الحوار المتمدن - موبايل



الثورة الصناعية الرابعة في بلدان غير صناعية: الوطن العربي في مواجهة التحدّي الاقتصادي المستقبلي-ما العمل..؟

محمد عبد الشفيع عيسى

2018 / 9 / 27
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


عودٌ على بدء
إن ثورة التكنولوجيا الرقمية الراهنة فى العالم الصناعى المتقدم (أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان) بالإضافة إلى الصين أو ما يمكن أن نطلق عليه (3+1) ، لا يمكن فصلها عن تطورات النظام الدولى خلال ربع أو ثلث القرن الأخير ، وربما النصف أو ثلثى القرن .
كان صعود اليابان لتلتحق بالعالم الرأسمالى المركزى لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية هو التغير الأول البارز لذلك العالم، بهدف خلق منصة موازية ومنافسة ومناهضة، فى وقت واحد، لكل من الصين (الشعبية) والاتحاد (السوفيتى) . وكانت حقبة "التنمية السريعة" لليابان فى الخمسينات والستينات ومطلع السبعينات أهم علامات التطور فى الاقتصاد السياسى الدولى لعالم "ما بعد الحرب" .
ومباشرةً، بعد اكتمال الصعود الياباني، جاءت المغامرة الكبرى من قبل الثنائى الأمريكي (نيكسون-كيسنجر) فى بداية السبعينات من القرن المنصرم للانفتاح الصينى، بعد الانفراج مع السوفيت اعتباراً من أواخر عقد الستينات، فى أوج الحرب الباردة بين القطبين. ثم جاء التحول فى بنية السلطة فى الصين فى حقبة ما بعد ماوتسي تونج( المتوفي عام 1976) مع صعود نجم (دينج هيسياو بنج) الذى نسب إليه القول ( لا يهم لون القطّة ما دامت سوف تصطاد الفئران) متصدرا هرم القيادة الصينية بين 1978 و1992. وكان قرار الغرب بالقيادة الأمريكية هو الانتقال بالعلاقة مع الصين من الانفتاح عليها إلى اعتناقها تمهيداً للتغلغل فيها عن طريق الاستثمار الأجنبى المباشر بواسطة من الشركات الغربية والأمريكية عابرة الجنسيات، مع الحفاظ على بعض أهم سمات النظام السياسى والاقتصادى الصينى : مركزية الحكم ، وقيادية الحزب الواحد ، مع "التخطيط القومى الشامل" وتصّدر "القطاع العام" للاقتصاد فى شقه المحلى.
ومن قبل الصين، كانت المحاولة الكبيرة فى السبعينات من قبل الولايات المتحدة لإدراج عدد من البلدان "الشرق آسيوية" فى سلك مجموعة من "البلدان حديثة التصنيع" Newly Industrializing Countries وأهمها كوريا الجنوبية وتايوان، بالإضافة إلى "البلد-الميناء" سنغافورة، والمقاطة الصينية هونج كونج المرشحة-آنئذ- للعودة إلى وطنها الأم بعد انتهاء عقد الإيجار الممنوح لبريطانيا الاستعمارية لمدة مائة عام (عادت عام 1997). كل ذلك بهدف تصدر تلك البلدان لمعركة الحرب الباردة فى أتون ما سمى (مناهضة الشيوعية) إزاء كل من الصين والاتحاد السوفيتى، كلٌّ فيما يخصّه.
ومضى التحرك الأمريكى بالعمل –في الثمانينات- على التوازي مع الصين بأداة الاستثمار المباشر، ومع كوريا الجنوبية بأداة القروض الأجنبية، ومع تايوان بمزيج الاستثمار والقرض.
استمر التحرك الأمريكى الغربى الممتد،كما رأينا، منذ مطلع السبعينات بواسطة (نيكسون –كيسينجر) امتداداً إلى عقد الثمانينات بواسطة إدارة ريجان:من خلال تفجيرات الإعلام والدعاية والديبلوماسية للإختراق الداخلى فى الاتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية، وكذا الضغط الاقتصادى ولو بسباق التسلح. وكان أن أثمر هذا التحرك بتفعيل محركات التفجر الداخلى لينهار الاتحاد السوفيتى، وتخرج أوروبا الشرقية من مظلته لتسقط مباشرة بين أيدى أوروبا الغربية وكيلة عن الولايات المتحدة الأمريكية.
وتحت ظلال السقوط السوفيتى (و الأوروبى- الشرقى) فى مطلع التسعينات، مضى مشروع إدراج وإدماج الصين حثيثا فى دورة الاقتصاد المدوّل أمريكيا، إلى جانب التقدم نحو التشجيع على استحداث حزام آسيوى جديد أبرز مكوناته ماليزيا، فى ناحية، وفيتنام من ناحية أخرى، ومن حولهما دولتان أقل حيلة هما تايلند والفيلبين.
وإلى جانب شرق آسيا، كان لأمريكا الشمالية (الولايات المتحدة بالذات) شأن آخر مع بلدان أمريكا اللاتينية، حيث تم إدراج وإدماج المكسيك من خلال (النافتا-منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية الموقعة عام 1992من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)، و التعامل “الفعال” مع ورثة النظم العسكرية والأوليجاركيات المالية المتحولة (ديموقراطيا ومدنيا) فى كل من الأرجنتين والبرازيل بالذات، لإدراجهما وإدماجهما بهدوء، رغم "المنغصات"، ضمن الإطار العام لعالم (القوة العظمى الوحيدة) عقب الانهيار السوفيتى .

هكذا إذن تم ترتيب "البيت العالمى" خلال العقدين الأخيرين خلال ربع القرن الأخير، بيتٌ بدون "سوفييت"(بل وبدون "الروس" إن أمكن ذلك) وبشراكة من نوع خاص مع الصين، و بهامش
صلب للتحالف مع كوريا الجنوبية (ومع تايوان بصورة مختلفة)، وهامش آخر للتسامح و (السماح) إزاء ماليزيا ذات القيادة الكارزماتية الوطنية عبر عقدين تقريبا- مهاتير محمد- من 1981إلى 2003 ، و إزاء فيتنام – تلك الخارجة عن طوق حرب التحرير إلى كنف المنظومة العالمية الجديدة "أمريكية المتمركز" وفى حالة"جفاء" مع الصين ولو من خلال التنازع على حقوق السيادة فى منطقة (بحر الصين الجنوبى) .

عالم اقتصادي– صناعي جديد
بالتناغم مع التطور الكبير فى العلاقات الدولية عموماً منذ أواخر الثمانينات ومطالع التسعينات كان التغير فى الاقتصاد الدولى يشهد تزحزحاً من مزاحمة اليابان وأوروبا الغربية لأمريكا، إلى تصدر أمريكا للمشهد الاقتصادي والتكنولوجي العالمي، عبر بناء القدرة التنافسية الوطنية على الركيزة التكنولوجية بالذات.
ومن "التكنولوجيا العالية" (هاى تك) فى ظل كلينتون خلال عقد التسعينات عموما، مضت أمريكا تبث صدراتها وتفوقها المقارن تجاه اليابان وأمريكا، على مدارج ما يسمى بالاقتصاد الرقمي رويدا رويدا، و أخذت تتجه بعينيها صوب الصين لإدماجها بصفة شبه كلية وفق ما أسماه البعض (الصين-أمريكا) : (Chin America). ومن حول النجم الصينى بزغت كواكب، ترنو بأبصارها ليس ناحية الصين، ولكن ناحية القطب الأمريكى، مثل فيتنام.
منذ مطلع الألفية الجديدة، وخاصة منذ 2010 ، اكتملت ملامح الثورة التكنولوجية الرقمية أو (الثورة الصناعية الرابعة) فيما يقال، أو "الثورة الرابعة" اختصاراً ، وإذا بهذه الثورة تقوم على مثلث: قاعدته الذكاء الاصطناعى بصورته المستحدثة، وضلعاه يمثلهما من جانب أول: الآلات المفكرة المستشعِرة صغيرة الحجم Sensors، كما هو الحال فى إدارة خطوط الإنتاج والخدمات ، و توجيه المركبات، و "إدارة الأشياء بالإنترنت"؛ ومن جانبٍ ثانٍ : (الروبوت) أو "الكائن الآلى" الزاحف ببساطة وبانتظام نحو ممارسة الأعمال البشرية القائمة على الشطر الأكبر من "العقل" وشطر من "الجسم" .
هذه الثورة التكنولوجية الرقمية وجدت حاضنتها الطبيعية فى كل من مجموعة الدول الصناعية المتقدمة (الدول الصناعية السبعة) : أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا واليابان بالإضافة إلى حفنة من الدول "المصنّعة الجديدة" New-Industrialized أو الدول "شبه الصناعية" Semi Industrial وخاصة المجموعة المسماة بال "بريكس"BRICS: روسيا ، الصين ، الهند ، البرازيل ، وجنوب أفريقيا، ويسميها البعض "الدول النامية الديناميكية الكبيرة" Great Developing Dynamic أو "الدول الناهضة" فيما يقال الآن Emerging counties.
وإن أبرز ما يسِم العالميْن: "الصناعي" و "شبه الصناعي"، هو الانسجام والتناسق الاقتصادى المحلى، فى كل دولة منها و كذا على مستواها الكلى كمجموعة إلى حد ما، حيث الثورة الصناعية أو "شبه الصناعية" سبقت الثورة الرقمية، ثم انضمت إليها وانسجمت معها دون احتكاك خشن .
خارج المجموعتين الصناعية وشبه الصناعية ، يقبع مجموع الدول النامية ، سواء منها الغنية نسبياً و المنتجة للنفط والغاز الطبيعى ( البلدان أعضاء مجلس التعاون الخليجي عموما) ، أو ذات الدخل المتوسط ( بشريحتيْه العالية والمتوسطة) و المنتجة لبعض المواد الأولية والسلع الصناعية في كل من إفريقيا (الدول العربية الشمال-إفريقية) و آسيا (مثل إندونيسيا) وفي أمريكا اللاتينية. يضاف إليها الدول المنتمية إلى شريحة الدخل "المتوسط المنخفض" أو الواقعة بين الشريحتين "المتوسطة –المتوسطة" و "المتوسطة المنخفضة" (مثل مصر ونيجيريا وإثيوبيا فى إفريقيا؛ و باكستان و بنجلاديش فى آسيا) . و بعد ذلك: البلدان الأقل نمواً، بل و " أقلّ الأقل نموا" Less Least Developed ، والبعض منها يعاني من الحروب الأهلية والتمزق الداخلى أو من "قسوة" الطبيعة (شح الموارد والجفاف والتصحر و الانحباس البرّي دون منافذ على البحر) بل تعاني إحداها من الاستعمار القديم في صورته الاستيطانية المقيتة (الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين).
فى جميع البلدان المنتمية إلى هذه (التشكيلة) غير المتجانسة من حيث معطيات مواردها و أولوياتها التنموية، نلاحظ أن الثورة التكنولوجية الرقمية التى رأيناها متنامية أو ناضجة فى العالم الصناعي، و بازغة فى الدول شبه الصناعية –نجدها أنها فى "التشكيلة" سابقة الذكر تظل "غريبة الديار" مثل "المنبتّ" الذى (لا أرضاً قطع و لا ظهراً أبقَى) .

ماذا عن الدول العربية..؟
تطبيقا على الدول العربية، وما يماثلها من الدول النامية ، يكون إدخال التكنولوجيات الرقمية بدون ثورة صناعية أو شبه صناعية سابقة ، بمثابة (وضع للعصىّ فى الدواليب أو العجلات) كما يقال، حيث يؤدى إلى إرباك المسار الطبيعى للتطور الاقتصادى المحلى، وخلق ازدواجيات اقتصادية تفوق بكثير ما يطلق عليه "المرض الهولندى" التقليدي القائم على تجاور القطاعين التقليدى والحديث في الاقتصادات المتخلفة والآخذة في النمو.
نلاحظ أن هناك بلداناً عربية كبيرة نسبياً من حيث المساحة وحجم السكان ، بعضها منتجة للنفط والغاز تمثلها السعودية والجزائر، وبعضها غير منتجة بصفة رئيسية للنفط أو ذات موارد شحيحة نسبياً مثل العراق ومصر والسودان والمغرب- هذه البلدان الكبيرة جميعاً تنوء بحمل الاقتصاد التقليدى ، الطاقوي وغير الطاقوي ، وبكمّ سكاني، وموارد مستغلة أو غير مستغلة، و باقتصاد هامشىّ خارج "التيار الرئيسى" لتوليد الناتج المحلي الإجمالي. و في هذه الحالة، نجد أن إدخال التكنولوجيا الرقمية على النحو القائم فى العالم الصناعى وشبه الصناعى، إن تم بصورة عفوية أو غير مخططة، يكون غير مأمون العواقب على كل حال .
إن شطرا عظيما من البوادي والأرياف فى هذه البلدان يظل بعيدا عن المجرى العام للتكنولوجيا وفق ثورتها الرابعة المعاصرة. فإذا تم تركيز الجهد الاقتصادى من قبل الحكومات والنخب على بناء وتفعيل استراتيجيات لإدخال التكنولوجيات الرقمية فقط، فسوف يكون ذلك عبثا من العبث، داعيا إلى الغرق في مستنقع عميق.
إذ كيف يتم إدخال أدوات الثورة المعرفية الرقمية (الناعمة soft) بصورة عامة في بلدان لم تشهد ثورة صناعية أو شبه صناعية (ذات طبيعة صلبة hardعلى كل حال).. ؟
إن الأمر ليقتضي في هذه الحالة نوعا من الإدخال "الانتقائي" لأدوات الثورة الرقمية بهدف تسريع وتيرة التطور الصناعي بالذات أي القيام بعملية التصنيع. بعبارة أخرى: تستهدف التكنولوجيا الرقمية هنا المساعدة في بناء ما قبلها، أي الصناعة، ولو غير الرقمية تماما، وتطوير القاعدة الإنتاجية على وجه العموم.
غير أن هناك، فيما نرى، مجموعة من البلدان العربية لا تتمتع بقومات كفيلة بإمكان تحقيق الثورة الصناعية، ولو ان لها سابقة عمل وتطور في قطاعات أخرى (قطاعات خدمية كالمال والتجارة والسياحة والتعليم، او قطاعات سلعية ممثلة في الصناعة الخفيفة)؛ وهي يمكن لها أن تعمل بأمان أكثر من أجل تبنّي شطر من آليات الثورة الرقمية دن أن تخشى شيئا، او دن أن تخشى الكثير.
تلك هى حالة لبنان والأردن، بل و "الدولة الفلسطينية" وعاصمتها القدس الشرقية، فى الشرق العربي، وحالة تونس في المغرب، وحالة البحرين وعمان فى الخليج -مع استبعاد حالة دولة قطر كبلد صغير غني له ظروفه الخاصة، وكذا مع استبعاد "دولة الإمارات العربية المتحدة"، وخاصة إمارة دبي التى حققت فيما يبدو ولوجاً آمناً بالفعل إلى بشائر العصر الرقمى العالمى، كمشروع (مدينة عالمية) (غير عربية) بالذات على كل حال.
خمسة أو ستة بلدان عربية إذن مؤهلة – بحكم "مكر التاريخ"- لبدءعملية الإدخال الآمن للثورة الرقمية، دون مضاعفات متوقعة كثيرة، إن هى أحسنت وضع الأولويات لها، وبرمجت التطور الرقمى على مدى الزمن بصورة واقعية ودقيقة .
مجموعة ثالثة من البلدان العربية الأقل نموا (مثل موريتانيا) والأكثر فقرا، أو ذات الظروف الخاصة وشحيحة الموارد (مثل جيبوتي) ، أو التي تعاني من التمزق الداخلي، مثل الصومال أو اليمن بصفة انتقالية حاليا- وهذه كلها ينبغى أن يشملها العون العربى والخارجى لانتشالها من الظروف المعيقة.
تلك إذن ثلاث مجموعات للبلدان العربية من وجهة نظر التطور التكنولوجى الدولى المتسارع : فى الطرف الأول، مجموعة من الدول الكبيرة؛ وبفرض حدوث تحول سياسي واجتماعي جذري يسمح بتولد إرادة تنموية حقيقية، فإنها لا بد أن تأخذ حذرها وتبنى "استراتيجيات" انتقائية للتكنولوجيا الرقمية ، تشمل السعودية و مصر والسودان و الجزائر والمغرب ( وسوريا إلى حدّما بعد انتهاء الفترة الراهنة).
ومجموعة فى المنتصف ، وهى ما تسمى بالبلدان الأقل نمواً ، وذات الظروف الخاصة.
و في الطرف المقابل للمجموعة الأولى، ثمة مجموعة من البلدان الصغيرة نسبياً، بالمعنى الإيجابى، يمكن أن تسمح ظروفها بتهيئة المجال الاقتصادى للتطوير التكنولوجى الرقمى بآفاقه العالمية، وذلك بفرض حدوث تحول سياسي واجتماعي جذري يسمح بتولد إرادة تنموية حقيقية، كما أشرنا بشأن المجموعة الأولى .
هذه المجموعات الثلاثة، نقترح أن يكون لها إطار للعمل المشترك، انطلاقا من توفر شرط ضروري خاص بالتحول السياسي والاجتماعي الجذري، بفعل تشابه الظروف بدرجة معينة داخل كل مجموعة، وبين المجموعات الثلاثة ككل، بحكم الانتماء المشترك للدائرة الحضارية العربية. وحبذا لو تم ذلك تحت مظلة العمل المتدرج من أجل بناء جماعة اقتصادية عربية، ساعية إلى اللحاق بالعالم الصناعى وشبه الصناعى فى عصرنا. وتلك ربما من أهم المهام للنخبة الثقافية العربية ، وخاصة نخبة الاقتصاد، فكراً وعملاً، مشرقاً ومغرباً وما بينهما.







اخر الافلام

.. حوار مهند دليقان مع إذاعة روزنا حول استقالة دي ميستورا


.. اندماج نداء تونس والاتحاد الوطني الحر: إرباك للمشهد السياسي


.. حياة المناضل ماهر جايان




.. بي_بي_سي_ترندينغ | حملة في #الاردن لجمع بقايا الطعام من الفن


.. تعقيب أ. غازي الصوراني على مداخلات الحضور .. عن القوى اليسار