الحوار المتمدن - موبايل



الكلمة وأثرها في قصيدة -حقا قامت- سيلمان أحمد العوجي عندما يستخدم الشاع

رائد الحواري

2018 / 9 / 24
الادب والفن


الكلمة وأثرها في قصيدة
"حقا قامت"
سيلمان أحمد العوجي
عندما يستخدم الشاعر كلمات معينة، ثم يتبعها بأخرى تعكس الأثر الذي تركته فيه الكلمة الأولى فإن هذا يشير إلى أن الشاعر لا يكتب القصيدة، بل هي التي تُكتبه، ومن ناحية أخرى تعكس مشاعره تجاه تلك الكلمات، وما يحمله في العقل الباطن، وهذا ما يجعلنا نلتقط الثمار من بين الأشواك، فرغم القتامة سنجد هنا بياض يشع من بين الأنقاض، وهذا ما يجعل القصيدة متألقة، فنجد فيها حالة الصراع بين الموت والحياة، بين السواد والبياض، وكأن الشاعر يعيدنا إلى ملحمة "البعل" وصراعه مع الموت، وهذه الثانية بحد ذاتها تحسب للقصيدة وللشاعر.
تفتتح القصيدة ب:
"على غموضِ البلادِ
أقم صلاةَ الخوف
احتمِ بصخرةِ انكساركَ
حانقاتُ الغيمِ ستهمي
بودقِ آخر الغضب..
لا ماءَ في كربلاء
يبلُ ريقَ محياكَ الذابل
طنينُ النهاياتِ يؤرقُ
كهولةَ الصمت..."
الحال في سورية مؤلم، لهذا نجد الشاعر يتبع كلمة "البلاد" أقم صلاة الخوف" ففعل الصلاة ناتج عن خوف الشار على "البلاد" وبعد أن يتقرب من الله، ويصبح بالقرب منه، ويأخذ طاقة إيمانه، يتجه إلى الفعل، إلى العمل، "احتم بصخرة انكسارك" وهذا الصورة بعيدة الواقع، لكنها تعطينا فكرة الألم بصورة أدبية، يخفف عنا من قتامة المشهد، ونجد الماء أيضا تتواعد الشخص السوري الافتراضي/المخاطب، بحيث تكون الأرض والسماء متحالفة ضده، وهنا نطرح سؤال: هل لهذا الأمر رمز أرضي يمكن أن نطبقه على الناس/الجماعات والأفراد، وعلى الماء الدين الذي استخدم ليكون وسيلة فكرية تسهم في الخراب القتل الذي حل في سورية؟.
ويستوقفنا خطاب الشاعر للشخص المفترض، فلماذا لم يخاطب نفسه مثلا، ولماذا جعل المخاطب مفترض وليس شخص محدد؟ أعتقد ان الشاعر اراد أن يحرر ذاته قليلا من الالم، فوجد ـ في العقل الباطن ـ الذي يفرض عليه الواقع كشاعر مرهف المشاعر والاحساس أن يبتعد قليلا عن مكان الألم لكي يحصل على شيء من الراحة/الهدوء الذي يمكنه من كتابة واتمام القصيدة.
وكما يركز الشاعر على المكان/البلاد ويقرنها "بكربلاء" إنه أنه لم يهمل الإنسان لهذا نجده يقدمه لنا بصورة تثيرنا إنسانيا وعاطفيا: "يبلُ ريقَ محياكَ الذابل" فالمسألة السورية لا تتعلق بالمكان فحسب بل بالإنسان أيضا، وهذا يعطي صورة التكامل بين المكان والإنسان، اللذان يشكلان وحدة احدة منسجمة وموحدة.
وإذا ما توقفنا عند الألفاظ التي يستخدمها الشاعر سنجدها قاتمة ما هو الحال في: "غموض، الخوف، بصخرة، انكسارك، حانقات، ستهمي، الغضب، لا، كربلاء، الذابل، طنين، النهايات، كهولة، الصمت" كل هذه الألفاظ تعطي مدلول القسوة والألم، وهذا ما يجعل المشهد العالم للقصيدة صعب ومؤلم.
لكن الشاعر الذي يمثل روح الأمة لا يمكنه أن يكون من القانطين، لهذا سيجد لنا مخرج يبقينا في حالة من التوازن النفسي لكي نستطيع العبور من هذا النفق، وهذا ما كان عندما قال:
"افتح كفَ موالكَ وانقدني
درهمين من شجن...
كم استطيبُ من راحتيكَ"
نجد التلازم بين كلمة "افتح" وبين الموال وانقذني ودرهمين واستطيب وراحتيك" وكلها لها مدلولات بيضاء هادئة، على النقيض مما سبقها، وهذا يؤكد على ان الشاعر يتبع الكلمة وأثرها، بحيث تنعكس عليه وعلى لغته والألفاظه، فخلق لنا عالم جيد بهي، غير الذي يخاطب الأول.
الواقع يتقدم من جديد فيعطينا مشاهد متصارع بين الأسود والأبيض:
"حزنَ نبي خذلته عباءةُ
مريديه في شتاء جاهلي
لتطفئَ جوفَ القصيدةِ
بمفردةٍ هادئةٍ
لمَ تبحثُ في قاموس النار
يضيعُ النشيدُ
في جوقةِ العواء
كلُ تقاويم الخرابِ
تبدأُ بك...!!"
يتحرر الشاعر من المكان ويتقدم من الإنسان، كما يأخذ في الحديث العام مبتعدا عن مخاطبة الشخص المفترض، لكن صورة الإنسان هنا ليست الصورة المثلى، بل الإنسان الذي يصارع الآخرين، فنجد "النبي والجاهلي، ونجد لتطفي مقابل يضيع" وإذا ما توقفنا عند لفظ "القصيدة" وما بعدها سنجد هناك: "بمفرد، هادئة، قاموس، النشيد" وكلها جاءت بعد الأثر الذي تركه كلمة "القصيدة" وكأن العقل الباطن عند الشاعر هو من يتحدث وليس الشاعر الواعي، لهذا يستحضر كل المفردات المتعلقة بالقصيدة وما تمنحه للشاعر وللمتلقي معا.
بعد هذه الجرعة من الهدوء النسبي نجد الواقع يأخذ الشاعر من جديد:
"بلادي صليبٌ يتقيأُ ساكنيه
وعرشُ( يهوذا) في
مهبِ كذبة...
على أرضِ الزلزال
معبداً للريحِ أقمنا
ولرغيفنا العاري
محراباً للضراعة"
صورة في غالبيتها قاتمة: "صليب، يتقيأ، يهوذا، مهب، كذبة، الزلزال، الريح، العاري" إذا ما قارنا الفاتحة التي جاءت بلفظ "بلاد" وهذا المقطع الذي جاء بلفظ "بلادي" نجد الهوة بينهما، فعندما استخدم "بلاد" لم يكن الالم والاسواد بالحجم الذي جاء عندما استخدم "بلادي" فهناك كان المخاطب شخص مجهول، شخص آخر، وهذا ما أعطا الشاعر فسحة من الهدوء والسكينة، بينما عندما استخدم "بلادي" شعر بأنه يتحدث عما يخصه، عما ينتمي أله، لهذا جاء الوجع والألم والسواد اشد وقعا، وهذا ما يؤكد أن الشاعر يتبع الكلمة التي يستخدمها، وهي من تُكتبه الكلمات وتجعله أسيرها، مما يجعل القصيدة والشاعر كيانا واحد يكمل أحداهما الآخر.
الصورة النقيض لهذا السواد عندما تحدث عن "دمشق":
"دمشقُ تؤطرُ الجرحَ
بالقصائدِ المالحة
تولمُ للعنقاءِ رمادنا
على أسوارِ البلوى
تترعُ بزيتِ الصبرِ
قناديلَ الأنبياء...
يتبرمُ الزمانُ بزخرفِ التاريخ"
"دمشق" هنا المدينة الأهم، البهية، التي تعطي الأمل لأهلها ومن ضمنهم الشاعر، لهذا نجده يتحرر من ألم "بلادي" ويتقدم من أمل "دمشق" من خلال: "تؤطر، القصائد، المالحة، تؤلم، للعنقاء، تترع، بزيت، قناديل، الأنبياء، بزخرف، التاريخ" كل هذه السلاسة والهدوء جاءت بفضل حضور "دمشق" وإذا ما أخذنا الواقع في سورية، سنجد "دمشق" بقيت الأكثر أمننا من بقية المدن السورية، فهي الرأس الذي يجب أن يبقى سليما ليكي يستطيع أن يحرر الجسد مما علق به.
العودة إلى السواد جاء بعد ان قدم الشهداء وما يتبع حضورهم من:
" وتجهشُ الحقيقةُ
بدمِ الشهداء...
نشيجُ الحقيقةِ عرسٌ لصحوتنا...
للشتاء القادم:"
يقدم الشاعر فعل "وتجهش" على الشهداء، وكأنه بهذا التقديم يريدنا أن نشعر بهول الفاجعة التي يسببها رحيلهم عنا، فنجد "تجهش، دم، الشهداء، نشيج" لكها تعطينا صورة الألم الذي يتبع حضور الشهداء، لكن للشهداء أثر آخر فينا، فرغم أننا نحبهم ونقدر ونعي حجم التضحية التي أعطونا، إلا أننا لا نقبل ولا نستطيع أن نجعل ذكراهم مجرد ندب ونشيج، فلا بد ان نمنحهم ونمنح انفسنا شيء من الهدور والسكينة، لكي يشعروا ونشعر بأنهم لم يستشهدوا سدى، بل وضعوا لنا مكان للأمل يجب ان نعبرهن فنجد هناك الفاظ: "الحقيقة، عرس، صحوتنا، شتاء، قادم" ولكها تحمل معنى الأمل والتفاؤل بالمستقبل.
صورة أخرى للصراع نجدها في:
"للشتاء القادم:
حطبُ الكذبة
مناديلٌ للأمهات
قفصٌ رحبٌ لعصفورةِ البشارات...
وقبورٌ كثيرةٌ للصمت"
صورة الأمهات نجدها من خلال: "مناديل، البشارات" وهذا متعلق بالنواحي الايجابية، أما ما يفعله الأمهات في سورية اللواتي فقدن أبنائهن، فتجده من خلال صورة " القبور، الصمت". وهذا ما يؤكد على فكرة الثنائية التي جاءت في القصيدة.
"وقبورٌ كثيرةٌ للصمت
لصيف اللهب:
أقنعةٌ ( مؤدلجة)
وجوهُ الشمع
مياتمَ للقطاءِ الدين
سلالاً لماء الأمنيات
مصحاتٌ لمن تدبروا
بعقولهم حتى صدأت
للشهداءِ قبابٌ
يدبُ منها الهديلُ إلى السماء
تمطرُ الآياتُ من أصواتهم
في قيامةٍ مسيجةٍ
بنفيرِ الكرامات..."
فهنا السواد أكثر وقعا مما جاء في المقطع السابق، وذلك يعود إلى حضور الأمهات اللواتي خففا من حدة المشهد، لكن هنا نجد السواد يأخذ مساحة أوسع، "أقنعة، وجوه الشمع، مياتم، صدأت، يدب، قيامة".
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الفيس بوك.



ارث المسيح
العنوان "حقا قامت" يحمل شيء من الارث الديني المسيحي والذي يتحدث عن قيامة طاليثا من بين الأموات، وأيضا متعلق بالآية التي نقول: "من آمن بي وأنت مات فسيحيى" إذن العنوان له علاقة بالقيامة من الموت/الخراب، وهذا ما يجعلنا نقول أن ثناية الخراب والخصب حاضرة في القصيدة وهي تشكل العمود الفقري فيها، وسنجد الأثر المسيحي أيضا من خلال قول الشاعر:
"بلادي صليبٌ يتقيأُ ساكنيه
وعرشُ( يهوذا) في
مهبِ كذبة... "
وإذا ما ربطنا المكان "بلاد الشام" الذي بدأ منه المسيح دعوته، بما جاء في القصيدة، سنجد هناك تماثل وتكامل وتواصل في دور التضحية بالنفس في سبيل الآخرين/المجموع، وهذا ما أطلق عليه "الإثم الكنعاني" والذي أكده "سعادة" عندما آثر الموت على التراجع عندما قال: "أما أنا فأموت، أما أمتي/حزبي فباقي" من هنا جاء استخدام "بلادي صليب" فهي ليست للعذاب فحسب، بل للتضحية ايضا، وللنهوض من جديد، فحالة الصلب هنا لا تعطينا مفهوم السواد المطلق، بل السواد الطبيعي، كما هو سواد الليل الذي لا بد أن يتبعه ضياء النهار.
وهذا ما وجدناه في خاتمة القصيدة والتي جاءت:
"يدبُ منها الهديلُ إلى السماء
تمطرُ الآياتُ من أصواتهم
في قيامةٍ مسيجةٍ
بنفيرِ الكرامات...
إذا ما استدارت المجدلية
تصعدُ البلادُ إلى أبيها
الذي في السماء."
فهنا الخلاص الأبدي والنهائي من "الصلب" والتقدم إلى الفردوس الذي يخلو من أية آلام، وكأن الشاعر بهذه الخاتمة يمحو العذاب والقسوة التي رأيناها في فاتحة القصيدة، وهذا ينسجم تماما مع الفكرة الخلاص والقيامة من العذاب/الموت إلى عالم الفرح والهناء.







اخر الافلام

.. بتحلى الحياة – الفنان دوري خباز والعازف جبران مطر


.. فنان بنى في فلسطين فندقا يطل على أبشع منظر في العالم


.. لماذا ألقت السلطات في #المغرب القبض على شابين يعزفان الموسيق




.. شرح الجزء الثاني من الأدب - شعر - لغة عربية - أولى ثانوي 201


.. شرح| الوحدة الثانية في اللغة الألمانية للصف الثاني الثانوي 2