الحوار المتمدن - موبايل



الإنسانية في النظام الاشتراكي مقابل النظام الرأسمالي، تجربة شخصية

نضال الصالح

2018 / 9 / 23
سيرة ذاتية


الإنسانية في النظام الاشتراكي مقابل النظام الرأسمالي، تجربة شخصية

في شهر مايو من عام 1956جرى سجني في الكويت، حيث كنت أعمل مدرسا، مع بعض الأصدقاء والرفاق من القوى اليسارية بتهمة الشيوعية. وبعد إقامتنا في السجن لأيام، جرى تسفيرنا كل إلى بلده ولقد كنت من بين المجموعات التي جرى تسفيرها إلى الأردن. وحين وصول مجموعتنا إلى مطار قلندية الغير بعيد عن القدس وجدنا أن أفرادا من المخابرات الأردنية تنتظرنا وجرى القبض علينا ونقلنا إلى سجن المدينة التي ننتمي إليها، وكان من نصيبي سجن مدينتي نابلس والذي يقع في الجهة المقابلة لبيتنا. لم يكن أهلي يعلمون بسجني في الكويت ولا بطردي منها ولا بسجني في سجن غير بعيد عنهم. في أثناء الإجراءات التي يقوم بها السجن لإقامة السجين ومنها حلق شعر الرأس التقيت بشرطي من أقاربنا، الذي دهش بوجودي ولقد سألني إن كان أهلي يعلمون بوجودي فأجبته بالنفي، فما كان منه إلا أن جرى مسرعا إلى بيتنا ليخبرهم عن وجودي بالسجن، ولقد ظنت والدتي أن ذلك نوع من الدعابة ولكن قريبنا أقنعها بالحقيقة.
كان والدي في ذلك الوقت في عمان حيث كان عضوا في البرلمان الأردني وكان صديقا للملك حسين حيث عرفه منذ كان صبيا ملكا تحت وصاية أمه. اتصلت والدتي بوالدي وأخبرته بما حدث، فما كان منه إلا أن اتصل بالقصور الملكية وطلب مقابلة الملك فكان له ذلك. في لقاءه مع الملك أخبره والدي بأن المخابرات الأردنية قد اعتقلتني حال وصولي من الكويت إلى الأردن وانني في السجن. لقد تقبل الملك الخبر بامتعاض فقام بمهاتفة وزير الداخلية وطلب منه إطلاق سراحي حالا، ولم يكن وزير الداخلية على علم بالأمر، أو هكذا قال للملك. وفعلا اتصل وزير الداخلية بمدير شرطة نابلس وطلب منه إطلاق سراحي وهكذا كان.
علمت من والدي أن اتفاقا قد جرى بين والدي والملك حسين بناء على نصيحة من مدير المخابرات بأن اترك الأردن لأن المخابرات الأردنية ستقوم باعتقالي إن بقيت في الأردن. وفعلا كان أحد جواسيس المخابرات يزور بيتنا بين الحين والأخر ويسأل عن موعد مغادرتي الأردن، وكان اسمه حبرون ولقد قامت المقاومة الفلسطينية بقتله بعد الاحتلال الإسرائيلي لأنه أصبح عميلا للمحتل الإسرائيلي.
غادرت الأردن إلى بيروت وكان هدفي الذهاب إلى إحدى الدول الاشتراكية للدراسة ولقد قدمت طلبا للسفارة التشيكوسلوفاكية لهذا الغرض. انتظرت عدة أشهر ولم يردني أي جواب ولقد علمت لاحقا أن المسؤول عن تنظيم الحزب في بيروت، قام بتعطيل القبول. لذا قررت الدراسة في النمسا ولقد توجهت مع صديق لي كان من جملة المجموعة التي سجنت وطردت من الكويت والذي قام مسؤول التنظيم أيضا بتعطيل قبوله، إلى فينا. وعندما وصلنا إلى فينا استأجرنا بيتا صغيرا وبدأنا بالإجراءات اللازمة للتسجيل في الجامعة.
بعد فترة قصيرة من إقامتنا قمت في الليل على وجع شديد في أسفل البطن وارتفعت درجة حرارتي لدرجة الهلوسة. قام أصدقائي بنقلي إلى المستشفى وبعد فحصي أخبرني الطبيب بأنني اشكو من التهاب شديد في المصران الأعور وأنه يجب أن يجرى لي عملية جراحية لإزالة المصران قبل أن ينفجر ويسبب لي التسمم العام. نقلت إلى قسم الجراحة ومعي تقرير الطبيب الذي يطلب إجراء عملية سريعة لإزالة المصران الأعور.
طلب المسؤول أن أذهب بالأوراق إلى قسم التسجيل في المستشفى لكي يقوموا بتسجيلي وطلب إجراء العملية. جلست على مقعد في الممر وكنت منهكا من شدة الألم وعلو درجة الحرارة ولقد ذهب بعض الأصدقاء للقيام بعملية التسجيل. بعد مضي بعض الوقت رجعوا ليخبروني بأنه لا يمكنهم تسجيلي إذ لا بد من دفع مبلغ من المال لتغطية ثمن العملية والإقامة في المستشفى لأنني لست مؤمنا صحيا في النمسا. ولم يكن في ذلك الوقت بطاقات بنوك مثل الفيزا وغيرها ولم أكن بقادر على الذهاب للبنك لسحب المبلغ المطلوب، فلقد كان الألم وارتفاع درجة الحرارة يمتصان قواي. هنا قرر الأصدقاء أن يتركاني برفقة أحد الأصدقاء وأن يذهبا لإحضار المبلغ المطلوب. ولقد مر الطبيب الجراح وانا جالس على ذلك المقعد في الممر وانا في حالة مزرية وتكلم مع صديقي الذي كان برفقتي وكان يتقن الألمانية وسأله عن الأمر فأخبره صديقي بالموضوع فهز رأسه تعجبا وتكلم مع إحدى الممرضات وقال لها إن لم تجرى له العملية بسرعة فيمكن للمصران أن ينفجر ويسبب للمريض تسمم عام قد يهدد حياته، ولكنها أخبرته أن الأمر ليس بيدها، فطلب منها أن تدخلني إلى الغرفة وأن تدعني أستلقي على السرير فوجودي في الممر شيء غير لائق. وهكذا كان وبقيت أنتظر إلى أن عاد الأصدقاء بالمبلغ المطلوب وجرى تسجيلي ونقلت إلى غرفة العمليات وأجريت لي العملية المطلوبة. واذكر أنه بعد العملية وكنت لا أزال تحت تأثير المخدر، حين جاء المحاسب وأيقظني من النوم وقال لي أنني مديون للمستشفى بمبلغ مائتي شلن علي دفعها قبل الخروج من المستشفى.
خرجت من المستشفى ولم يكن الجرح قد التأم بعد واتصلت بصديقي الذي كان يدرس الطب في براغ وكان يعمل في الكويت أثناء وجودي هناك وأخبرته ماذا حصل معي ففاجأني بخبر أن طلبي للدراسة في تشيكوسلوفاكيا قد قبل وطلب مني القدوم إلى براغ وإخباره بالموعد. ولهذا القبول قصة لا أود أن اخوض في تفاصيلها الآن . أعدت إلى أصدقائي المبلغ الذي دفعوه للمستشفى شاكرا على مساعدتهم لي واشتريت تذكرة طائرة من فينا إلى براغ وأخبرت صديقي بموعد قدومي.
كان في انتظاري في مطار براغ صديقي برفقة امرأة لا أزال أذكر اسمها، دربلوفا، وكانت مسؤولة عن الطلاب الأجانب، وقامت بتسليم الوثائق اللازمة إل شرطة المطار، حيث لم يكن بحيازتي إشارة دخول إلى تشيكوسلوفاكيا. بعد ختم جواز سفري غادرنا المطار وذهبنا إلى المدينة حيث وضعتني في قطار متجه إلى مركز تعليم اللغة التشيكية في مدينة الحمامات المعدنية مريانسكي لازني. انتظرني في محطة قطار المدينة أحد المسؤولين الذي أخذني فورا إلى أحد الأطباء والذي قام بفحص الجرح بعد العملية فوجده ملتهبا فأدخلوني المستشفى حيث بقيت فيه أسبوعان، قاموا خلالها بكل ما يلزم من الفحوصات ولم يطلقوا سراحي إلا بعد أن تأكدوا أنني بصحة جيدة وأن الجرح قد التأم.
قضيت في تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية أعوام طوال، ورغم الأخطاء المتعددة التي قام بها الحزب والنظام فإن المثل الي ذكرته وعشته وعشت مثله الكثير لدليل على أن النظام الاشتراكي يظل أكثر إنسانية بشكل كبير من النظام الرأسمالي.

نضال الصالح







اخر الافلام

.. التصويت في البرلمان البريطاني على مذكرة حجب الثقة عن تيريزا


.. منزل عائلة فلسطيني متهم بقتل جندي إسرائيلي يواجه الهدم


.. ماذا يعني بريكست بلا اتفاق؟




.. غريفيث يقدم مقترحات لطرفي النزاع اليمني


.. أحجية الحكومة اللبنانية.. تشكيل لا تشكيل