الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل الخامس 3

دلور ميقري

2018 / 9 / 27
الادب والفن


التقيا بالقرب من البركة الاصطناعية، المُشكّلة من وهدة في أرض الحديقة، قليلة العمق والمساحة، متصلة مع مياه الساقية. هنالك جلسا متقابلين على كراسٍ من القنب المضفور، مستندين بكوعيهما إلى طاولة مستديرة، مغطاة بمشمّع ومزينة بآنية زهور من نوع السيراميك الصينيّ. انحنت " زين " برأسها إلى سطح الطاولة، لتتأمل باسمةً الحُقّ المنمنم، المُظهَّر بمخمل أرجوانيّ اللون: " أراهن أنه خاتمُ الخطبة! "، قالتها بنبرة مرحة وهيَ ترفع رأسها المغطى بقبعة من القماش القاتم الزرقة ذات حواف دائرية. لاحَ شيء من الحرَج على ملامح " سيامند ". كان مدركاً لشعورها، كونه أضحى على معرفة جيدة بطبيعة تفكير مواطناتها بشكل عام. إنّ الذهب، يُعد الهدية الأكثر تأثيراً في مشاعر المرأة هنا. ولو كانت فتاة على أهبة الزواج، ستتضاعف أهمية المعدن الأصفر ليغدو من صميم كرامتها. فقد تتنازل عن شرط إحياء حفلة العرس، وليسَ كذلك أبداً بشأن الحلي الذهبية. ثمة العامل الاقتصاديّ أيضاً، ولعله لا يقل أهمية عن سواه، طالما أنّ الذهبَ يُمكن أن يُصرفَ مهما طالت فترة كنزه: الملاحظة الأخيرة، في الوسع إحالتها إلى قناعات فكرية عتيقة نوعاً ـ جددها رجلُ الأعمال الكرديّ الدمشقيّ، القادم بالأمس من روما.. قناعات، تكاد تكون أشبه بقناعٍ كرنفاليّ طارئ، لا طائل منه بعيدَ انقضاء مناسبته!
" أفتحي العلبة بنفسك، يا عزيزتي "، خاطبها وكان ما ينفكّ مرتبكاً. هكذا يكون الحال، في كلّ مرة تذكره فيها بموضوعٍ طال جداً أمدُ المماطلة به. ربما شاء التغطية على حرجه، حينَ انحنى بدَوره ليمسك يدَ الفتاة ويرفعها إلى شفتيه. حدقت في عينيه بنظرة سريعة، وقد غاضت بسمتها. " وإذاً، لم أوفّق في تخميني؟ "، تساءلت مستعيدة يدها في نعومة كي تُشرع بتلبية طلبه. اعترتها الدهشة، لما أكملت سحبَ السلسال الذهبيّ من المكمن المبَطن بالحرير الأصفر: " كأنّي بها خريطة ما؟ "، سألته مقلّبةً الحلية عن كثب. على الرغم مما أبدته من هدوء، إلا أنّ " سيامند " أحسّ بما نم من رجة المفاجأة في نبرتها وهيَ تقرأ الاسمَ الدقيق، المنقوش في قلب الخريطة بأحرف لاتينية: " كردستان ".

***
في خلال السنوات المنقضية، كان صبرُ " زين " على علاقاته النسائية يحيّره بقدر ما يُريحه. وكان يعزو هذا المسلك إلى كبر عقلها، وأنها تستوعب تصرفاته مثل أيّ امرأة شرقية حكيمة. ألم تحتمل أمه، فكّرَ بحزن مراتٍ كثيرة، حياةً ملؤها الشظف مع والده الشحيح الحريص، وعلى الرغم من معرفتها ما يملكه من عقاراتٍ وأراضٍ؟
على أنّ " سيامند "، وبغض النظر عن ضميره المثقل بالإثم تجاه حبيبته، ما كان من الاستهتار أن يؤذي مشاعرها علانيةً. كان على علم إذاً بمعرفتها لعلاقاته مع فتيات الليل، ولكنه لم يجعلها تتمكن من ضبطه متلبّساً أو مواجهته بدليل واحد. على أيّ حال، فإنها لم تُبدِ علانية ما يدل على شعور بالغيرة. مسلكها، من ناحية أخرى، عليه كان أن يزرع نبتة الشك في بيداء ضميره عوضاً عن الخلود للدعة والطمأنينة: " ألا يعني هذا، احتمال أن أكون بنفسي مخدوعاً؛ أن أكون مجردَ واجهة اجتماعية لعلاقة سرية تقيمها مع أحدهم؟ "، فكّر ذات مرة على خلفية خبرٍ وصل اتفاقاً لمسمعه.
" ذلك الرجل العراقيّ، آبَ إلى التحرك ضمنَ الحلقة القديمة من معارفه في المدينة "، قال له مَن تعهّد نقل خبر إطلاق سراح " رفيق " من السجن. جرى الحديث قبل عامٍ مضى، وكان " سيامند " يومئذٍ في لقاء محاط بالتكتم الشديد مع إحداهن في صالة منزلها، المستخدم جانبٌ منه كمرسم. بلى، لقد كانت " غزلان " المهتمة بنقل الخبر. فعلت ذلك بلهجة حذرة ومتحفظة، كونها تُدرك حساسيته البالغة لقاء ما يُمكن مسَّ سمعة مَن يعدها خطيبته. وكان حرياً بناقلة الخبر أن تكون بذات الحساسية، لولا أنها متيقنة من أن عشيقها هذا صارَ طوع بنانها ـ كما ريشة الرسم، الممسكة بها بين الأنامل الدَرِبة الواثقة المجرَّبة.

***
وإنها " غزلان "، التي أسهمت لاحقاً، ودون قصد، في استعادته الثقة بالخطيبة المفترضة. جرى ذلك في نهاية العام المنصرم، وعلى سبيل المصادفة بالطبع. كان قد حذرَ عشيقته مراراً بعدم الاتصال معه على المكتب، كون خط الهاتف على مدار اليوم تقريباً تحت رقابة " زين ". ولقد نسيَ نفسه، آنَ سمعَ صوت العشيقة على الخط الآخر وهيَ تكلمه بطريقة متكلفة: " كنتُ أود تذكيرك بموعد الغد، وأنك ليس بوسعك المجيء بسبب إجارة زوجي "
" ولكنني على علم مسبق بأن حمو لن يغادر المنزل غداً، وكان الجدير بك أن تتذكّري تشديدي عليك ألا تخابريني في خلال أوقات عملي "، ردّ غاضباً. رفع رأسه عن المنضدة، بعدما وضع السماعة بقعقعة قوية، ليجدَ وجه " زين " قبالته جامداً واجماً. كان من المألوف أن تدخل عليه دونَ استئذان، في حالة عدم وجود آخرين في حجرة المكتب. وهيَ ذي ما تني ترمقه بنظرة ثابتة، غائمة. تقدمت منه، لتضع ملفاً بين يديه، ثم ما لبثت أن انسحبت بنفس الهدوء. بيْدَ أنه أوقفها قبل فتحها الباب، فخاطبها متسائلاً بانزعاج ولهوجة: " أنتِ سمعتني أتحدث مع امرأة ما، فلِمَ لا تتحرك الغيرة فيكِ؟ "
" ممن سأشعر بالغيرة، ما دامت غزلان شريكة ببعض أعمالنا؟ "، ردّت عليه بصوتٍ يرن تهكّماً. عندئذٍ وبلا أدنى فرصة تفكير، قرر أن يكلمها عن علاقته السرية بكنّة آل " الفيلالي ". لم تكن صحوة ضمير مفاجئة، بقدَر كونها ردّة فعل مليئة بالكبرياء والأنفة. لقد صعبَ عليه أن يظهر شخصاً كاذباً أمام مَن تعتبر خطيبته، بالأخص حين تحدّته قبل وهلةٍ بلا مبالاتها. وسرعان ما بانت حقيقة مشاعرها، باندفاعها نحوه والدموع تغشى عينيها. أحتضنها بحنو، تاركاً إياها تواصل نشيجها الخافت وخصلات شعرها السود تتماوج على كتفه.



















اخر الافلام

.. زيارة لودريان إلى تونس: ترجمة الوعود إلى أفعال؟


.. متى تأخذ الرواية السعودية لاغتيال خاشقجي شكلها النهائي؟


.. حلمي بكر: -الموسيقى العربية- لا يقل أهمية عن جامعة الدول الع




.. الحصاد - اغتيال خاشقجي.. تناقض الروايات يزيد حرج القيادة الس


.. جيهان مرسى: مهرجان الموسيقى العربية الأهم على الساحة