الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل السادس 2

دلور ميقري

2018 / 10 / 3
الادب والفن


عشية الاحتفال بالعام الجديد، دهمه إحساسٌ غامضٌ بأنه سيكون عامَهُ الأخير في مراكش. وكانَ أن تذكّرَ طفولته، وكيفَ كان يتداولُ مع أولاد الزقاق نبوءةَ نهاية العالم في العام ألفين. كانوا إذاك يرسلون أنظارهم نحوَ السماء بصورة تلقائية، ما دامت مصدرَ كل خير وشرّ يحيق بالعالم، حَسَب ما لُقِّنوه من لدُن الكبار. ولكنهم لا يبصرون عندئذٍ سوى ندفَ السُحُبِ، المتعانقة مع اليمام في قرانٍ ناصع ـ كما حالُ عروسَيْن، مجللين بأبيض الثياب والأزهار.
وإذاً ما يزال أمامه عامٌ كامل للحياة، ما لو صحَّ هاجسه أو نبوءة الطفولة. الحق أنه باتَ وهوَ لا يكاد يرى معنىً لحياته بعيداً عن المدينة الحمراء، عما ألفه من ناسها ومناظرها وروائحها وأصواتها. بل إنه يشعر أحياناً بامتلاكه أجنحة أحد هذه الطيور، المحلقة تحت شمسٍ خالدة، والتي ربما تكون قد وصلت تواً من الشمال الأوروبيّ في رحلتها الشتوية.. يحلق بخفة، مخترقاً بعينيه الحادتين حُجُبَ البيوت الفقيرة، المحبوسة رغبات أصحابها بين الجدران السميكة جنباً لجنب مع صرخات الخصام والآلام والرغبة والشبق.. يحلق فوق الرياضات، المملوكة عادةً من قبل محدثي نعمة ( ومنهم أجانب مثله! ) يسهرون على راحة السيّاح ونزواتهم الأكثر خسّة وغرابة.. يحلق فوق المنارات، المتعالي منها الذكرُ العظيم، المبشر بالرحمة لخطايا ورزايا البشر.. فوق النخيل، المنكس رؤوسه إلى أسفل، أين فتيات الشارع ذي الاسم الملكيّ، المتناثرات على المقاعد العريضة أو حواف الحدائق والعرصات.
وبينما يسيرُ " سيامند " بدَوره تحت أشعة الشمس، ذارعاً الشارعَ باتجاه ساحة السحر والأعاجيب، راحَ يستحضرُ بعضَ كلمات رسالة للسيّدة السويدية بعثها مذ بعض الوقت. كان على هاجس الريبة أن يطفو فوق سطح ذهنه، المتزاحمة فيه شتى الأفكار: ما يدريه أنّ البريدَ ليسَ مراقباً، وبالأخص مراسلات الأجانب، وأنهم لا يمعنون الآنَ النظرَ في أسطر خطابه وفيه ما فيه من تجاوزات على الوضع الداخليّ علاوة على قضية الزعيم، المتّهم بالإرهاب؟
مع هكذا مزاج متكدَر، دخلَ كافيه دو فرانس عبرَ بابه الجانبيّ، المفضي سلّمه المُحلزن إلى الترّاس. هنالك كانت " غزلان " جالسةً بابتسامتها المضيئة، والتي ما لبثت أن اضمحلت مع معاينتها هيئة الصديق القادم. أخذ مكانه في مقابلها خلف الطاولة الضيّقة، وأخذ يتسلى بمراقبة الروّاد من وراء سواد نظارته الشمسية. لم يعُد في حاجةٍ لأجنحة، فيما تمر أمام عينيه الصورُ والحركات والأصوات. أنتبهَ خصوصاً لمشهد امرأة أوروبية، تخفي تجاعيدَ وجهها تحت طبقة من المساحيق كي تبدو ملائمة للشاب المغربيّ الأسمر، الممسك بيدها في حركة حنان لا يُجيدها سوى طفل في حضرة الأم.
" بودي لو أرسمهما على هذه الوضعية، المضحكة "، قالت عشيقته تومئ بنظرة مواربة إلى ذلك المشهد. ثم أضافت، مثبتة عينيها بعينيه " ولكنني سأدعُ عنوانَ اللوحة على عاتقك، بما أنك تملك موهبة الكتابة مثلما سمعتُ مؤخراً من سكرتيرتك". أحنى رأسَه الأشقر، المتخللة فيه خيوط الشيب، وبقيَ برهةً يتفحّصُ حذاءه الشتويّ الأسْوَق. عادت تقول له، وقد سطعت ابتسامتها أيضاً: " ما رأيك بعنوان: الحلم المغربيّ! ". وإذ رفعَ رأسه ليحدج هيئتها بنظرة ملية، فإنها أستدركت في شيء من التلعثم: " أليست تسمية مناسبة، حقاً؟ بأيّ حال من الأحوال، إنها مجرد اقتراح! ". كانت تتكلم، وكأنما لوحتها منجزة وهيَ على حيرة بشأن عنوانها. ولعل ذلك منحَ " سيامند " مزيداً من التبرير للنظر بريبة في سحنة المرأة الطائشة، بحثاً عن ملمح سخرية.
" ألا يُمكنك تغييرَ أسلوبكِ، على الأقل كرمى لحضوري بعد إلحاح منك؟ "، نفخَ أخيراً كلمته في سحنتها. حلّ الصمتُ على الأثر، وما عتمت الأصواتُ أن سُمعت بوضوح أكثر في أذنيّ الشاب، المنكمش في مقعده تحفّظاً وسخطاً. حتى أصوات الباعة الجوالين، المارين حَذاء المقهى، صارت تتناهى إلى سمعه. في الأثناء، كان يتطلع كل فينةٍ إلى مدخل الترّاس. كان يفعل ذلك بانتباه وترقب، مما لفتَ نظرَ جلّيسته. قالت له في حذر، مستفهمة: " هل تنتظر أحداً؟ "
" لا، بل كنتُ أنتظرُ جواباً على سؤالي "
" آه، كان سؤالاً إذن لا مجرد وجهة نظر معتادة؟ "
" برافو! ها أنتِ قد حزرتِ! "
" سأجيبكَ، كما ترغب. إنني ألحظ سلوكك معي بعد عودتك من أوروبا، وقبلها بالطبع "، قالتها في نبرة يشوبها رنّة الغضب. ثم استطردت بصوتٍ صار يميل إلى التهدج: " أيّ كلمة مني أضحت مثيرة لشكوكك وباعثة على الخصام، وكأني بك ترغبُ في تحطيم كلّ ذكرى طيبة بيننا ما لو افترقنا.. افترقنا نهائياً وبموجب رغبتك أنتَ. أعرفُ يقيناً، أنّ حضورك ليسَ كرمى لشيء آخر غير الحصول على معلومات ما تهمّك. فالأجدى أن نتكلم بلا مداورة، وأن ندخل رأساً فيما يهم ". على الرغم من انزعاجه في كلّ مرةٍ تنجح فيها بقراءة أفكاره، إلا أنّ باطنه أرتاح لفكرة تسليمها بأمر القطيعة.
ما لن يتوقعه قط، أنّ العشيقة " المسلمة بأمر القطيعة " ستقتحمُ ليلاً حُرمةَ منزله لتقلب حفلة رأس السنة إلى فضيحة داوية.







اخر الافلام

.. تعرف على رضا فضل.. فنان يرسم بفمه وقدميه


.. الشروق| «البروفة».. المسرحية الثانية لفريق 1980 وانت طالع عل


.. هذه الأداة وراء أصوات أفلام الرعب المفضلة لديك




.. روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه


.. أفلام بدقيقة واحدة عن حقوق الإنسان في مهرجان -موبايل فيلم في