الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل الخامس 5

دلور ميقري

2018 / 9 / 30
الادب والفن


مع عودته من روما، بدأ يتجنب " غزلان " ما أمكنه ذلك. ولأنها تقيم مع عائلة رجلها، كان المفترض أن يجعل الأمر أسهل نوعاً. كان قد قررَ جدياً، منذ عام على الأقل، قطع علاقته بها. آنذاك، اختمر القرارُ في ذهنه على خلفية حادثة التليفون؛ وهيَ حادثة مستطيرة، كادت أن تصدّع صرحَ حبّ حياته الوحيد. في أوان لقاءاته الحميمة بعشيقته، كان في وسعه السيطرة على تصرفاتها الطائشة. ولكنها حينَ أحسّت بنيته الابتعاد عنها، أصبحت أكثر عناداً وتصميماً على الاندفاع في المغامرة. شعور الغيرة، وكان غريباً على طبعها، سيتفجّر على غرّة ـ كبئر من الغاز مدفونٍ في بيداء منسية، أثارته تغيرات طبيعية أو أيادٍ دخيلة.
وكان خليقاً به أن يُدهشَ يوماً، لما اقتحمت سكونَ منزله بضوضاء دراجتها النارية. راحت تدورُ وراءَ سور الحديقة الخلفيّ، متعمّدة إثارة أكبر قدَر من الغبار والضجة، مستغلة خواء المكان من أعين الرقباء والفضوليين. وكان " سيامند " عندئذٍ متمتعاً بعطلة الأحد، يجلسُ تحت شمس الصباح الدافئة وقد أحاطته أمواج الزهور بأريجٍ مخدّر، جعله يسلوَ إشعال سيجاره. على الرغم من انزعاجه الشديد، لم يستطع كتمَ ابتسامته آنَ رفعت " غزلان " خوذتها الأشبه بقناع، تاركة شعرها العسليّ يتهدل على كتفيها. لحُسن الحظ، أنّ مدبّر المنزل كانَ في إجازته الأسبوعية، وكذا الوقت كان أبكرَ من أن يتواجد فيه ضيفٌ ما. بالرغم من ذلك، دفعها إلى داخل الدار دفعاً وصفعها بقسوة. وكانت في الأثناء تطلق ضحكاتها الهستيرية، المعتاد على سماعها عندما يجمعهما فراشُ المعاشرة الجسدية. فما كان منه، هذه المرة، إلا طرحها على وجهها واستخدام عصا تأديب.
" متوحش، ولا تخشى الله أيضاً! أنتَ لا تختلف عن ذاك المعتوه، المخدوع! "، صاحت مجهشةً في بكاء مرير فيما تنقلب بجسدها إلى جانب. قابلها بضحكة متهكّمة، وما لبثَ أن نهضَ إلى الحمّام كي يغتسل. كان ما يفتأ أمام المرآة، يتطلع إلى ذقنه غير الحليقة، وقتما صدرت جلبة موتور الدراجة النارية. لم يندم على سلوكه الشائن، قدرَ ما أمِلَ أنه سيكون سبباً في قطيعة نهائية مع العشيقة المُتْعِبة. إلا أنها لم تكف عن اقتحام حياته، ولم يردعها ما استحدثه من أساليب الإهانة والتحقير والازدراء. إلى أن كان يوماً، أخرجته فيه تماماً عن طوره حدّ جرها من شعرها إلى عتبة باب الدار وطردها. كانت قد آبت إلى التلميح لموضوع الرجل العراقيّ، وأنه يسعى إلى إعادة صلته بصديقته السابقة. قاطعها في الحال، مانعاً إياها من ذكر اسم حبيبته. بيْدَ أنّ العشيقة، وكانت مشتعلة غيرةً وأعماها الغضب، هتفت تقولها صريحة: " يا مسكين..! أنت تتوهم أنّ فتاةً مراكشية، قاربت سنّ الثلاثين، لن تفكّر ملياً بمصلحتها حينَ يقدّم لها رجلٌ غنيّ عرضَ الزواج، مشفوعاً ببريق الجنسية الفرنسية؟ ".

***
وجدَ " سيامند " نفسه، قبل حلول السنة الجديدة، في هكذا أجواء متوترة ومشحونة. على أن فكرة الخلاص من العلاقة الآثمة، ما كان لها إلا أن تجعل ذهنه أكثر صفاءً. حتى أنه قرر المضي في الاستعداد لإحياء حفلة رأس السنة، وكانَ سبقَ وصرف النظر عنها بسبب ما استجدّ من أمر الظروف السياسية. في واقع الحال، أنّ قراره المعاكس لم يكن على خلفية أمر آخر: مذ بعض الوقت، جاء " عبد الإله " مع رجلٍ في مثل عُمره تقريباً، قال أنه من الوجوه البارزة في حزب يساريّ مخضرم. وكانَ " سيامند " استفهم من صديقه قبلاً، ما لو في وسعه التعرّف على أحد قيادات اليسار المغربيّ. فلما تحقق له ذلك، رأى تعزيزَ العلاقة بالرجل عن طريق دعوته لحفلة رأس السنة في منزله. كان يأمل بدفع رفاق حزبه إلى التضامن مع قضية الزعيم الكرديّ، المعلومة.
وكان قد طلبَ من " عبد الإله " اصطحابَ صديقه إلى المكتب لا المنزل، بسبب الخشية من مفاجأة غير سارّة من طرف الرسامة، الطائشة اللب. كذلك أوعز لمعاونيه بالانصراف مبكراً، بما فيهم السائق. وقفَ وراء الواجهة الزجاجية، يراقب الحبيبة بينما كانت تتنقل بخفة على طوار الطريق الضيّق، المزدحم عند الغسق بحركة العربات والخلق على حدّ سواء. الشمس، كانت تميل لآخر مرة على القسم العلويّ من منارة الكتبية، مانحة إياه لوناً ليلكياً على خلفية قاتمة شكّلتها السُحُب عند خط الأفق. بعد قليل، حضرَ الرجلان وكلاهما كان متأنقاً بسترة بنية وعلى رأسه قبعة صغيرة مستديرة. تبسّم " سيامند " في سرّه، آنَ استعاد في ضيفيه صورةَ توأمٍ على تماثل في الهيئة، راجعاه مرة بمكتبه في وسط دمشق من أجل قضية عقار موروث. إلا أنه لاحظَ الآنَ، دهِشاً، الرفيقَ الحزبيّ المتسم بشيء من غرابة الأطوار. كان يطرف عينيه طوال الوقت، كما لو كان فيه مسّ أو يعاني من قلقٍ مقيم. بعيدَ حديث التعارف والمجاملات، شاءَ المضيفُ أن يضفي لمسة من الود على الجلسة بأن سردَ نتفاً مما نمّ إليه عن سيرة الحزب الصديق وقائده.
" قرأتُ مرة في مجلة سياسية لبنانية، من مخلفات أخي الكبير، رسالةً مفتوحة وجهها مديرها للزعيم ياسر عرفات طالباً منه التدخل لدى الملك للإفراج عن شاعر معتقل. في الرسالة، يبدي صاحبها عجزه عن فهم اعتقال الشاعر بتهمة الانتساب لحزب محظور في وقتٍ تسنّم فيه قائده منصباً وزارياً "، قالها مختتماً السيرة. تنحنحَ المعنيّ في تثاقل، قبل أن يسأل ببلادة: " تقصد جلالة أمير المؤمنين؟ "
" آه، نعم..! "، بادرَ " عبد الإله " للتدخل في الإجابة. ثم حك جبينه علامة على التفكّر، ثم تابع بعد لحظة موضحاً وليسَ بدون حرَج: " رفيقنا السوريّ يتكلم عن حصول الحزب على صفة شرعية، وذلك بعدما أيّد بقوة موقفَ المخزن بخصوص قضية الصحراء المغربية ". لم يزِد الآخر عن الغمغمة والبرطمة، وكان في الأثناء يتفرس بانتباه في المضيف. استأنفَ الأولُ، متنهداً: " ندعو الله أن يمنّ على جلالته بالصحة، لأنه رمزُ هذه المرحلة الشاهدة على الاستقرار والازدهار ".

***
فيما بعد، استعادَ " سيامند " كلماتِ السيّدة السويدية قبيل مغادرتها المغرب. لقد حذرته آنئذٍ من مغبّة الانجرار إلى الثقة في مَن كانت تدعوه، " عبد "، على أثر ملاحظتها تقاربهما المفاجئ. ولقد عمل بنصيحتها، حينَ استبعد الرجلَ من أيّ وظيفة في المكتب التجاريّ؛ ولكن دون أن يقطع علاقته معه.
في الآونة الأخيرة، كانت صلتهما مقتصرة غالباً على سهراتٍ في فيللا الجنرال صُحبة النساء والشراب. كان " سيامند " واعٍ إذاً لطبيعة الرجل، حذراً من مسلكه. مع ذلك، لم يمتنعَ عن الثقة فيه آنَ أحتاجَ للتحرك من أجل قضية الزعيم. في المقابل، كان يراهُ أقربَ للحكمة أمرُ انعدام معارفه في الوسط السياسيّ المحليّ.
نعم، سيستعيدُ في العام الجديد كل تلك الوقائع، التي كان بعضها أقرب للقصص الخيالية. ولكنه سيتذكّر كما لو أنه نبوءة، تعقيبَ " عبد الإله " على حكاية الملك والشاعر. فلن يمضي سوى وقت قصير، ليهز البلاد خبرُ رحيل أمير المؤمنين وما تبعه من خطوات حقيقية للإصلاح وإعادة الحريات. أول من حصل على حريته كانت جماعةُ المعتقلين السياسيين، ومن ضمنهم ابنُ " خولة ". كذلك خاله، " سيمو "، أطلق سراحه بموجب العفو العام وكانَ كما علمنا محكومٌ بسبب جريمة قتل المقيم الفرنسي.







اخر الافلام

.. محافظ جنوب سيناء ووزيرة الثقافة يفتتحان معرض المشغولات البدو


.. مخرج فرنسي يسبب أزمة.. هل طبع مهرجان القاهرة السينمائي مع إس


.. تعرف على الأفلام التي عرضت في مهرجان الشارقة السينمائي الدول




.. الجمهور ومغني الأوبرا.. علاقة شغف يتحدث عنها خوان ديغو فلوري


.. مسؤول تركي يطلب تجاهل مسرحية تسجيلات خاشقجي