الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل السادس 1

دلور ميقري

2018 / 10 / 2
الادب والفن


صديقتي العزيزة
إنني خجلٌ حتماً من القطيعة الطويلة، التي بادرتك بها بعيدَ أيام من مغادرتك المغرب. ومن النافل تقديم الاعتذار، طالما الموقف طويَ مذ أعوام عدة. هذا، مع أنّ المفيد التذكير بكوني حاولت الاتصال معك يوماً على هاتف شقتك في ستوكهولم. ولكنه خط الاستعلامات، مَن بادرَ يومئذٍ بالرد أوتوماتيكياً، ليعلمني بالانكليزية أن الرقمَ المطلوب غير متوفر لسبب من الأسباب.
في وسعي تصوّرك حينَ يصل خطابي، بينما أنتِ مشغولة بالإعداد لليلة عيد الميلاد، وكيف ستعتريك الدهشة ( مقرونةً ربما بالسخط! )، ما أن يحط بصرك على اسمي المسجّل على صفحة الظرف. على أنني أعرف طيبة قلبك، وأعوّل عليها بنفس قوة أمنيتي في وصول الخطاب إليك. في أيّ حال من الأحوال، سأتذكرك آنَ يحين موعد الاحتفال بالسنة الجديدة، وأرفع نخبك أيضاً مع بقية الأصدقاء. قبل أن أنبئك بشيء من أخبار هؤلاء الأصدقاء، أرغبُ بأخذ نفسٍ من السيجار ومن ثم التفكير بذكرياتنا المشتركة في المدينة الحمراء.
على سبيل الاتفاق بالطبع، كنا قد غامرنا معاً بالمجيء إلى مراكش في ذات الفترة ولنفس الدافع. أعتبرك محظوظة، كونك لم تمكثي في المدينة سوى المهلة المحددة للسائح كي يؤوبَ مع ذكرياتٍ جميلة. ولا كذلك مَن هم في مثل حالتي، الموغلين عاماً بعدَ آخر في أدغال حقيقة هذه المدينة. للوهلة الأولى، اعتقدتُ أنني في فردوس أرضيّ مقيم، بالأخص لما عاينته من حرية جسدية تصل حدّ الإباحة. الرجلُ الأوروبيّ، يُرى متحلياً بالحكمة عندما يَقنع بغزوات عابرة مع فتيات الليل حتى لو وضعته أحياناً في مواجهة مع شرطيّ مرتشٍ. أما أمثال صديقك، كاتب هذه السطور، فإنّ عليه فوق ذلك تحمّلَ ضميرٍ مثقلٍ بالإثم. سأعفي نفسي من تسمية تلك التي كنتُ أعاشرها، معتمداً على نباهتك في تخمين شخصيتها. مع ذلك، أتخيلك تبتسمين فيما طيف المرأة ذات الثوب الأحمر يعبرُ ذهنك أولاً. غير أن من أعنيها تشبهها في ناحية واحدة على الأقل، ما لو فكّرنا بقران المرأة والمدينة في الأدب الحديث! وعلى أيّ حال، فإنّ مراكش ليست هيَ المغرب.
من ناحية ثانية ( وهيَ الأهم حيث تستحوذ تفكيري حالياً )، فإن المشكلة القومية هنا تكاد تماثل مشكلتنا الكردية. وأعني بالطبع موضوع البربر، وهم عنصر سكان شمالي أفريقيا الأصليّ، ومع ذلك يعانون من شتى ضروب التهميش والإقصاء ومحو الهوية الثقافية. لقد عاينتُ بنفسي مبلغ معاناتهم، حينَ أخذني سائقي ذات ربيعٍ في جولة بالسيارة إلى قريته الأولى في إحدى سلاسل جبال الأطلس، المحدقة بمراكش من جهتها الشرقية والشمالية تكلل قممها الثلوج. نظراً لسوء حالة الطرق، أو انعدامها في أماكن كثيرة، كان علينا ترك السيارة وركوب البغال حتى نصل إلى مقصدنا. هنالك في سفح قمة حالقة، رفرفت قرية سائقي بكل بؤسها، ولقد ارتقينا إليها عبر دروب موحلة مكتنفة بالأشجار والصبار. ثم ما لبثنا أن استقبلنا بالنباح من لدن كلاب ضالة، ليتضامن معها أطفالٌ شبه عراة بأسمالهم البالية، وكانوا يتصايحون باللغة المحلية. الحال، أن الجميع ثمة لا يعرفون من اللغة العربية سوى بضع آيات ضرورية للصلاة. الشعور الدينيّ، قويّ جداً بين البربر واستفادت منه السلالات الحاكمة في مواجهة الغزوات الأوروبية على مر القرون وانتهاءً بالحماية والاستقلال. بحَسَب صديقنا، " عبد "، فإن كراهية الفرنسيين للبربر تكمن بذرتها طيّ صفحات التاريخ. وقلت له، أن كثيراً من مثقفي الكرد يعتقدون أيضاً أن الحروب الصليبية هيَ سببُ كراهية فرنسا وانكلترا لقومهم.
تلك الرحلة، المرهقة جسدياً ونفسياً، لم أكررها مرة أخرى. وأظن أنّ السيّاحَ يجدونها رحلة رومانسية، تستحق ألبوماً كاملاً من صوَر الذكرى. ولكنني أود لفت نظرك، إلى قلة اكتراثي بأوضاع البلد المضيف خارجَ الحيّز الاقتصاديّ؛ كما على سبيل المثال، أسهم البورصة وأسعار العملات الأجنبية. للمفارقة، أنّ ذلك الحيز ذاته بالوسع الاستشهاد به في شأن المشكلة القومية: كراهية الأجانب، والمستثمرين منهم بوجه خاص، تتسع بشكل مضطرد في الوسط العربي المسيطر. وعلى الرغم من الترحيب الرسميّ بالاستثمار، وتشجيعه بشتى السبل، يُعزى لنا ( نحن الأجانب ) كل فشل في النمو العام أو أيّ تعثر في الخطط الاقتصادية. خطاب الكراهية، مبثوث في أجهزة الإعلام علناً ومضمراً سواءً بسواء. ويلوح أنّ ذلك يحظى بعطف رسميّ، إن كان بهدف التغطية على الأسباب الحقيقية للفقر والتخلف أو كردّة فعل تجاه موقفٍ سياسيّ معين من جانب دولة غربية ما.
على أنني لا أعتقد بتحوّل مشاعر الحسد والحقد إلى أفعال شعبية عدوانية ضد الأجانب، أو إجراءات رسمية بالمصادرة والإبعاد مثلما جرى في بعض دول الشرق الأوسط وأفريقيا. كذلك الأمر، فيما يخص نظرتي للمشكلة القومية والتي أرى أنها لن تتطور إلى نزاع عرقيّ مسلح بحال من الأحوال. الدين الإسلاميّ، أثبت تأثيره الفعال على البربر خلال التاريخ، وسيسهمُ مستقبلاً ربما، في إطالة تأخير الصحوة القومية لديهم. فكم يُشبه الدورَ الفرنسيّ، رمزياً ولا شك، المتعهّد شكمَ أيّ توجّه جديّ معادٍ للأجانب في هذه البلاد!
وقبل أن أتابع الاستطراد، وصولاً للمشكلة الكردية المتفجّرة اليوم بقوة في الإعلام العالميّ على خلفية ما يحصل في العاصمة الإيطالية، قبل ذلك، سأعرّج على أحوال أصدقائنا في مراكش. لعل اللائق فيّ أولاً ذكر أخبار الفيللا، طالما أنّ ابنة أخي في رعاية أصحابها. وأطمئنك أن الطفلة تنمو بشكل رائع، وتتمتع كما عهدتِها أنتِ بالذكاء والنباهة فضلاً عن شخصيتها الرزينة الهادئة. ولا خوفَ أيضاً على مستقبلها، مهما تغيرت الظروف: لقد علمتُ مؤخراً بطريقة ما، أنّ الرسام الفرنسيّ الراحل كتبَ لصالحها في وصيته مبلغاً كبيراً من المال، والمبلغ مودع باسم الطفلة في البنك الوطنيّ. مصدر الخبر، ذكر معلومة أخرى في غاية الغرابة، وهيَ أنّ خالَ الطفلة ( الصبيّ المعاق ذهنياً ) أصابَ أيضاً شيئاً من وصية الرجل. وهذا يعزز شائعة مشينة، سبقَ أن وصلت لسمعي، عن كون الصبيّ في الحقيقة ابن " الشريفة " لا شقيقها؛ وأنها أنجبته من علاقة غير شرعية بأحدهم. قد تضيف الوصية بعداً جديداً للغموض المكتنف سيرة الأم نفسها، والتي يُزعم أنّ الرسام الراحل هوَ والدها البيولوجيّ؟ المرأة ذات الثوب الأحمر والبرّاق، وكان لغز ظهورها قد شغلنا في خلال فترة وجودك بمراكش، ما تنفكّ مغلقة إذاً على الأسرار ـ كما ضبع، منطوية على نفسها داخل جحر.
كنت قد بدأتُ، مبكراً، في مشروع مزدوج في آنٍ معاً؛ التجارة والزواج. مشروعي التجاريّ، يحقق نتائج جيدة وقد أتاح لي الاستقرار، وفي التالي، كان المفترض أن يسهّل من أمر المشروع الآخر. إنني أتكلم عن " زين "، وكانت علاقتي معها بدأت كما تعلمين في أوان زيارتك للمدينة. على الرغم من أن حبي لها لم يبرد بحال، وإعجابي أيضاً بعملها يزداد ( تشغل وظيفة سكرتيرة في مكتب الشركة )، إلا أنني ما أفتأ متردداً بشأن إتمام إجراءات زواجنا. كان في ودي الكتابة بالتفصيل حول الموضوع، لولا أنّ مزاجي ليسَ على ما يرام في هذه الفترة. ولكنني باختصار أحيلك مرة أخرى إلى المقارنة الأدبية، إلى حكاية الكاتب " جيمس جويس " مع حبيبته " نورا "؛ شكوكه حيالَ علاقتها الغرامية السابقة، وكانت سبباً في عذابهما كليهما!
بمناسبة الحديث عن الأعمال، أتطرق إلى أخبار صديقنا " عبد "، هذا مع إدراكي عدم ارتياحك لذكره. أعانني الرجل في بدء مشروعي، بأن عرّفني على شخص مهم شغل قبل تقاعده وظيفة كبيرة ضمن سلك البوليس. هكذا علاقة في دول العالم الثالث، مثلما ربما تعلمين، لها أهمية قصوى لأيّ مستثمر أجنبيّ. الخلاصة، أننا شكلنا ثلاثياً في دائرة من المصلحة المشتركة. ذلك الشخص، وكان معروفاً بأنه مرتشٍ وفاسد من الطراز الأول، يسهل تطويعه جداً بوساطة الشراب والنساء حدّ أن يزحف بين قدميّ المرء كقطٍ منزليّ. بيْدَ أنه عادةً يدع السذاجةَ جانباً، ليعود إلى صفة " سعادة الجنرال "، المُعرَّف بها. ولن يسلوَ تذكير مخاطبه، من خلال أسنان صناعية وضحكات مدروسة مقتضبة، بأنه كانَ في زمنه خبيراً بمجال الأمن الداخلي علاوة على كونه قاهر جواسيس الغرب والجزائر! لقد كشّر لي سعادته عن أنيابه في الأسبوع المنصرم، ولو أن حديثه كان موارباً: إذ ارتكبتُ خطأ جسيماً، آنَ نسياني نصيحتكِ بعدم إيلاء " عبد " ثقة زائدة. لقد اعتمدتُ على مساعدة هذا الأخير في أمر الاتصال بأبرز حزب يساريّ مغربيّ، وذلك من أجل محاولة دفعه للتضامن مع قضية زعيمنا المحاصر في روما. وحتى اللحظة لستُ متيقناً، ما إذا كانَ صديقنا قد وقعَ في فخ أجهزة الأمن أم أنه بنفسه جرّني إلى مقابلة أحد عناصرهم بزعم أنه قائد بارز في الحزب؟ حالياً أنا ملتزمٌ الصمتَ حيال " عبد "، مكتفياً بإسكات فم الجنرال، الجشع. ولكن صمتي لن يطول، وسأقوم باستجواب صديقنا في وقت مناسب.
من هذا الباب، أدخل أخيراً إلى موضوعٍ هام متمنياً أخذه بنفس الأهمية.
إنّ قضية زعيمنا تشغل الآنَ الرأي العام العالميّ، ومن الممكن حشد المزيد من الدعم ما لو تدخلت دولة مثل السويد، تحظى بالاحترام سياستُها المؤيدة للشعوب المغلوبة على أمرها. فأتمنى منكِ بذل الجهد في هذا الإطار، عن طريق الاتصال بمعارف من الأحزاب المؤثرة بغية دفعهم إلى حث برلمانييهم المتعاطفين مع القضية الكردية إلى القيام بزيارة تضامنية للزعيم في روما. ولا أخفي عنكِ أنني التقيت معه هنالك مرةً، قبل نحو ثلاثة أسابيع. بطبيعة الحال، إنّ رفاق التنظيم لديهم حضور قوي على الساحة الأوروبية بما فيها السويد. ووفق ما فهمته منهم، أنّ دعوة منتظرة قد تصل زعيمنا قريباً من القائد الليبيّ للحلول في ضيافته وتحت حمايته. ولعلني أكون منوطاً بمهمة في هذا الشأن، من يدري؟
أنتظر منك جواباً على خطابي، كي أكتب لك المزيد في رسائل قادمة.
ودمتِ لصديق الأيام الجميلة، المراكشية!

> مستهل الجزء الثاني/ الفصل السادس، من رواية " الصراطُ متساقطاً "









اخر الافلام

.. الرئيس الأميركي غير راض عن الرواية السعودية


.. محمد بندق عاشق للسينما ويعرض أفلامها القديمة -ببلاش-


.. ما وراء الخبر- ما وجاهة الرواية السعودية الجديدة بشأن خاشقجي




.. ترمب يدعم الرواية السعودية بشأن مقتل خاشقجي


.. مجريات قضية خاشقجي تتعارض مع الرواية السعودية