضيفه، بينما عيناه حطتا على باحة المدخل في الأسفل. كان ثمة بركة مستديرة، يحوطها قواعد حجرية متهشمة تقريباً. خمّن " سيامند " أنها على الأرجح قواعدُ تماثيلٍ، اقتلعت بعدما آلَ المكانُ لملكية هذا الرجل، الجاهل والجشع: " ولعلها كانت تماثيلَ عارية، خدشت حياء وتديّن سعادته! ". ثم آبَ أخيراً الوكيلُ على أعقابه، ليغير نوعاً جو الجلسة المتسم بالملالة والسأم والخواء. كان يدفع أمامه طاولة صغيرة ذات عجلات، تصرّ صريراً مزعجاً، فيما سطحها شغله أبريق فضيّ وأقداح مذهّبة.. ولا شيء آخر.
" تفضلوا..! "، قال الجنرال لضيفه في حيوية وهوَ يمد له القدحَ الملفوف بعبق النعناع. وكان الوكيلُ قد أمِرَ أن ينده للسائق، وهذا هوَ يتقدم متهيباً كي يُشاركهم شربَ الشاي. تساءل " سيامند " عند ذلك في سره، متضايقاً قليلاً: " هل فوّتُ عليّ الخلوة، أم أن موعدها لم يحن بعدُ؟ ". هكذا عليه كان أن يشحذ صبره، بالأخص لأن موهبة الجنرال في الحديث قد أينعت على حين فجأة. فراحَ بصوته الخشن، الموحي بطول تعاطيه الكيف، يتباهى بذكر جولات الصيد في المنطقة: " ولو أردتَ المبيت الليلة لدينا، فإننا في الغد ظهراً سنخرج إلى البراري ونعود منها بغلة وافرة من الطيور "، قالها لضيفه بنبرة تفيض أريحية وكرماً. هذا العرض، لاقى في المقابل اهتمام الشاب. فأبدى حالاً موافقته، ثم عقّب بالقول: " كما أنني أرغب بزيارة أسرة صديقة، أو قريبة في واقع الحال "
" ألديك أقارب في مراكش، وهنا في الضاحية أيضاً؟ "، استفهمَ منه الجنرال مستغرباً. إلا أنه عاد واستدركَ، كأنما تذكّر شيئاً: " آه، نعم. إنّ عبد الإله حدثني عن أسرة تحتضن طفلة؛ ابنة أختك أو أخيك، أليسَ كذلك؟ "
" ابنة أخي، بلى. وهنا يقيم ابن هذه الأسرة، وهوَ أيضاً أشترى منزله منذ بضعة أشهر "
" أظنني أعرفُ الآنَ عمن تتكلم، وأعرف كذلك ممن أشترى المنزل "، قالها مرخياً جفنَ عينه اليمنى بحركة ماكرة. تجاهل " سيامند " الإشارة الخرقاء، مكتفياً بهز رأسه فيما يرشفُ الشايَ.







اخر الافلام

.. مؤتمر وزراء الثقافة العرب يشهد توقيع اتفاقية -حضانات رواد ال


.. وزير الثقافة التونسي يؤكد على عمق العلاقات بين مصر وتونس


.. معاً نستطيع..Poder | أيام قرطاج السينمائية 2018 | PROMO




.. اللغة الروسية أساسية في المنهج السوري ! و مُحِبو صلاح الدين


.. تفاعلكم : جدل في تونس بعد خروج ممثل عاريا على المسرح