الحوار المتمدن - موبايل



الشبح (3)

إبراهيم الوراق

2018 / 10 / 4
سيرة ذاتية


الشبح
(3)
يتبع
فلا غرابة، ونحن نعود إلى أصل التمييز بين المراتب الحكمية، إذا كانت الخمرة لعنة في حكم البقاء، ثم صارت بعدم معرفة مقامها نسمةً في حكم الفناء، لأن ما تغيبه من عقل المحصور بين أفياء الديار، وأمداء الأغوار، وما تقيده من إراداته في التوهان بين مسام الأماكن المهدورة، والأماني المقهورة، ليس هو ما تضخه في روح اللامحدود، وذات اللامقيد، وما تبثه فيه من عشق اللاستقرار، والشوق إلى التمكن من تنسم عطر الكون، وطيبه الفائح من شجرة الطبيعة، إذ ما تحدثه من سكر، وتخدير، ليس هو وجه الطلب في الحكم المطلق، ولا علته عند النهل من معين المعاني التالدة، لأن تطلاب ذلك بالقصدية الحادة، لا يتأتى إلا لمن انفتل على عقله وهمُ الخلاص من آصار الجسد، وانثنى على صدره حلم الفداء من عذاب الذات، والتوى على عنقه أمل النجاة من احتراق زمن العمر بنيران العناء، فظن أن آلامه ستزاح عنه بغياب مادة العقل المعذَّب بسريان أفكاره بلا انحصار، وجريان أقداره إلى ما ينكأ جرح الأحزان الغائرة، والأوجاع الكاسرة، والأوضاع الحائرة، وسواء من طالبها فيما يستمده من خارجه، لكي يحس بانتشاء في عمه ذاته، وعته فكره، أو من يكبح جماح شرته، لكي يتزن نزق الخرق في كيانه، وتستوي شرة الشره في لذاته، فهما يطلبان معنى واحدا، وإن اختلفت النيات، واتحدت الغايات، لأن نتيجة ذلك، هو عودة هاجس الهدوء إلى الجسد، وإحساسه بالسكينة، والطمأنينة، إذ لحظة عجزه عن بلوغ مرحلة تجاوز ألمه، وحصوله على أمله، تحمل معنى لاعقله، أو حقيقة رغبته في إلهه المطلق الذي يتصف بالقوة على إنجاز ما هو غير مقدور عليه، ولا محمول لطاقته، بينما تعبر لحظة قدرته على الفعل والترك عن حدة عقله، وشدة التزامه بسلطته، والاحتماء بقوته، لأنه لا يلتجئ إلى اللامحدود، ولا ينجر إليه في تكوينه العقدي، إلا عند الشعور بقصور إرادته عن اختياره، ولا تستعاد صورته في الذهن، على اعتبارها فاعلة لما لا يستطاع فعله، إلا عند الافتقار إلى شيء خارجي، يمنح الكيان ما فقده من استقرار، واستمرار.
وإذا كان المتدين يطلب اللاعقل عند العجز على الفعل المطلوب برغبة حادة، فإنه إلى جانب ذلك، يطلب لازم التخدير بمقتضى ظاهره، ويبحث عنه في مخاض غيره، ويفتش عنه فيما يهتدي إليه من طقوس، وأشجار، وأحجار، وقبور، وأشباح، وتمائم، وعقد، وودع، لكي ينال به وقاية في الدنيا، ويعلو به مرتبة في خلد الآخرة، إذ غيره يطلبه بجهده المتدفق منه بإذعان، ويرغب فيه بكبده النازف منه بإمعان، لئلا يهيم على وجهه بين الفواجع الأليمة، ويتوه عن لحظات كتبتها براءة طفولته في كراس أحلامه الوردية، ونقشتها على لوحة تصوراته لمفهوم السعادة، واللذة، والمتعة. فهما متساويان فيما يحصل للذات من تحقق بالمراد، وتمكن بالمبتغى، وتجمعٍ على الحظوظ التي ارتبط بها الأمل في صفاء الحيوات، ونقاء الساعات، وبقاء المسرات، لأن كل واحد منهما وصل إلى شيء كامن في جسده الذي قدس دمه، وحماه بالوفاء لكل رغباته المادية، والمعنوية، وغار عليه بكل ملكات قوته، وطاقات بطشه، لئلا يمس بسوء، أو يهان بأذى. لكن ما يميز بينهما في الاعتبار، ويفرق بينهما في مقتضى الأنظار، أن مورد التحقق، وإن تساوى ذلك في القياس العقلي، والإدراك الجواني، هو مختلف الوجهة، ومتنوع المسلك، ومتفرع إلى شعاب كثيرة، تخوضها الذات بما انحصر في غورها من مقومات جادت بها الطبيعة في الخليقة، لأن شارب الخمرة للاهتداء إلى مهجور الأماكن، ومجهول العوالم، والاسترشاد إلى ما فيها من صوت ساكن، ولون كامن، ليس كمن هجر ضجر عقله، وجلبة ذاته، لكي يغيب عن صخبها بسهومه، ويستتر عن غلوها بخموده، إذ ذلك لم يخرج عن دائرة الجسد، ولم يتجاوز قفصه، ولم يرتحل عن اختلاط أصواته، واختلال أوزانه، وإن توهم أنه فاصل مجراها، وباين مسراها، وانفتح على عوالم لاعقله، ولاوعيه .
وهكذا نخلص فيما ذكرناه إلى معنين اثنين:
الأول: أن عقيدة الاستقرار التي أخذت بها كل التشكلات الساعية إلى النظام، والتنظيم، (أي العقيدة، والدولة) تحُد من فاعلية الإنسان الكونية، وتكفه عن التمازج مع نواميس الطبيعة، والتفاعل معها في صيانة المعاني الخالدة، وتحصره في متاهات الجسد، وعوالمه المتصارعة، وتقيده بما توحي به رغباته وشهواته اللامتناهية، إذ النزول عن مرتبة الذات التي ولدت نقية في سماء الحقيقة، والهبوط إلى الجسد الذي تولد من طين المعرفة، هو الارتحال من اللامحدود (الذات ومدارها الماهوي) إلى اللامتناهي (الجسد ورغباته)، لأن الذات مرتبطة بالماهية، والجسد مرتبط بالحقيقة، لثبوتها في الخارج. وكلاهما غير محدود إلا بتعقل معناه، لأن الماهية لا حدود لها في الخارج، بينما الحقيقة يمكن أن تتحدد بكونها هوية، على اعتبار تميزها عن الغيرية. ولذا تكون الذات جوهرا، أو كلية معنوية، تشمل كل ما في الجسد من هيولي وصورة الأفكار، والعواطف، والمشاعر، والرغبات، والقصود، بينما الجسد يتضمن كلية مكوناته من جسم، ونفس، وعقل. وهو مرتبط في مادته بالطين، ومتغير بتغير الوارد عليه، ومتبدل بتبدل أحواله، وأعراضه.
وهذا التغير، ولو وجدت له نهاية في الطبيعة، وهي فناء الجسم، فإنه غير متناه في ذاته، بل تناهيه من عارض يطرأ عليه، فيغير وصفه، والحكم عليه. واقتضى هذا أن يكون النزول من عالم الذات إلى عالم الجسد نزولا من اللامحدود إلى اللامحدود، على اعتبار كل واحد منهما في المعنى غير مقيد في كلية الوجود، إذ فناء مادة الجسد، لا يعني فناء معنى الذات، لأنه (أي معنى الأخيرة) ينتقل من جرم إلى جرم آخر، لكي يستكمل مسيرته في الصفاء، فيخلص في جوهره، ويصفو حاله في الطبيعة، ويعود كما كان في أول ملامسته للكون، والوجود. وقد توهم بعض حين رأى سباحة الجسد في نهر مشتهاه كسباحة الذات في بحر مبتغاها، إذ اللامتناهي، هو الجزئي من حيث الماهية (أي مطلق الشهوات صعودا، ونزولا، لأن شهوة الخروج عن الجسد إلى الذات في الرغبة العليا كشهوة الخروج من الذات إلى الجسد في الرغبة الدنيا، على اعتبار المدلول الماهوي) واللامحدود هو الكلي الجامع للماهيات (أي الذات حين تنفصل عن لاعج الطين، فتصير منسلخة عن الأرض، ومرتحلة في عالم المعاني الكونية الكلية). وما دام قصر اللامحدود على حد يضبطه معتذرا، فكذلك الجزئي، فهو غير متناه في ذاته، وفي أعراضه الخارجية، لاتصال بين الصورة المثالية، والصورة الواقعية، وانعدام وجود إحداهما من دون وجود الأخرى. فالفرق بينهما كبير، إلا أن ما يمكن أن يحدث به وجه من أوجه التشابه، هو كون اللامتناهي يشبه اللامحدود بقرينة توارده، وتعاقبه، وتكاثره، وتفشيه، ولا يمكن استيعابه، ولا درك ما يأتي منه في كل زمان، ومكان.
ولذا، فإن النزول عن مرتبة الذات إلى مرتبة الجسد، هو انتقال من اللامحدود إلى اللامتناهي، إذ الجسد لا تقوم معناه حقيقة في الطبيعة إلا بتجسده، وتجسمه في جسم، وهو أعم، وإن رأى بعض اللغويين كأبي علي القالي أن الجسم أعم من الجسد، وعللوا ذلك بأن الجسد لا يقال لغير جسد الإنسان، وفي ذلك نظر، لأن الجسد يطلق على المتحرك الذي لحركته محرك، ودافع، ورغبة، وغاية. وهذا هو عين الاعتبار في تقديمه على الجسم الذي يطلق على الجامد، والمتحرك. وما دمنا نقابل بين الذات، والجسد، فإننا لا نستبعد مماثلة الجسم له في الدلالة، ولو مع تضمنه لما عدوه جامدا، لتعذر وجود شيء بلا روح تخصه في مرتبته. وإلا، فإن الفاني لا عين له، ولا أثر، لأنه زوال، وانتهاء. واقتضى ذلك أن نقول: إن الجسد له ماهية مادية تحدده في الطبيعة، بينما الذات لا وجود لها إلا في الماهية المعنوية، وهي الروح في الأديان، أو الإنسان الكامل، أو الذات المطلقة في الحكمة، أي الملامسة لتاريخ البشر، والمتصفة بكل صفاتها الإنسانية النوعية، إذ هي مطلق من جهة كونها مجردة عن مكوناتها البيولوجية، والفيزيائية، ومرتبطة بسياق وجودها في عالم الوحدة، أو المثال كما عند أفلاطون، وهي كلية من جهة كونها جامعة لما يحتويه الجسد المحسوس مادة، وجرما، وحيزا، ويضمه من مركبات، ومكونات، ومقومات.
وعلى هذا تكون الذات عند من يطلب الاستقرار بمعنى التقري (أي الانتقال من بلد إلى بلد) نسمة من نسمات الوجود، ونفحة سارية في الكون كله، وتكون عند طالب الاستقرار بمعنى التوطن (الاستيطان) جسدا لا حياة له إلا بما ينتجعه في موطنه من أسباب العيش، والرياش، إذ جهد الأول تابع لما يقابله في ذاته من أحوال سيره، ومنازل توقفه، ومراحل ترحله، ومناطق تعرجه من مقام إلى مقام، وجهد الثاني متصل بالحوزة، والحيازة، والاقتناء، والتملك، ومتعلق بما يكد فيه من أعمال، ويكابده من أفعال، ويلازمه من آمال، ويعانقه من أنسام تهب عليه من جهات أبعاده، وأنحائه، فتحقق له أحلام البناء، وأماني البقاء. فهو على هذا لا يخرج عن دائرة رغبات جسده، وشهواته المحصورة في الأرض، ولو اعتقد أنه لا يحصل له كمالها إلا بامتزاج عجينة طينها بخمرة روحها، لأن مفهوم الامتزاج له مقام آخر، لم يدركه الراهب حين جعل الدين معنيين:
أحدهما: النظام، وهو مجموع العناصر التي تشكل السقف المعرفي المتضمن لتفسير الخفي اللامرئي (الإلهيات)، وتجميعِ كليات التدبير، وغايات التسيير (القوانين)، من أجل تحقيق هدف معين، وهو ظهور الدائرة العقدية، والتشريعية، وبقاء فاعليتها في التدبير، والتسيير.
ثانيهما: التنظيم، وهو ما تقوم به صورة العقائد الذهنية والكليات العقلية من إجراء وتفعيل للذوات في سبيل الحفاظ على حقيقة الإله الجامع لكل أوصاف الفعل المطلق، على اعتباره ضابطا لكل المركبات المتفاعلة في الحياة، إذ هو الذي استمدت منه شرائع الحياة، ونظمها، وضوابط قوانينها، وأنساقها الثقافية، والاجتماعية، وهو الأوحد الذي لا اعتراض على ما يقرره من قول، أو فعل.
وهكذا، فإن الصورة الجامعة لتلك التصورات، والأفكار، والآراء، والمواقف، هي التي أطلق عليها الدين. وذلك الإطار النظري، هو الذي أطلق عليه نظام العقيدة. وذلك الإنجاز العملي، هو الذي أطلق عليه الشريعة. ومجموع تلك الفروع، العقائد، والشرائع، والأخلاق، قد تطور، وتغير، وتبدل حال موقعه، فاستحالت العقيدة أساس البناء، وتمامه، لأنها تعبر عن الإيديولوجية التي تلتف الحشود حولها، وتلتئم في مركب جمعي، تحدده مظاهر خاصة في الإلزام، والالتزام، بل غدت هي الدين، وما عداها تابع لها، وواقع تحت نظرها، لأنها تعني الجنس في باب النوع، والعام في باب الخاص، على اعتبار ما وصلت إليه الأديان التوحيدية نسخة واحدة في التشكل، والتمثل،(الإله، الملة، الأمة...) وتابثة، لا تعدد في ذاتها، ولو تنوعت أعراضها المتقابلة مع المتغير في عالم البشرية.
وعلى هذا، تكون العقيدة سببا للبقاء والفناء، وعلة في استحقاق الحياة، أو الموت، إذ صارت لونا من الألوان، يلبسه الإنسان، ويتصف بصفاته، ويلتزم بكل ملامحه الظاهرية، ويستسلم لكل أوامره، ونواهيه. وإذا خالفه، يطرد من دائرة الجماعة المتآلفة على موقف فكري، هو احتمال من الاحتمالات، وافتراض من الافتراضات، والمتواطئة على سياق جماعي، له ثوابته، وخصوصياته، ويهدر دمه، ويصير حلانا، إرضاء للإله الذي حاد عنه، وارتد عن دينه، لأن مفهوم الحيدة، والردة، لا تعني سوى الخروج عن نسق فكري، ونمط اجتماعي، يعتمد على نظرية معينة في تفسير اللاماوراء، ومنظومة لغوية تؤول الألفاظ التي نطقت بها الطبيعة، وكتبها الكون، وجمعها الوجود في كتابه المقدس، إذ هذه المحاولة في فرض العقدي على كل معنى كوني، وبشري، التبست بإكراه الزمان، والمكان، وتناقض الرغبات، والنيات، وتعاند المصالح في الغايات، والنهايات، ثم استحالت مع تطور الأديان، وخروجها من دائرة الكوني اللامجسد، واللامحدد، إلى عقدة في الإنسان، وحيرة، وكآبة، أنتجت في علاقاته مع ذاته ومع غيره حرجا كبيرا، كان له أثر في بناء السلم العالمي، لاسيما حين صارت العقيدة سببا في إيقاد فتيل الحروب، وإجبار الناس على الفقر، والمرض، والألم النفسي، والعقلي.
الثاني: أن خلاص الذات، يجعلنا نمزج بين المادي والمعنوي في مركب متهافت، ومترنح بين الصفاء، والعناء، إذ نجاتها، وحمايتها، ووقايتها، إما أن يكون لرغبة عدم تأليمها بما يمكن تلافيه من عوائق سعادتها، ولو لم تحمل معنى مقدسا تبثه في سماء المكارم، والفضائل، وإما لرغبة في ذلك الألم، لكي تشقى بسواد تعاستها، وتتعب بظلمة سآمتها، فتنال بذلك بياض النقاء، ونور الصفاء، وتحصل على لحظة التصالح بين بعيدها المادي، والمعنوي، وتكسب مناعة لمواجهة إغراء الخارج، وإكراهه بما يدهم الكيان من نزوات الجسد، وحضارته الفاتنة، لأن هذه النهاية مطلوبة في بناء سياق الذات، وتفاعلها مع محيطها الذي يفرض عليها تبعات على المستوى النظري، والعملي، ومرغوبة في كسب صفة الانتماء إلى إيديولوجية عقدية، والانتساب إلى مكوناتها التشريعية، والأخلاقية، وبها جرى العرف في صورة الراهب، والمتعبد، إذ هي تجاوز للبشري إلى الإلهي، وانتقال من الجسدي إلى الكوني. لكن ذلك لم يكن إلا توهما غارقا في سبات الفكر، ومعلوليته، لا تمحضا في القدرة على الفرق بينهما بلا تصارع، ولا تنازع، إذ لو كان هذا المكسب مقاما ثابتا، ومستقرا، لا تعتريه علل الجسد، وأوضار غرائزه، وأوجاع نزواته، لما خاف الراهب من شبح الشيطان، وهاب أن يأتيه في فتنة امرأة، أو صفقة تجارة، أو سهوة لحظة، أو غفلة خشية، لأن ما وجد في الأزل متغيرا، وهو صفته الذاتية، وكانت حركة مركبه قائمة بنظام الكون، لا يمكن فصله عن أصله، ولا قطعه عن فعله، بل يعرف لكل واحد من أفراده حده، ومظهر وجوده، فيأتي الفعل المادي خالصا من ذاته، لا تشوبه شائبة خوف من مفاجأة، أو من منتظر يأتي على حين غرة. وينزل الحكم الروحي على مكانه، لا تعتريه نقائص الجسد، ونوازل قفصه، وهو ما تخلص من آثار المادة، وصار صرفا في المعنى، ومحضا في اتصاله بعالمه الكوني.
ولذا، فإن الأول الذي فر من زحف الألم، قد توهم البشرية في الإله، وإن ظن الدين محققا لذلك، ومدبرا له بالتكليف بما في حدود الطاقة، لأنه يستبطن ضرورة وجود الإنسان، لكي تجري سنن العقل في مجرى النواميس، والقوانين؛ أي أن الكون ما وجد إلا لهذا الإنسان الذي يجسد في الأرض صورة الإله السماوي، وينوب عنه في سريان الفعل المطلق (الإنسان سيد الطبيعة كما عند ديكارت). وعلى هذا الاعتبار، انفصلت السماء عن الأرض، وتجزأ الكون في الاعتبار الذهني، وصار الفوق دالا على الصفاء، والتحت دالا على العناء، وأجبر العقل في تصوره لهذه المفاصلة على أن يعيش التناقض بين بعديه الجواني، والبراني، ثم تناءى عن بؤرة الوجود، وما فاضت به من تعدد في أجناس الخلق، وتنوع في أنواعه، واختلاف في أفراده، إذ ليس الإنسان فيه إلا دويبة صغيرة، لا قيمة لها لو لم توجد في نظام الطبيعة. والثاني الذي أجفل ببعيره في نهر الألم، لكي يقطعه إلى شط الأمان، وإن زعم أن ذلك هو ما يقوم بتخليص الجسد لقيادة الروح الخالدة، ليتعالى على بشريته، ويتوارى عن حجبها الكثيفة، فإن ما يقوم به من تأثيم الذات، وتحميلها ما لا يطاق من الفعل الدال على اعتلال في فكرة الذات، واختلال في مقاييس الخلاص، ليس إلا تصورا مرتبكا للعلاقة مع الإله المطلق، ومع كونه المفتوح الآفاق، ومع دلالات فعله على الوحدة، لأن تشبيح الإله، (أي شبحيته) وتضييق مساحات الفعل الكوني، وتأزيم العلاقة بين الثابت، والمتغير، وتفعيل بؤر الصراع بين الإنسان، وذاته، وخلق مساحات شاسعة للشبح في الإدراك العقلي، والذوقي، ما زالت قائمة في كيانه المحترق بأسر الجسد، وشوق الوجدان، وعشق الروح، وهي مرحلة أولى من تعقل المتعبد لمعاني جسده، وتحديد معالم النفس، والعقل، والقلب، والروح، والماهية، والكنه، والهوية، والجوهر، والذات، إذ الجسد مادة الذات، ومقومها الأساس، على اعتبارها الكلية الجامعة لما دونها من المراتب، ولا يمكن تحقيق فاعلية كنه هويتها الخارجية إلا بمصالحة الجسد مع مكوناته، ومرافقتها، ومعانقتها، ومضاجعتها، لكي تحصل لحظة المزج التي يحلق منها الإنسان إلى فضاء الكوني، فينهي صلته بعالم الأشباح، ويقيمها في عالم الأرواح، ويكون بذلك ذاتا معنوية، لها صورتها الكونية، وصوتها في الطبيعة، وهي قائمة فيه بالأبدية، لأن استحضار الشبح، وسواء في تصور الإله، أو في تصور الجسد، أو في تصور الذات، أو في تصور الكون، أو في تصور الخلاص، لن يحقق السير المتصاعد إلى عالم المثل، والفضائل، والكمالات البشرية، بل يعيق خوفَه أمن الكينونة، وسلام الصيرورة. وذلك مربك للفعل الخاص، والعام، ومضر بالثقافة، والحضارة، ومدمر للعلاقات الإنسانية، والكونية، لأنه يقوم بتجزئة الموحد، وتقسيمه، وتفكيكه، وتفتيته، وتدميره، وهو وحدة متكاملة، يحكمها منطق الجلاء.
ومن هنا، كانت أسمى مقامات الإشراقيين، وأعلاها وجاهة في التقدير العقلي، هو أن يكون اللاستقرار انطلاقا نحو المعنى الخالد، وانزياحا، وانسيابا مع نفحات الكون، وإشراقاته الهاطلة بأمطار الحياة، والآمال الراقية. لكن، وإن تم ذلك في السير نحو كلية الوجود، فإنه لم يحصل إلا مع حضور الذات في الماهية، ووجودها في الوجود، وقيامها بالفعل ااانسيابي (الكوني) الذي لا يعرف الحدود، ولا الرسوم، لأن ما يحكمها في التكليف، هو مطلق الصلاح، والفساد، لا منطقه الذي دبره العقل، فاستحال خادما للقرية، والقبيلة، والنظام الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، إذ كل هذه المكونات التي نشأ منها مفهوم الدولة في الفكر الحديث، وهي مركب جمعي، له سقفه الفلسفي، والثقافي، وسياقه النفسي، والاجتماعي، لا يقصد إلا تحقيق الاستقرار، والاستمرار، وهما متناقضان من حيث البنية، ومن حيث الغاية، لأن مفهوم الاستقرار بالمعنى الخاص، هو ما ينجز العقد الاجتماعي، ويؤصله، ويؤثثه، وبالمعنى العام، هو ما يقوم بدور رعاية البيئة التي هي مهد المجتمع، ومكونه الزماني، والمكاني، (وإن كنا نرى الزمان والمكان مفهومين لا ماهية لها إلا في الذهن) وحياطة مواردها التي تنتج الرخاء في العيش، واليسر في موارد الكسب (اختلاف الطبيعة عن البيئة كما سيأتي). لكن اللاستقرار، لا يعني موت الإنسان، ولا نهايته، ولا زواله، بل يعني أن لا يحده نظام محدود الأفق في الحركة الذاتية، ومقيد بفاعلية الاقتصاد في تحقيق معنى الكسب الذي هو ضرورة بيولوجية للإنسان، ومنضبط بآليات لا يكون فيها الفعل إلا فعلا جماعيا، وواقعا منفعلا مع ما يسير تحت ضغط التنظيم من نظم البيئة، وقوانينها الصلدة. وعلى هذا، فإن عقيدة اللاستقرار، هي الانطلاقة التي يعيشها الحكماء، والفلاسفة، والأدباء، والشعراء، والفنانون، والصوفيون، والمتغربون، والمهجريون، وغيرهم ممن جعل الكون مسرحا للفعل الحر، والطبيعة مرفأ لكل ما يتحقق فينا، أو ما لم يتحقق، ولم نصل إلى حقيقة لغته، وتعبيره البديع عن الجمال، والكمال.
وبناء على ما سبق، لم يطلب اللاعقل في دائرة اللامحدود لوأد العقل الطبعي، بل يطلب للغيبوبة عن الحس المرتبط بالطين؛ وهو الدم في تراث الأديان، والخمرة في الحس المشترك بين الناس، لكي تتلاقح المعاني في بؤرة الجمع، وتتحد في بحر الوحدة، حيث لا شاهد، ولا مشهود، إذ الغياب لداعي الحضور، ليس هو الحضور لداعي الغياب، إذ الأول حضوره غياب، والآخر غيابه حضور، وكلاهما له معنى في رسوم الحكمة. لكن أخطأ من فسر أقوال العرفاء، وزعم أن الصوفي في نهايات اتصاله بالروح الكونية، يعيش بين هاتين المرتبتين. واختلط عليه الفهم بين الغياب، والغيبوبة، وقال: إن الصوفي يطلب الغياب للحضور، فأعطى مرتبة الطين والدم لروح الذات الكلية، ونسي أن الصوفي في مرتبة الخمرة، لا يعيش الغياب، لأنه حاضر حيث هو حاضر، وغائب حيث هو غائب، إذ لا انفصام للذات في كليته، ولا انقطاع لزمنها في دائرته، بل هو (الزمن) محض وهم لا حقيقة له، لكي يعيش المعنيين، ويحيى بين ما ينز عنهما من عطايا ثمينة، وسجايا جميلة. وهو يدرك أن بينهما بونا شاسعا، وفصلا قاطعا، لا يتيه أحد في مداه السحيق، إلا وذهل مما يرد عليه فواجع غضة بالنقيض، والضد، والغيرية، لأن الغياب عدم، والحضور وجود، وهو عين الجمع مع ناموس الكون، وقانونه، والاتحاد مع روح الوجود، والتمازج بين مثاله وظله في نبع الفيض الذي نزف منه النور إلى صدور العوالم كلها.







اخر الافلام

.. سعداوي: إشادة بالجهود الإماراتية لإحلال السلام في العالم


.. عبد الهادي: المصالحة الأفغانية دليل على متانة علاقات الإمارا


.. البث المباشر لسكاي نيوز عربية




.. النوايسة: جهود مشتركة من الإمارات والسعودية لإنهاء الصراع ال


.. سوريا.. الدول الضامنة والحلول الوسط