الحوار المتمدن - موبايل



الحب في زمن الرأسمالية

ايريك فروم

2018 / 10 / 2
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية



يطرح الفيلسوف وعالم النفس “إيريك فروم” في كتابه “فن الحب” فكرة أن الحب يتأثر بالبيئة التي يوجد فيها فيتغير مفهومه عبر تطور العصور وتَعَاقب الحضارات التي تؤثر بمكوناتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أشكال العلاقات العاطفية ونظرة الإنسان للحب والحميمية.

ويتحدث خصيصا عن الحب في الثقافة الغربية المعاصرة ذات الأنظمة الرأسمالية، معتبرا أنه في ثقافة يسودها اتجاه السوق ويعد النجاح المادي فيها هو القيمة البارزة، فإنه لن يوجد ما يدعو للدهشة عندما تهتدي علاقات الحب الانسانية بأنموذج المقايضة نفسه، الذي يحكم السلعة وسوق العمل.

فهل البناء الاجتماعي للحضارة الغربية المعاصرة يقدم حبا ورديا معطاء، كما نتصور، أم أنه حب زائف ومتشبع بروح الرأسمالية؟

المجتمع الرأسمالي

يقوم المجتمع الرأسمالي على مبدأ الحرية السياسية والسوق المنظم لجميع العلاقات الاقتصادية، وبالتالي فهو منظم للعلاقات الاجتماعية أيضا. وتنتظم السوق الاقتصادية على أمرين: سوق العمل ينظم اكتساب العمل وبيعه وسوق السلع يحدد شروط السلع التي يقع عليها الطلب …

وفق هذه المنظومة تتحول الأشياء النافعة والطاقة الإنسانية إلى سلع تتم مقايضتها أو الاستغناء عنها حسب محددات الطلب فيمكن أن تتحول الطاقة والمهارة الانسانية إلى أشياء لا قيمة لها وفق معايير السوق.

وكنتيجة لتطور الرأسمالية في المجتمعات الحديثة تشهد هذه المجتمعات عملية متزايدة لتمركز رأسمال، فتنمو المشاريع الكبرى وتتضاءل المشاريع الصغرى، ويشتري صاحب رأسمال العامل ويأمره بالشغل من أجل الاستثمار المربح للرأسمالية.

وبناءً على ما سبق يشير إيريك فروم إلى أن هذا البناء الاقتصادي يؤثر على البناء الهرمي للقيم فتصبح الأشياء المادية الميتة (السلع المتكدسة) أعلى قيمة من القوى الإنسانية وكل ما هو حي.

ويفضي تقسيم العمل في المشاريع الكبرى إلى انتزاع هوية الفرد وشخصيته فيصبح ترسا مستهلكا في الآلة وقد يتحول هو نفسه إلى آلة…

كما ان الرأسمالية تحتاج إلى أناس يتعاونون بشكل هادئ وبأعداد كبيرة مع هذه المنظومة فتحثهم على الإنفاق أكثر فأكثر، بهدف العمل أكثر وأكثر ايضا، وتؤثر على أذواقهم فتغدو متشابهة.

وارتكازًا على فكرة النفع والمصلحة، تتغيّر حتى زاوية نظرهم للعلاقات العاطفية فتقوم أيضا على نفس الفكرة.

هذه المنظومة توهمهم بأنهم أحرار، ولكنهم في حقيقة الأمر يمكن التأثير فيهم بسهولة لأنهم محكومون بمنطق النفع والاستهلاك. هم ليسوا خاضعين لأي سلطة، ولكنهم طيعون مدجنون تضع المنظومة في أذهانهم أنهم يعملون لأنهم استحقوا ذلك، ولأنهم يستحقون أن يتحصلوا على كل شيء، وأن يخدموا مصلحتهم، حتى في إطار علاقاتهم الانسانية.

الحاجة إلى الآخر: حب أم أنانية؟

هذا الإطار يطوع الإنسان وعاطفته فيعيش مغتربا عن نفسه وعن الآخر وعن الطبيعة. لقد تحوّل هو نفسه إلى سلعة، يعيش حياته على أنها مجال استثمار، يجب أن يفرز أقصى ربح ممكن، وهي نفس الطريقة التي أصبح ينظر بها إلى العلاقات الإنسانية.

فالموقف بقدر ما يخص مفاهيم الاقتصاد والسياسة، يمس الحب أيضا، الذي يتقولب مع الطابع المعيشي للإنسان الحديث.

“المساومة العادلة “ من أكثر المفاهيم التي ينتقدها إيريك فروم في العلاقات العاطفية، فأن تأخذ بقدر ما تعطي أمر شبيه بمقايضة السلع.

كما ينتقد عديدًا من الأفكار التي تروّج لها المقالات والكتب التوعوية للأزواج عن ان مفهوم الزواج السعيد مثل فكرة “الفريق” التي يعتبرها الفيلسوف بناءً مغتربا ووصفا لا يختلف كثيرا عن فكرة “المُستخدم والعامل”.

فالعامل يجب أن يكون مستقلا بشكل معقول، متعاونا، متسامحا، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون طموحا وعدوانيا…

وهي نفس الخطة التي يلقنّها مستشار الزواج للزوج قصد التعامل مع زوجته، فيخبره أنه يجب أن يكون متفهما ومتعاونا، ويجب أن يثني بلطف على فستانها الجديد وعلى الطبق اللذيذ الذي أعدته، وهي بدورها يجب أن تفهم أنه متعب عندما يعود للمنزل، فيجدر بها أن تنصت إليه باهتمام عندما يتحدث عن مشاكل عمله ولا تغضب حين ينسى عيد ميلادها.

هي علاقة بين شخصين يظلان غريبين طوال حياتها ولا يصلان إطلاقا إلى علاقة محورية، بل يعاملان بعضهما البعض بكياسة، فيحاول كل منهما أن يجعل الآخر يحس بشعور الأفضل “feel better”.

وضمن هذه النظرة للحب والزواج، يكون التأكيد الرئيسي على إيجاد ملجأ من الشعورالداهم بالوحدة، فالحب في إطار الرأسمالية هو البحث عن المأوى للمصلحة الشخصية، وليس للعطاء اللا متناهي.

وعندما يجد الفرد أخيرا هذا المأوى يتحالف مع الآخر في مواجهة العالم “تحالفا أنانيا”، وهذه الأنانية تسمى خطأً، حبا وحميمة …

الاشباع الجنسي والحب

التأكيد على روح الفريق والتسامح واللجوء إلى خطط وتقنيات في إنجاح العلاقة تطور حديث نسبيا نشأ في السنوات القليلة السابقة للحرب العالمية الأولى، خصوصا مع ظهور فكرة أن الحب الناجح يفترض إشباعا جنسيا متبادلا، بمعنى أن الجنس أساس العلاقات الناجحة ولا سيما الزواج السعيد.

وشيئا فشيئا، جرى الاعتقاد بأن أسباب تعاسة الكثيرين من الأزواج قائمة على فشل الشريكين في الجنس، أي أنهما لم يقوما “بتكييف جنسي سليم “وأن هذا الخطأ قائم على الجهل بالسلوك الجنسي الصحيح.

ولذلك يُنصح الزوجان التعيسان باتباع “التكنيك الجنسي السليم” من الكتب والتعليمات الصحية ومشورة المختصين في الجنس، اعتقادا بأن اعتناق “تكنيك” معيّن سيقود إلى السعادة والحب.

والفكرة المتضمنة هنا هي أن الحب والسعادة هما وليدا اللذة الجنسية، وأنه إذا ما تعلم شخصان كيف يشبعان هذه اللذة فسوف يحبان بعضهما البعض، فما يلائم الوهم العام للعصر الحديث افتراض أن استخدام تقنيات صحيحة هو الحل للمشكلات العاطفية، وهو ما يقابل فكرة أن التقنيات السديدة هي الحل للمشاكل الفنية في سياق الانتاج الصناعي.

فالإنسان أصبح يتعامل أيضا مع معضلات الحب بنفس الطريقة، دون افتراض أن الحب ليس نتيجة للإشباع الجنسي السديد وفق تقنية ما، بل أن السعادة الجنسية هي نتيجة الحب، وليس العكس.

تجدر الملاحظة هنا ان التجربة والدراسات الإكلينيكية تؤكد أن جل المشاكل الجنسية لا تكمن أسبابها في نقص المعرفة بالتكنيك الصحيح، ولكن في أشكال الكبت والخوف والكراهية التي يعيشها الانسان تجاه الآخر، والتي تخلق شتى أنواع الصعوبات وترميه في جزر نائية، فتمنعه من أن يتصرف بتلقائية وأن يعطي نفسه بالكامل إلى الآخر.

فإذا ماحلت هذه المشاكل أصبح الفرد قادرا على الحب وإن لم تحل فلن تقيده أي تقنية مهما قيل عن نجاعتها…

افتراض أن الحب مصاحب للإشباع الجنسي تقوْلب أيضا مع نظريات سيغومند فرويد حول الحب والجنس، التي تذهب الى ان الحب ظاهرة جنسية. إذ يقول فرويد “لقد وجد الإنسان بالتجربة أن الحب الجنسي يزوده بأعظم جداراته وهو نمط من السعادة الذي يدفع الفرد للبحث عن اقصى درجات ممكنة للسعادة”.

وفي هذا الإطار، يشير ايريك فروم إلى أن أفكار فرويد تأثرت بروح القرن التاسع عشر وأصبحت شائعة في الروح السائدة لسنوات ما بعد الحرب. فرويد كان يُؤْمِن بأن الإشباع الكامل غير المكبوت لجميع الرغبات الغريزية سوف يخلق صحة عقلية ونفسية وسعادة. غير أن الحقائق الإكلينيكية تبين أن الرجال والنساء الذين يكرّسون حياتهم لإشباع جنسي غير محدود لا يحصلون على السعادة أو حتى على الصحة العقلية، بل أن الأغلب يعانون من صراعات نفسية وأعراض مرضية عصابية…

ينوّه إيريك إلى أن أفكار فرويد ما كان لها أيضا أن تصبح بهذه الشعبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لولا التغييرات التي طرأت على روح الرأسمالية، والانتقال من التأكيد على التوفير إلى الإنفاق، ومن احباط الذات كوسيلة للنجاح الاقتصادي إلى الاستهلاك كأساس لسوق آخذ في الاتساع، قصد إشباع فرد قلق تمكْنَنَ.

لذلك غدا عدم تأجيل إشباع أي رغبة الاتجاه الرئيسي في مجال الجنس، كما هو في مجال الاستهلاك.

ويذهب المحلل النفسي “هاري ستاك سولفيان” الى ان العلاقة بين الذكر والأنثى في إطار الرأسمالية هي عبارة عن لعب وفق قواعد لعبة المجتمع للاحتفاظ بالمكانة والشعور بالتفوق والاستحقاق، أي أن الشخصية المغتربة يجب أن تعانق شخصية مغتربة أخرى لتحقيق نفس المصالح والوقوف بأنانية ضد عالم معاد وغريب.

إن الحب كإشباع جنسي أو كجشع عاطفي، كفريق عمل أو إنقاذ من الوحدة، هو شكل من أشكال تفكك الحب ودليل على زيفه، وهو “مرض اجتماعي أنموذجي للحب”، وفق تعبير إيريك فروم.

كذلك يحدثنا الكاتب عن أشكال أخرى مرضية للحب يسيمها ”الحب العصابي” سنتطرق إليها في مقال لاحق، نستعرض فيه أنماطا لشخصيات عصابية تتوهم الوقوع في الحب بسبب رواسب نفسية خلّفها الآباء و الأمهات.

كتاب فن الحب: ايريك فروم

رحاب الخترشي سبتمبر 29, 2018







اخر الافلام

.. حوار مهند دليقان مع إذاعة روزنا حول استقالة دي ميستورا


.. اندماج نداء تونس والاتحاد الوطني الحر: إرباك للمشهد السياسي


.. حياة المناضل ماهر جايان




.. بي_بي_سي_ترندينغ | حملة في #الاردن لجمع بقايا الطعام من الفن


.. تعقيب أ. غازي الصوراني على مداخلات الحضور .. عن القوى اليسار