الحوار المتمدن - موبايل



الشبح (2)

إبراهيم الوراق

2018 / 10 / 2
سيرة ذاتية


الشبح
(2)
يتبع
وإذا كان الخوف دليلا على وجود الشبح المتصور في كل خفاء، فإن ما جعل الخيمياء معرفة باطنية، أو سحرا غامضا، وغائرا، لا ينال إلا بغياب حس الظاهر لحدس الباطن الطافح بالمعاني الملتبسة، ولا يكسب إلا برياضة تخرج مريد علم الأسرار عن ذاته، وتدخله عالما منمنما ومزخرفا ومزركشا بالألوان والأشكال والدوائر اللامتناهية، هو ما ذهب إليه الراهب حين بحث عن لغز الخارق للأذهان، والخالب للأكنان، فلم يجده إلا في ادعاء امتلاك تمتمات تعري له ما هو باهر بطبيعته، ومبهر بطبعه، وتكشف له عما يجهله من حقائق الكون، ومعاني الوجود الكلي، ويغيب عنه من بواطن النفوس، وضوامرها التي لا يحدها حد، ولا يقيدها قيد، ولا يضبطها ضابط، ولا يرسمها لسان، ولا ينقشها قلم، ولا ينحتها مبرد، إذ هي الإنسان في كل مراحل تاريخه، ومنازل استقراره بين الأماكن التي خلبت لبه، وصرعت قلبه، أو كرهتها نفسه، وسئمت منها رغبته، ولكنه أرغم على القرار بها، والمقام بين سجونها، وأخبر على أن يجاريها، ويداري ما يعرض له من مآس فيها، ما دام لم يجد محيدا عنها، ولا مأوى يرحل إلى سكونه، وهدوءه، فيودع ما خلفه بين أكنانه البائسة من ذكريات، وما تركه من أصوات تدل على أنه كان متحدثا عن كوامنه بين أفنيتها، وناطقا بما يحس به من رغبات، وشهوات، ويشعر بأنها محض ما يستوطن ذاته، ويسكن عقله، ويدبر سلوكه بين نوبات فرحه، ولحظات قرحه، وأزمات ضجره من كل ما يدور حوله، ويحوم في مداره المطوق لكيانه، والممتد إلى أخر حلم يحلم به، ويرغب في وصاله، ولكنه لم يعثر في كبد نظره على سبيل يسلكه، لكي ينفذ إلى أمنيته، فيحتضنها بيديه، ويعانقها بقوة الجاثمة في غوره، ويمرح معها ساعات قصار في دركه، يقضيها بين أمل في كسب لذته، وخوف من فوات فرصته فيما عنَّ له، وحرص على أن لا تضيع منه لحظة في حضوره، وتغيب عنه همسات أصواته، وخفقات ألوانه، فينسل من حضنه، ويفر من عناقه، ثم يعود إلى حسرته، ويؤوب إلى ندامته، ويغدو مع طول العناء حالما به مرة أخرى، وعاشقا له، وراغبا في أن يزوره طيفه خلسة، فيظفر بدفئه، ويتأدب في حضرته، ويتعهده بالوفاء صباحا، ومساء، لئلا يفارقه بغفلته عنه، ويغادره بلا توديعه، ثم يتذمر بمرارة زفراته, وربما يكتئب، وينتحر بمستحيل ما يطلبه، وإن لم يقض عليه هوجُ كمده، هرع إليه مجرولا، ومجرولا، يطلب من الحظ العاثر خلود أمنيته، وبقاءها إلى أن يشبع جوعته، ويشرب إلى حد ثمالته. وأنى له أن يكون مؤبدا له سكره، وهو ما فارقه إلا ليواصل غيره، فيخدعه زمنا، ثم يتركه إلى الأبد.؟ كل هذه الحقائق، لم يدركها الراهب، ولم يفقه معانيها، ولم يفهم ماهية دورها في صياغة حياة الإنسان، وأبعاده النفسية، والاجتماعية، وأمداء حركته غير المحصورة بزمان، ومكان.
وهنا، وفي محاولات الراهب تفسير خفاء الخيمياء، ارتبط العلم بالخرافة، وترافقا في مسيرة الإنسان، وسادا أقواما، وأمما، وأمصارا، ودولا، وأحيانا يغلب أحدهما على الآخر، فيقصيه عن مرتبته، ويمنعه من مكانته، ثم يحكم عليه بتهمة الضلالة، والغواية، فيميته، ويفنيه، وإن وجد فيه مقاومة حاربه، وصارعه، وقاتله بكل ما يخبئه في باطنه من حيل، ومكر، وخداع. لكن، وعلى رغم ما للعلم من قيمة اعتبارية، لم يكن في بعض مراحله إلا ظالما، جهولا، لأنه حين أفرغ من محتواه، وأُنزل من عرشه الذي تبوأه اكتسابا، واقتدارا، وصار تابعا لعوارض البشرية، وخادما لما فيها من اغترار، واجترار، سعى إلى أن يئد جوهر الخرافة، ويدفنها إلى الأبد، لئلا تقوم لها حقيقة ظاهرة، تأخذ مكانها في الطبيعة، وتنال حظها في الوجود، ثم يصير لها أوصياء يحمون ما فيها من أفكار، وأنظار، وأتباع مقلدون لما تخطه من خطوط النجاة، والخلاص، إذ غاب عنه أن نهاية الخرافة، هو نهاية للعلم، وإفناء له، وإقبار لما يكسبه من قوة في صراعه مع الضد المناظر، والمقابل المعاكس، لأنه لم ينشأ إلا في مهادها، ولم يترعرع إلا بين أكنافها، وهي أمه التي هيأت سبله، ووطأت شعابه، وهو رفيقها في كل الدروب التي قطعتها برغباتها الحارقة، وصديقها في كل المحافل التي حضرتها بطلعتها الباهرة، وكان لها فيه شأن وعظمة.
إن وجود الخرافة في الإنسان، وفي كثير من مركباته النفسية والاجتماعية ضروري، وحتمي، ما دامت حقيقتها الكبرى، هي ما تمنحه من تفسير للظواهر الخفية، وطبيعتها المثلى، ما تهبه من تسليم للذوات التي لم يُبن فيها منطق المعرفة، وأسسُ قواعدها في الإدراك، وأدواتها في الفهم، وآلياتها في الوعي، ومسؤوليتها العظمى، هي ما تسبله على الجهول بمعناها ومغزاها من ارتياح، وانشراح، واستسلام لواقعه، واستلهام لمعجزات خلاص آساره المادية من يد القوى الخفية، لأنها، ومهما ابتعدت عن تجارب العلم، وخبراته، وملاحظاته، فإن وجودها كان بداية لتفجر السؤال في الحقائق الغامضة، والرغبة في استكناه الماهيات، واستنباط الهويات، واستخراج ما فيها من عوامل، وفواعل، واستظهار ما تستبطنه من أسبابها، وعللها، ودوافع وجودها، وروافد بقائها، إذ ذلك ما ولد العلم، وأبرز خفيه، ومحص جليه، وبين غامضه، وعرى واضحه، وقد كان مطمورا فيها، ومخبوءا في إجاباتها، ومقرورا في أطاريحها، إذ لو لم تحتفظ على طرق دركها التي اعتمدت تجسيد اللامجسد، وتحويله إلى بشري متماه في العماء، ولم تقدس طقوس وعيها في مواجهة الغامض، والمستور عن الأعين، والمكتوم من أسرار الخليقة، لما انحاز العقل إلى الشك، والارتياب، ولما تمرد على ما هو قائم، ومشهود، ولما تطاول في الكشف عن موضوع الاعتقاد، والإيمان، لأنها كانت خادمة للراهب، وحامية للمعبد، وراعية للهيكل، وصائنة للقداس، وقائمة بأمر العهد القائم بين السماء، والأرض. كلا، بل قربت الآلهة من الإنسان، ومزجت بينهما في قداس الخلاص، وعانقتهما في خمرة الدم المقدس، لكي يشرب الحاضرون من معين الخمرة الأزلية، ويتعانقا على بساط العشق الأبدي، ويتصاهرا في لوحة الوجود بلا فصل بين ما هو إلهي، لا حدود له، وما هو بشري مقيد بناموس العجز في الكون، والطبيعة. فهي على ذلك تؤله البشري، وتؤنسن الإلهي، وتجسمه في رموز، وألغاز، وإشارات، واستعارات، وتجعله متناهيا، ومتكاملا، ومتناظرا مع غيره في علل الوجود، والبقاء.
ومن هنا كان شرب الدم في الخرافة القديمة طهارة للبدن من لوثة الانزياح عن عالم السماء، ثم استحال مع تفريع الطرق إلى اللامحدود قربانا للآلهة العاشقة للتضحية، والفداء، إذ لا يأمل طالب السمو علوا إلا بإسكابه، وإهراقه، وإسالته على سطح الأرض، وإجرائه في قناة الكون الخفية، لكي تشرب منه الطبيعة روح الأمان، فتسخى بما تضمره من حياة الإنسان، والحيوان، والأشجار، والأحجار، لأن الدم كانت خمرة في الأزل، والخمرة كانت دما على خوان الإله، وغيابا عن المادي المشاهد في الأكوان المجللة بالرزايا والعناء، والمكللة بالخطايا والشقاء، ثم طال عليهما الأمد في مجريات الإدراك البشري، فتنافرا في أجواف تألمت بما تعريه الأماكن من استعلاء الإنسان، واستقوائه بالعقل، واستعدائه بما يقدسه من تأليم لهذا الكائن الذي وجد بسيطا، تحكمه سجيته، وفطرته، وتقوده طبيعته المنسابة بحرية إلى الأماكن المفتوحة على العطاء، وتسوقه حقيقته بشوق إلى الموارد التي يكرع من منهلها آماله بلا امتنان، ثم غدا مع اختبار العقل لما في دروبه من صولة كائنا هشا، يحكمه قانون القوة الذي وضعه الأقوياء، وقننوا مبادئه لحماية نظام الملكية، والامتلاك.
وهكذا صارت الخمرة شرابا ممنوعا على من عب منها لحن الوجود، ونغم الحرية، وطعاما محظورا على من رآها دما زكيا في الذات، وعشاء أخيرا لنيل صفاء الحياة بين سكان المدينة المقدسة، وكسب ما فيها من رقص، وعري، ونشوة بلا اشتهاء، إذ الغاية فيها، هو محو الصفات، وزوال ما فيها من حظ التملك، والاستحواذ، لأن قصارى جهد الأديان، وما تفرضه من طرق إلى السماء، وما تدبره من مناطق مهيأة للانطلاق نحو عالم الآلهة، هو غياب الإدراك عن المادي، وانسلاخه عن آصار الأرض، ومحابسها الضيقة، وتحليقه في فضاء الوجدان، وتطوافه حول قبة السر المكتومة في معدن الكوكب اللامرئي، والكون الذي يحوم فيه الإنسان بأجنحة ملاك طاهر، لا تحركه شهوة، ولا نزوة، ولا تصرفه عن حقيقته لغة، ولا معنى، ولا تبعده عن دائرته لحظة الزمان، ولا جرمية المكان، إذ ذلك مرغوب، ومطلوب، ومحتوم لخرق الحجب، وهتك الأستار، وإزالة ما يشخص للعين من عوارض، ويحول دون رؤيتها الحادة للمدى السحيق، والفضاء الممتد إلى آخر بؤرة للنور، حيث نبع الوجود، ومنبع ما اغترف منه الكون كينونته، وصيرورته.
وإذا كانت هذه رغبة الباحث عن الحقيقة، وهي فناءه عن المادي، وانصهاره مع روح الوجود، فإن انصهاره مع الخمرة المقدسة، تلغي عقل بشريته، وتقصي إدراكه المحدود للامحدود، لكي يجول حول قبة السماء، ويسرح بين نمنمات قصر الكون، وزخارف بستان الطبيعة، فيستلهم من ترحاله بين المعاني سر لغته التي عبر بها عن حدود ما وصل إليه من استظهار للحقيقة الخفية عن الأبصار، والجلية في قدسيتها، وعريها عن آلام الإنسان، وأوضار حياته التي تعيق سيره الأفقي، وتعطل جاهزيته للتناغم مع الألحان التي تغني بها الأشياء بلا صخب، وضوضاء، إذ ما يحصل من صفاء الذهن، وانهمار المعاني الصرفة عليه، هو الطلب الذي كتبه الإنسان بجهده، وأرسله عبر الأثير إلى كل الآلهة التي عبدها، وخدمها، وابتغى نوالها، وارتجى عطاءها، لأن متعة ذلك، ولذته، ولا تكشف بوجه واحد، ولا توصف بوصف محدد، بل هي كل أنفاس البشر، وأصواتهم التي غردوا بها، أو ناحوا بها، أو نادوا بها، أو شاجروا بها، أو حاولوا أن يجدوا بها لهم مأمنا يقيهم من ضجر الأماكن المهدورة الإحساس، والمقهورة المشاعر، والممحونة الألسن، والمجنونة اللغات، إذ ما ناله الإنسان في تلك الجولة التي قادت أشواقه إلى معالم المدينة المقدسة، وآثارها الدالة علي أصل الخلقة، وملامحها الناطقة بنبل القصد في التأسيس، والبناء، هو الذي جعله يحن إلى ذلك العهد القديم، ويستحضر ما فيه من بساطة وديعة، وأحلام جميلة، وأمان جليلة، لأنها كانت لحظة امتزاج الكون في الموجود، واختلاطه في خمرة الوجود، وانسياب دبيبها في روح كل معلوم، ومنظور، ومشهود.
وهكذا كانت الدم روحا، والخمرة روحا، وما بينهما نشأت حضارات استعملت المسرح غذاء للأبدان، والموسيقي لغة للبيان، والرقص للأعيان، وما بينهما ظهرت فنون القول، وأدوات التعبير، والإبانة، والإعراب، لأن ما في الدم من لون، هو ما في الخمرة من لون، وكلاهما يدلان على أن أصل الخلق وجود، وحضور، وغياب، إذ ما هو وجود، لن يكون عدما، لأنه الأصل الذي لا يقابله شيء، إذ العدم لا حقيقة له، وهو من فخاخ اللغة، وألاعيبها، وما هو حضور لن يكون غيابا، وما هو غياب، لن يكون حضورا، وما بينها عاش الإنسان على صهوة حصانه، يرتحل بين الميادين حاملا لراية السلام، ومنطلقا إلى بحر الأمان. وهنا التأم الضدان في الذات الواحدة، وتعانقا، ولم يرتبكا فيما مر علينا من لحظات الصفاء، فكان الدم ترابا في الأديان، والحضور روحا في الفلسفات، إذ غاية التراب، هو بناء مرقص للروح، وغاية الحضور، هو انتزاع صورة الإنسان من سبخة الطين، ونتن ريحه. وكلاهما يرفعان من همة هذا الكائن، ويحملانه مسؤولية رعاية الكون، وحمايته من كل الملوثات التي تفسد الدار، وتعكر صفو مزاجها، وتحرك فيها أشجان الآلام، والأحقاد، والكراهية، إذ الطين حين سما بالأديان، كان ممهدا للأرض، لكي تكون جسرا إلى الآخرة، والحضور حين كان انبثاثا في الكون، اعتلى قنن الجبال، لكي ينقذ التائهين في السفح، والحضيض، ويقول لهم: هلموا، هنا تعيشون بلا أكدار.
وحقا، لم تفقد الأديان معناها إلا حين صارت حربا على الإنسان، وتطويقا لحريته، وتأزيما لاختياره، وتعويقا لحركته، إذ لم تؤسس بداياتها الأولى، وهي تلك اللحظة التي أسر فيها الخفي الإنسان، إلا لتحارب الشبح، وتعاديه، وتمنعه من أن يتسلل إلى المدينة المقدسة، فيحولها نقاءها إلى نجاسة، وصفاءها إلى شقاوة، لأن ما مر من تجارب فوق سطح هذا الكوكب الكئيب، قد أزال عن الأذهان ما كانت تعتبره روحا في الطين؛ وهو الجسد بما يجعله قويما، وسليما، وسرا في الحضور؛ وهو العقل حين يصير مدركا لفراغ الذات، وضياعها بين الآهات، ولغزا في الغياب؛ وهو الخفاء الذي ستره شاخص الديار المرتفعة بلا أمان، إذ ذهبت العقول مذاهب شتى في استلهام الصورة، وما فيها من إيحاءات، ودلالات على معنى الجمال، والكمال، فرأى بعض أن الدم ليس روحا، لأنه لا تقوم به النفس في الذات البشرية، (على اعتبارها (النفس) معنى، لا مادة له في البدن، وقد أخطأ هذا القول، لأن النفس من مركبات البدن، وهي مادية في ماهية الذات، والذات هي المعنى المجرد الذي لا مادة له، لأنها كلية معنوية.) بل هو (أي الدم) ذلك السلسبيل التي تسقى به وردة العشق المهدية بين عشاق الخلد، والمعنى الأزلي، والرحيقُ الذي تشرَّبه وجه الناسك، العابد، فهام على وجهه بلا أمل في العودة إلى الأكنان، ولا رغبة في أن يحضنه حضن دافئ، ويأويه مهد مكافئ، لأن اعتبار ضرورته في بقاء الجرم، هو الذي يجعل هدره حراما.
وذهب بعض إلى أن الخمرة زوال في مقام يقدس فيه البقاء، فخال ما فيها من غياب مسقطا للتكليف، ومعديا بالتأليف، لأن تلازم العقل والإرادة في سياق التحقيق للفعل المجلوب كسبه لرضا السماء، لن يكون صرفا إلا إذا كان الوعي قائدا، والمراد واردا، إذ اجتماعها في الفعل المستكنه للقصدية، لا يرضاه وصل الحقيقة إلا بخلوصهما في الصورة، وظهورهما فيما تتآلف عليه الجماعة بلا اختلال. لكن، ما الذي حرف الحقيقة عن مهدها، وجعل صرف اللقاء مع الإله، لا يأتي في الفعل إلا بما دبره العقل الفرد، وسماه إرادة حرة في الكسب المقبول.؟ أليس العقل نارا، وهو من حرك الإحن بين سكان المدينة المقدسة، فاحتاج الالتحام إلى نظم قواعد الاتفاق في عقد الإلزام، والالتزام، لكي يتجوزا منطقة العداء، والخصام، والشجار.؟
وهنا، اختلف النظر بين سارح يمشي على غيل الصحراء، ينتظر سوانح القدر، فإما عطش يهلكه، وإما معين ينجده، وبين راع لشياهه، وأغنامه، لا يكل عن مرافقتها، ومجاورتها، ولا يمل من تعهدها، وتدبرها، لئلا يصطادها ذئب جائع، أو لص طامع، إذ هما في السياق موجودان، وبهما تحددت سبل السير إلى مهيع الآلهة، وموقد نيران المعرفة، لأنهما معا يجسدان حقيقة حركة الإنسان في التاريخ، وفي الحضارة؛ فالأول عاش متخففا من أعباء الأرض، فظعن بين الأماكن بلا رغبة في القرار، والثاني أثقله هم الاستقرار، فلم ير المطلق إلا مقيدا بمراد ذاته، ومحدودا بما يشهده من مناظر محصورة، ومعالم مقصورة، إذ الأول عاش لحظة التماهي مع المطلق، فلم يرتبط إلا بما يراه من أفق بعيد، وعنان ممتد في الفضاء إلى ما لا نهاية له، والثاني، عاش لحظة شرود الإنسان عن السماء، وهبوطه إلى أصله الطيني، لكي يقتضب كل معانيه فيما يخدم النظام، ويدبره بمقتضى الملكية، والإنتاج، والربح، لأن ارتباط الأول باللامحدود، واللامتناهي، لم يكن إلا تخلصا من تنظيم المحدود الإدراك لما لا حدود له إلا في الاعتبارات العقلية، إذ صياغة صورة له؛ هي المفهوم الذي يدل عليه، لا يعني نهاية جزئياته، لأنها لا تناهي لها في الحصر، ولو حاول العقل أن يضبطها في كلية الجنس، أو النوع، إذ خضوعها لسياق الإنسان، وما آل إليه وضعه من تنظيم لذاته، وتدبير لما يطرأ عليها من عوامل تعطل استقرار نظامها النفسي، والاجتماعي، هو الذي أنزلها من علياء همتها، وأقعدها على حضيض رغباتها، وأهال التراب على نظامها الطبعي، والكوني؛ وهو المطلوب للأول، لأنه يحس فيه بالتحرر من سلطة غيره عليه، ويشعر بأنه ذرة في هذا الكون، ونسمة تجري بها نسائم الأزل إلى حيث المبدأ، والمعاد.
لكن ما حصل من اختلاف بين الصورتين، وتناقض في وجهات النظر المحددة لهما، لم يستفد من غمرات تباعده عن الائتلاف، إلا ذلك الراهب الذي نفخ في روع الشبح أصلال فهمه، لكي ينال ما يزمه في عمقه من استكبار، وإذلال، ويكتمه في خوفه من طمع، وجشع، لأن الاجتماع حول مصلحة تعتريها عوارض النقص في مرام التقائها على سياق محدود برقعة من جغرافيا الأرض، ليس هو أن ترى الكون كله مآلا لهذا النبل، والكرم الإنساني، إذ ارتحالنا من فضاء العالم الكبير، واستقرارنا في محميات يحرسها الشبح الشحيح على غيره بأمنه، واستقراره، لم يكن إلا لحظة حقيرة من تاريخ الكون، ونقطة تناسى فيها الإنسان أصله الطبعي، وتعامى عما فيه من حرية، وانطلاق، واندفاع نحو المغامرة في المجهول، والمراهنة على المستحيل، لأن تجوهر اللامحدود في المحدود، وتقوقعه في ذاته، قد أنهى كثيرا من صفاته المتفجرة بمعاني الفروسية، والبطولة، والشهامة، والمروءة، وخصاله المتوقدة بنوازعه الخيرة، ورغباته في الاستمتاع بلذة نفع الإنسان، وإنقاذه من مخالب البؤس، والعناء، إذ ساد العقل الفرد، وأرغم صناع مجده على إزهاق دم الفرسان، واقتناء الخيول الشهباء، ووضعها في الإسطبلات للذكرى، والذكريات، لأنها في امتزاجها بروح الفرسان، ما وجدت إلا لتسمع صهيلها في ميادين الوغى، وإذا كانت قنية، لعب بها الجبناء في السباق، ومهرجانات الإلهاء بالأفراح الطازجة ببؤس الديار، وشؤم الطوالع العابسة على الآفاق، والمتجهمة في العنان. وهكذا السباع ما وجدت إلا في الغابات، وإذا سجنت في الأقفاص، لعب بها الأطفال، وضعاف العزائم، والإرادات.
ولذا، فإن المواطأة على لغة واحدة، هي التي تكتب الحقوق، والواجبات، ليس إلا مرحلة من مراحل الاجتماع البشري، لأنها انتقال من الإنسان المطلق (الصوفي المتأمل) الذي جعل الطبيعة معبدا، والوجود إلها، إلى المتعبد الذي توطن المكان، وابتنى له عرينا يعرِّس إليه، ويأرز إلى أفيائه مجهدا، ومتعبا، وإذا داخله فيه قلق، وخوف، وارتياب، انتفض، واهتاج، وفاض، وأوقد نيرانه، واستل سيفه، واستهان بروحه من أجل بقاء روحه، لأنه في عشقه لمهده، وغيرته على كُنه، لم يأبه بما ستعوضه به الآلهة من انتصار، وانتقام، إذ ذلك لا يكون واقعا إلا عند الإحساس بالأمان، ولا يكون طلبا مقدما في الاعتبار، وجلبا مرغوبا في حيازة الوعود غير المرئية، إلا إذا لم يتعارض صون الدم مع بقاء الروح. وعلى هذا يكون الفرق كبيرا بين الهائم السارح بين ملكوت الوجود، يتطهر بماء الكون، ويصلي في محراب الطبيعة، وبين متعبد ذاهل بمجاثم أحلامه، ومراقد آماله، وإذا انتهى إلى صفاء ذهنه، احتاج إلى معبد يقيم أوده، ويقوي عجزه، ويسعفه بنجدة ترد عليه من عالم الخفاء، فتنقله من صلصاله إلى ماء حياته، ونبع ما انتفش عليها من رغبات، وغايات. وهما معا، وان افترقا في صياغة الحدود للمحدود، والقيود للامحدود، فإنهما تجري عليهما الأحكام، وتسري فيهما حقائقها بالنفي، أو الإثبات، إذ الذي نزف منه الدم في البراري، ليس كالذي اسننزف منه الدم بين الديار، لأنهما يختلفان في حكم المقام، ويفترقان في المورد الذي تجترع من بحاره خمرة البقاء، إذ ذاك حكمه كوني، وذا حكمه وضعي، وهما متعارضا، إذ في الأول ينتزع الحكم لمطلق الصلاح، والفساد، وفي الثاني ينتزع بمنطق الخطأ، والصواب. والفرق بينهما، هو أن الأول خاضع للنواميس، والثاني تابع للعقل، ورغباته في التنظيم لبيئة الإنسان، ومكوناتها المجالية، والمناخية. وهي مفارقة للطبيعة، إذ الأخيرة أزلية، والأولى حادثة، لأن للفعل البشري دورا فيها بالصلاح، والفساد، وهي دون الإصلاح والإفساد في قانون الطبيعة، لأن الإخلال بنظام البيئة، يعود عقابه على سكانها، والإخلال في الطبيعة، يعود ضرره على الكون كله. وهنا اتضحت المعاني، والمراتب، وزال الالتباس عما هو مطلق، وما هو مقيد.
وعلى هذا، عوتب على الصوفية حين تنصلوا من الأحكام الوضعية، وتخلصوا من آلام تكليفها، وتخففوا من شقاء تعقيدها، لأنهم رأوها ببصر الأحكام الكونية؛ وهي كل ما استنه الوجود من نواميس لتدبير حركة الكون، والطبيعة، فأدركوا أنها محدودة الآثار، ومحصورة على من رغب في الاستقرار، وأحب أن يحتمي بغيره من جوائح الأزمنة، والأمكنة. فهي على هذا تكليف في أمر لا يستوجب التضحية، وتأليم للذات فيما لا يحرر قضية، ولا يوصل إلى الحقيقة الجامعة لما عداها من الحقائق الإدراكية، إذ الصوفي لا يخشى من الشبح المغروس في طين الإنسان؛ وهو كل ما يخلق الخوف من الممكنات، ويصنع العجز عن مقارعة المستحيلات، ويعبث في الذات بالكسل، والتواكل، وفقدان الهيبة في العمق، وضياع السر في الباطن، بينما غيره يهاب ولوج متاهة اللامحدود، ويخشى أن يفقد بوصلة ساعته، وكوة عُشه، فهو على هذا عبد للزمان، والمكان. وإلهه، هو ما يحميه، ويقيه، لأن ما هو مطلوب في الحياة التي تحرك الأجسام، يحتاج درك مدار الحكم عليه إلى النظر في طاقة الهمم، وقوة أفعالها، وحدة رغباتها الكامنة خلفها، والمحركة لها، والموجهة لها في اختيار ما هو عظيم، وجسيم، أو فيما هو سهل، وذلول. وإلا، كان الاختيار واحدا، والالتزام واحدا، لا يتنافيان، ولا يتعارضان، وإذ ذاك تضيع ملكة العباقرة، وموهبة النبغاء، لأن تكافؤ الفرص، وتوافرها للكائن البشري، وتفاعلها مع المهارات المطلوبة، يحد من فاعلية الأقوياء بقوة، والعظماء بعظمة، إذ لم يكن القول بذلك إلا حلا لما أنتجه العقل الفرد لما استولى على العالم المجنون، واستوى على كرسيه المزين بأشلاء، وعظام، وجماجم البشر المقتولين في تعبيد الطرق، وخرط القنوات، وسقي الزروع، ورص الأشجار، ورعي الأغنام، وحوط الأبقار، وقود السفن بين الأمواج المظلمة، والهالكة، وسوق الطائرات بين السحب المتجهة، والشاحبة، ثم ابتلع ما مرت عليه عينه من رغبة، وشهوة، وازدرد ما تبقى في قيعان جوعه من عيش الحيتان، والدواب، والهوام، والإنسان، فلم يجد حين أدرك أنه انتهى إلى نهاية شرهه، وجشعه، وأنه يستقر وضع سطوته بين موته، وحياته، إلا أن يدعي أنه إله الديمقراطية، وحامي ما تجود به من عدالة في الحرية، والمساواة، إذ لو تبقى في شرة رغبته شيء يمشي على هذا الكوكب الأرضي، ولم يقع تحت قبضة يده، لما اختار أن يترنح فوق أكتاف المحرومين، وكواهل المنكوبين، لكي يسترضي ما تبقى فيهم من عشق الحياة السعيدة، لعلهم أن يشعروا بأنهم لن يكسبوا شيئا إلا بقوته، وجبروته. وهكذا استحالت الديمقراطية شبحا كاسرا، لأن خطورتها، ليست في أن يحكم الأوغاد النبلاء كما قال أفلاطون، بل لأنها تحرر الديمقراطي من تبعات ما انتهبه من خيرات الإنسان، ومسراته، وأفراحه، وتمتعه بالحكم الأعم، والأشمل، وتجعل غيره راضيا بقسمة خراج الأرض كما هو في قهره، وجبره، فإما غني يزداد غنى، وإما فقير يزداد فقرا.







اخر الافلام

.. رئيس الوزراء الأرميني: لو كان شارل أزنافور بيننا لسعد بالقمة


.. ترامب يشكر أردوغان بعد إفراج تركيا عن القس أندرو برانسون


.. مدينة بايون جنوبي فرنسا.. متعة الحياة على وقع إرث الباسك الغ




.. النظام السوري يحرم عشرة آلاف طالب من التعليم الجامعي


.. تقنيات لاستخلاص المعادن الموجودة في النفايات الإلكترونية - 4