الحوار المتمدن - موبايل



منظمة -إلى الأمام-: حول الخط الإستراتيجي، الإيديولوجي، السياسي والتنظيمي محاولة تركيبية (الحلقة الأولى)

موقع 30 عشت

2018 / 10 / 6
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


كما سبق الإعلان عن ذلك سابقا، يشرع موقع "30 غشت" في نشر أولى الحلقات من مقالة تحمل عنوان: "منظمة "إلى الأمام": حول الخط الإستراتيجي، الإيديولوجي، السياسي والتنظيمي ــ محاولة تركيبية" بقلم: عسو أمزيان.
وتضم الحلقة الأولى، المحاور التالية:
المرحلة الأولى: من التأسيس 1970 إلى الانفجار السياسي ـــ التنظيمي، وانطلاق "إعادة البناء" التحريفي 1979 / 1980
تقديم
الجزء الأول: طور التأسيس والنقد والتعميق: 1970 ــ 1974
1 ـــ طور التأسيس
1 ــ 1 ــ في الملامح الأساسية للسياق العام لنشوء المنظمة الماركسية اللينينية المغربية "إلى الأمام" وتبلور أطروحتها التأسيسية.
1 ــ 2 ــ الأطروحة التأسيسية ـــ 1970 ـــ
2 ــ على طريق بناء استراتيجية الثورة واستراتيجية التنظيم
 
المرحلة الاولى:
من التأسيس 1970 إلى الانفجار السياسي ـــ التنظيمي، وانطلاق "إعادة البناء" التحريفي 1979 / 1980

تقديم أولي

ستحاول هذه المقالة المركزة رصد أهم النقط العقدية (Points nodaux) في سيرورة الخط العام للمنظمة الماركسية ــ اللينينية المغربية "إلى الأمام"، استراتيجيا، إيديولوجيا، سياسيا وتنظيميا، من مرحلة التأسيس لهذا الخط وتطوره في معمعان الصراع الطبقي، إلى حدود استيلاء حفنة من التحريفيين على قيادة المنظمة، باستئصالها للخط الثوري، والسير بها، باسم "مسلسل إعادة البناء"، على طريق الإصلاحية حد الإفلاس الإيديولوجي والسياسي، ومن تم التصفية العملية لوجودها التنظيمي لصالح تأسيس، في النهاية، لحزب سياسي مرخص له من طرف النظام الكمبرادوري الملكي، يعمل في حدود إطار دستوره وقوانينه الرجعية، ولتتحول بعدها المنظمة وتاريخها في خط "الشرعيين" التحريفيين، "ذكرى رمزية"، يتم، من حين إلى آخر، وكلما اشتد، ارتباطا بالخط الثوري لتلك التجربة، عود اليسار الثوري الماركسي ــ اللينيني فكرا وممارسة، التفاف تلك الزمرة التحريفية، وبانتقائية، على جزء من خط المنظمة السياسي لمرحلتها الثورية (1970 ــ 1980)، مع عزل وطمس أي إثارة لخطها الإيديولوجي والإستراتيجي والتنظيمي لتلك المرحلة، بهدف تبرير و دعم أطروحات سياسية إصلاحية وتحريفية مفلسة، تحت شعار الاستمرارية في تجديد وتطوير فكر المنظمة وخطها السياسي الذي أرسيت أولى أعمدة بناءه التحريفي خلال طور الانفجار السياسي والتنظيمي الذي عرفته المنظمة سنة 1979.

ستعتمد هذه المحاولة التركيبية على مجموعة من الوثائق التي صدرت باسم منظمة "إلى الأمام"، والتي تعبر بشكل عام عن الأطروحات التي بلورتها المنظمة في سيرورات الصراعات الطبقية بالمغرب ومحيطها الإقليمي والدولي. طبعا، خط هذه الأطروحات هو حصيلة الصراعات السياسية والإيديولوجية والتنظيمية داخل المنظمة1 على الخصوص، وبشكل عام وسط الحركة الم. الل. الم.. كما ستعتمد هذه المقالة على بعض الوثائق التي صدرت باسم بعض أعضاء المنظمة، بما يمكن المزيد من تسليط الضوء على تلك النقط العقدية في تطور خط المنظمة الإستراتيجي، الإيديولوجي، السياسي والتنظيمي.

ولأن هذه المقالة ستحاول التركيز بالأساس على هذه النقط في خط المنظمة، فهي وإن لم تأت على جل تفاصيل السياق التاريخي2، محليا؛ إقليميا ودوليا، الذي في إطاره، وعلى أرض صراعاته الطبقية، تشكلت تلك النقط وجرت مجمل التحولات في ذاك الخط، فهذا لا يعني أن هذه المحاولة، منهجيا، قد فصلت تطور خط المنظمة عن تلك التفاصيل في شموليتها. وللتذكير، فلم تخل أي وثيقة من وثائق المنظمة أو لأعضائها، تلك التي تعتمدها هذه المحاولة، من الخوض في أهم تفاصيل ذاك السياق وتطوراته، وتحديد القوى المحركة والفاعلة فيه، وهو ذاته السياق الذي فيه أخذت المنظمة موقعا محددا لها، وفيه بلورت خطها الإستراتيجي وأساليب صراعها لأجل تحقيقه. ولأن هذه المقالة، كذلك، تركيبية، وليست تحليلية أو تقييمية، فستحاول إلى أقصى حد ممكن، أن تكون فيها وفية في استعمال نفس "المفاهيم والمصطلحات" التي بها عبرت المنظمة عن خطها الإستراتيجي، الإيديولوجي، السياسي والتنظيمي، كما تعفي هذه المقالة نفسها من إصدار لأي حكم3 ومن أي نوع كان، في حق ذاك الخط، لا من خلال السياق التاريخي الذي تبلور فيه، ولا من خلال تطورات هذا السياق اللاحقة.

إن المهمة المركزية التي حددتها هذه المقالة التركيبية لنفسها، هي وضع صورة عامة لتحولات خط منظمة "إلى الأمام" الإستراتيجي، الإيديولوجي، السياسي والتنظيمي، من مرحلة تأسيسها إلى مرحلة استيلاء الخط التحريفي تنظيميا على قيادتها، والتخلي نهائيا عن خطها الإيديولوجي، السياسي والإستراتيجي، ووضعها بعد ذلك، باسم التجديد الفكري والسياسي، على قاطرة الإصلاح، ثم تفكيكها العملي وإنهاء وجودها التنظيمي والسياسي لصالح عمل حزبي يحكمه دستور وقوانين النظام الكمبرادوري الملكي.

الجزء الأول: طور التأسيس والنقد والتعميق: 1970 ــ 1974

1 ـــ طور التأسيس

1 ــ 1 ــ في الملامح الأساسية للسياق العام لنشوء المنظمة وتبلور أطروحتها التأسيسية

عرفت العديد من المستعمرات في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا صعودا ومدا ثوريا تحرريا ضد الأنظمة الاستعمارية الإمبريالية، وبرزت معه العديد من حركات التحرر الوطني، كما عرفت دول "المركز" الرأسمالي مدا نضاليا جذريا وثوريا لحركة الطبقة العاملة وحركة الشباب والنساء (فرنسا، إيطاليا...) وانفضاح التوجهات التحريفية للأحزاب المسماة "شيوعية" والرازحة تحت وصاية شاملة للقيادة التحريفية "السوفياتية" بعد وفاة الرفيق ستالين، وعلى الخصوص خيانة هذه الأحزاب للبروليتاريا ولمشروعها التاريخي الثوري، واستخدامها لها لأجل تحقيق مصالحها وطموحاتها الخاصة بها، كما برزت الثورة الثقافية البروليتارية الصينية بقيادة الرفيق ماو، وبلورتها لخط الجماهير على كل الجبهات: الإيديولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، للتصدي للقوى التحريفية وسط الحزب والدولة، وهو الخط (خط ماو4) الذي دحض تجارب البناء البيروقراطي والتحريفي في "أوربا الشرقية" التي تخلت عن الأسس الثورية الماركسية ــ اللينينية، وعلى رأسها تحريفية قيادة "الاتحاد السوفياتي" بعد وفاة الرفيق ستالين. أما على مستوى المنطقة العربية، فقد عرفت تعمق تبعية الأنظمة الرجعية للإمبريالية وللصهيونية، وعلى الخصوص إفلاس ما اعتبر أنه "أنظمة برجوازية وطنية" (البعثية والناصرية) في إنجاز قضايا التحرر الوطني، وبناء ما عرف باسم "الدولة الوطنية الديموقراطية" المستقلة عن الإمبريالية، وهزيمتها وجيوشها في حرب 67، ثم انبطاحها واستسلامها سنة 70 لمشروع "رودجرز" التصفوي. وبالمقابل، برز وعي جماهيري ثوري يربط خط النضال التحرري الوطني بالنضال الطبقي الثوري. هكذا برز مثلا اليسار الفلسطيني الماركسي ــ اللينيني، واندلاع ثورة ظفار وتحول بعض التنظيمات القومية إلى منظمات "ماركسية ــ لينينية" (اليمن مثلا). محليا، هناك من جهة، تعمق واتساع سياسات النهب والقمع والاضطهاد، مع تعمق التبعية البنيوية لمصالح النظام الكمبراودوري للمصالح الإمبريالية وعلى كل المستويات: الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ومن جهة ثانية، تنامي واتساع نضالات الجماهير الشعبية والعمالية في المدن والمراكز المنجمية وانتفاضات جماهير الفلاحين5، بعد المجزرة الدموية لمارس 1965 (البيضاء، الرباط، فاس، مراكش...) التي شكلت بالملموس نقدا دمويا لأحزاب الإصلاح وإفلاس الخط البرجوازي الصغير، وعرفت آلاف القتلى والمختطفين والمعتقلين، وعلى إثرها تم حل برلمان المعمرين الجدد من طرف النظام الكمبرادوري، وإعلان حالة الاستثناء (7 يونيو 1965)، وكذا تصاعد النضالات الشبيبية6. لقد عرت بالكامل مجمل هذه النضالات عجز القوى السياسية الإصلاحية والتحريفية وإفلاسها، وتخليها عن النضالات الشعبية، ولجوؤها إلى المساومة والخضوع لإرادة النظام (مساومتها على حساب دماء الانتفاضة المجيدة في 23 مارس 1965، مرورا بمشاركتها في ندوة الخيانة بإفران مارس 1970، إلى المشاركة في استفتاء دستور الملك في 24 يوليوز 1970).

في هذا السياق إذن، الذي وضعنا بكل تركيز ملامحه الأساسية، جاء الانفصال السياسي والتنظيمي عن الحزب التحريفي (الحزب الشيوعي المغربي سابقا)، وفيه تم وضع حجر زاوية المشروع الأولي للأطروحة الثورية للمنظمة، على أساس "تنامي وتصاعد الطاقات الثورية للجماهير، وتجاوزها للخط الانتهازي الإصلاحي للقوى السياسية البرجوازية، وأن واجب الثوريين الآني لبلورة هذه الطاقات، هو بناء الحزب الثوري".

1 ــ 2 ــ الأطروحة التأسيسية ـــ 1970 ـــ

منذ انطلاقتها وانفصالها عن الحزب التحريفي، تموقعت المنظمة، إيديولوجيا، ضد خط التحريفية الذي أرسته قيادة "الاتحاد السوفياتي" بعد وفاة الرفيق ستالين، حيث دعت المنظمة إلى أن التقدم على طريق الثورة (عالميا، عربيا ومحليا)، يستلزم التصفية النهائية لهذه الإيديولوجية التحريفية والبرجوازية الصغيرة، ويفرض مواجهتها وفضح أحزابها في كل القطاعات الأساسية، وفي صفوف الثورة العربية، على طريق عزلها وتصفية قيادتها عالميا، حيث تشبع بهذا الصدد العديد من مناضلي المنظمة بإسهامات وأفكار الرفيق ماو.

على هذه الطريق عملت المنظمة على القطع مع استراتيجية البرلمانية البرجوازية، وقامت وبالأساس، على مبدأ ضرورة الكفاح المسلح كطريق للثورة7، والذي اعتبرته المنظمة أعلى أشكال العنف الثوري الذي هو مبدأ ماركسي ـــ لينيني ثابت. لكن ومع ذلك، لم تمتلك المنظمة في مشروع أطروحتها التأسيسية هذه، استراتيجية متكاملة، بل سجلت فقط أرضية موحدة للتفكير المشترك في معضلة الاستراتيجية الثورية.

بكل تركيز إذن، حددت الأطروحة التأسيسية للمنظمة، بعد تحليل مركز للوضع الطبقي8 والسياسي بالمغرب، الهدف في القضاء على السيطرة الإمبريالية وعزل الأوليغارشيا الكمبرادورية9 وقيام سلطة الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين كمرحلة انتقالية نحو الاشتراكية.

كما تبنت الأطروحة أسلوب حرب التحرير الشعبية10 الطويلة الأمد بقيادة حزب العمال والفلاحين الماركسي ــ اللينيني11، كرد على التدخل الإمبريالي، الذي سيسارع إلى إنقاذ مصالحه ومصالح الملاكين الكبار والأوليغارشيا الكمبرادورية بعد "الانطلاقة الثورية". هذه الأخيرة التي تستند على التقدم الهائل لكفاحات الجماهير، تتخذ شكل انتفاضة لا تؤدي إلى انتزاع السلطة، على شاكلة الانتفاضة الروسية في 1905، بل تؤدي فقط إلى المزيد من تفكك وتفسخ الجهاز الحاكم. ف"الانطلاقة الثورية"، وفق أطروحة المنظمة، لابد أن تندرج ضمن تقدم كفاحات شعوب غرب البحر المتوسط، حيث ستقوم شعوب المنطقة بفتح جبهة واسعة، تمكن من ضرب الإمبريالية في المنطقة التي تشكل إحدى المناطق الرئيسية لتمركزها.

إن خط المنظمة العام هنا، والذي كان متشبعا ومتأثرا بأفكار الثورة الثقافية البروليتارية الصينية وبخط ماو تسي تونغ الماركسي ــ اللينيني، لم يكن، وهو يتبنى، بعد "الانطلاقة الثورية"، استراتيجية "حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد"، طرحا واضحا ومدققا لهذه الإستراتيجية الثورية، كما أنه لم يكن يعني، وهو الخط العام للمنظمة، عدم وجود أطروحات استراتيجية، إيديولوجية، سياسية وتنظيمية غيره وسط المنظمة.

هكذا نجد خط ما يسمى ب "الاستراتيجية الغيفارية"12 الذي يدعو إلى بناء تنظيم شبكي مسلح، بواجهة سياسية، حددها هذا الخط فيما أسماه ب "جبهة شعبية ثورية" (لا علاقة لمضمون هذه الجبهة بمفهوم "الجبهة الثورية الشعبية" التي طرحتها المنظمة كجبهة طبقية بقيادة حزب البروليتاريا المغربي). لقد تبنى هذا الخط "الماركسية ــ اللينينية" على الطريقة "الغيفارية" والتيارات المسلحة بأمريكا اللاتينية (تأثر هذا الخط كذلك بأفكار "اليسار البروليتاري الفرنسي")، ولم يكن يهتم بقضية بناء منظمة ماركسية ــ لينينية ثورية بالمفهوم اللينيني على طريق بناء الحزب الثوري الماركسي ــ اللينيني للبروليتاريا المغربية، ولا بمواجهة التحريفية محليا أو عربيا وأمميا. كما دعا هذا الخط إلى ضرورة الإسراع بإطلاق "العنف الثوري" من طرف ما أسماه ب "الطليعة الثورية" عن طريق خوض ما سمي ب "حرب العصابات"، حيث لم تكن هذه "الطليعة" سوى "نخبة ثورية" (نواة عسكرية مدينية أو ريفية)، في إلغاء تام للجماهير ودور هذه الأخيرة الخلاق والمصيري في صنع الثورة (خط الجماهير).

كما نجد أيضا خطا إصلاحيا تبنى ما سمي ب "استراتيجية الانتفاضة" على الطريقة "المنشفية"، حيث كان يراهن على انتفاضة "مدينية" من دون أي دور أو مشاركة للفلاحين، داعيا إلى العمل والتحالف مع القوى السياسية الإصلاحية (أحزاب الكتلة التي تشكلت في 1970)، ونافيا، عكس ما ذهبت إليه نفسها الأطروحة التأسيسية للمنظمة، أي إمكانية لانطلاق مد ثوري. كما دعا هذا الخط الإصلاحي، إلى الحد من العمل السياسي والإيديولوجي وسط الجماهير، بهدف بناء "الأطر الثورية" وبناء التنظيم خارج نضالاتها13.

2 ــ على طريق بناء استراتيجية الثورة واستراتيجية التنظيم

بعد التأسيس إذن للمشروع الأولي لأطروحتها الثورية، استمرت سيرورة الصراع الطبقي في المزيد من تنامي النضالات الجماهيرية والعمالية، وتصاعد انتفاضات جماهير الفلاحين وتثوير الحركة الشبيبية (التلاميذية والطلابية). هكذا عرفت معامل النسيج نضالات بطولية بالرباط وتمارة (مثلا إضراب عمال معمل في ملكية عبدالله، أخ الحسن)، نضالات عمال السكك الحديدية وعمال العجلات، عمال الميناء، وعمال السكر والعمال الزراعيون (ببني ملال مثلا في26 نونبر 1971)، عمال مناجم قطارة، وعمال مناجم خريبكة (شهرين ونصف من الاضراب البطولي، من 20 سبتمبر 1971 إلى حدود 5 دجنبر من نفس السنة)، انتفاضات جماهير الفلاحين بأولاد خليفة والمواجهة مع رصاص جيش النظام، الموجه إلى صدور الفلاحين (28 نونبر 1970)... تصاعد المد الثوري الماركسي ــ اللينيني وسط الحركة التلاميذية والطلابية وإطلاق مجموعة من المعارك النضالية (مثلا معارك الشهور الأولى لسنة 1971، "معركة التضامن مع التلاميذ يناير / فبراير، مباشرة بعد المؤتمر 14" )، و الذي سيتوج لاحقا، في 22 أبريل سنة 1972، بالإعلان عن تأسيس "النقابة الوطنية للتلاميذ" ثم صعود الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين إلى قيادة المنظمة الطلابية (أ.و.ط.م.) في مؤتمرها الخامس عشر.

على وقع سيرورة هذا المد النضالي الجماهيري، الذي ووجه بالقمع والاعتقالات والاختطافات، وعلى وقع التناقضات الحادة وسط الكتلة الطبقية السائدة (محاولة الانقلاب العسكري الأولى في 10 يوليوز 1971)، تعمق وعي العديد من مناضلي المنظمة ذوي الأصول الكادحة، وكذا صعود مثقفين ثوريين بروليتاريين منحدرين من الجماهير البروليتارية والكادحة (بداية تحول طبقي داخل التنظيم)، دفع بالمنظمة إلى طرح معضلة تركيبتها البرجوازية الصغيرة، وكيف يمكنها التجذر وسط الطبقة العاملة من أجل بناء الحزب الثوري البروليتاري. في هذا الاتجاه، توجت المنظمة ندواتها المحلية التهييئية، التي تركزت حول الخط السياسي ومعضلة بناء تنظيم ثوري، بندوة وطنية (31 دجنبر 1971 / 1 يناير 1972) سجلت اندحار المفاهيم الإصلاحية وسطها، وتوطيد دعائم خطها الجماهيري الثوري، عن طريق الاستمرار في العمل الذي انطلق منذ أواسط 1971، على إعداد استراتيجية ثورية تقطع مع خط العفوية والتجريبية، وتدمج قضية العنف الثوري بمسيرة النضال الجماهيري الثوري، للانتقال به نحو حرب التحرير الشعبية.

هكذا خلصت الندوة إلى ضرورة الاستمرار في تعميق نقاش استراتيجية "القواعد الحمراء" داخل فصائل الحركة الماركسية ــ اللينينية، الذي انطلق بعدما انكشف عجز خط "الانطلاقة الثورية" عن إعطاء الأجوبة السديدة لمتطلبات الصراع الطبقي، في ظل تنامي النضال العمالي والفلاحي والشبيبي، وقادر على مواجهة القمع الموجه اتجاه المنظمة، والذي أصبح يهدد وجودها، وكذلك، عجز هذا الخط عن بناء استراتيجية للتنظيم ارتباطا باستراتيجية الثورة، هذا وقد أفرزت تلك الندوة لجنة وطنية كقيادة مركزية للمنظمة.

لقد انطلق التركيز في عمل المنظمة، بعد التقدم الهائل الذي عرفه خطها السياسي والاستراتيجي في اتجاه التخلي عن خط العفوية، على المسألة التنظيمية، وهذا ارتباطا بالخط الاستراتيجي ل "القواعد الحمراء" الذي تم تبنيه رسميا في اجتماع اللجنة الوطنية في ماي 197214، حيث سجلت المنظمة خلال كل هذه السيرورة ضرورة إعطاء الأهمية، من جهة، للبناء التنظيمي الداخلي الذي وضعت له المنظمة محاورا أساسية تؤسس لانطلاقة تنظيمية جديدة نحو منظمة ثورية "طليعية، صلبة وراسخة جماهيريا"، للقطع مع خط اللامركزية التنظيمية الذي بقي يعكس خط العفوية، وبهذا الصدد، شكل "تقرير 20 نونبر" حلقة القطع النهائي مع ذاك الخط15. ومن جهة ثانية، لتنظيم الجماهير، حيث استخلصت ضرورة تنظيمها (الجماهير) في لجان ثورية للعمال والفلاحين والجنود والشباب، وتنسيق نضالاتها وأعمالها، لتهيئ قاعدة "الجبهة الثورية الشعبية"، التي تضم كل قوى الشعب من أجل النضال ضد الإمبريالية وعملائها المحليين.
 
الهوامش
1 ــ لمعرفة طبيعة هذه الصراعات الداخلية، توجهاتها وأطروحاتها، انظر على موقع “30 غشت" دراسة "مسلسل تصفية المنظمة الماركسية ــ اللينينية المغربية "إلى الأمام" "، بقلم الرفيق فؤاد الهيلالي.
2 ــ ستكتفي هذه المقالة التركيبية فقط بذكر الملامح العامة الأساسية لهذا السياق.
3 ــ مسألة إصدار حكم أو حتى "رأي شامل" في حق خط المنظمة، هو في الحقيقة ينخرط ضمن إطار أوسع يكون تحليليا وتقييميا لتجربة الحركة الماركسية ــ اللينينية المغربية، وعلى الخصوص تجربة منظمة "إلى الأمام"، وهو الأمر الذي لم تضعه هذه المقالة مهمة أو هدفا لها.
4 ــ يجب التذكير هنا بالهجوم المضاد والحازم للإيديولوجية الثورية الماركسية ــ اللينينية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، ابتداء من سنة 1962، والذي كان سببا رئيسيا في اندحار الإيديولوجية التحريفية سنوات بعد ذلك.
5 ــ عرفت سنتي 1968/ 69 إضرابات بطولية عديدة، منها مثلا إضرابات عمال مناجم جرادة وجبل عوام، وعمال معمل الرصاص بأحولي وتجاوب فلاحي الأطلس المتوسط العفوي مع إضراباتهم ...انتفاضة فلاحو قبيلة الوزازات ومطاردة جيش النظام لهم إلى ما وراء الحدود مع الجزائر، انتفاضة قبيلة اولاد عياد ببني ملال ضد استيلاء رئيس أركان جيش النظام على مياه الري، وفلاحو وادي ماسة ضد استيلاء الحسن على أراضيهم...
6 ــ التلاميذية والطلابية، نذكر مثلا معارك فبراير ــ مارس 1970، وإضراب 4 ماي من نفس السنة ضد زيارة وزير خارجية الديكتاتورية الفرانكاوية، ونسف هذا الإضراب الشبيبي البطولي لمشروع الاتفاق الاستعماري بين النظامين لاستغلال فوسفاط بوكراع، بالإضافة كذلك لمعركة التجنيد (ماي ــ يونيو) وذلك في استقلالية عن الأحزاب الإصلاحية والتحريفية، حيث على إثرها انطلق وسط الحركة الطلابية، الصراع السياسي والإيديولوجي ضدها.
7 ــ "الحق في الثورة ضد الرجعيين”.
8 ــ وضعت الأطروحة التأسيسية التشكيلة الطبقية على الشكل التالي: الأوليغارشيا الكمبرادورية، البرجوازية المتوسطة، البرجوازية الصغيرة والبروليتاريا الصناعية والمنجمية والبروليتاريا الفلاحية.
9 ــ عرفت الأطروحة التأسيسية، الأوليغارشيا الكمبرادورية بشرذمة من الأفراد تسيطر اقتصاديا على مجموعة من القطاعات الصناعية والفلاحية والتجارية...، وتسيطر سياسيا على جهاز الدولة.
10 ــ وضعتها المنظمة في إطار جبهة موحدة للتحرير مع موريتانيا، الساقية الحمراء و وادي الذهب، و في وحدة جدلية مع الكفاحات الثورية للشعب الإسباني بحكم الاحتلال الإمبريالي الإسباني للمدن و الجزر المغربية و الدعم الإمبريالي الأمريكي لها (وجود قواعد أمريكية في المغرب وإسبانيا والصحراء الغربية).
11 ــ حددت الأطروحة التأسيسية القوة الأساسية للثورة والقيادة السياسية والإيديولوجية التي فيها يتشكل الهيكل الرئيسي للحزب الثوري، في البروليتاريا الصناعية والمنجمية. ويتشيد الحزب المبني على الإيديولوجية الماركسية ــ اللينينية بتنظيم المناضلين الثوريين، الذين نجوا من قبضة البرجوازية، والمناضلين الذين يبرزون من خلال معارك البروليتاريا الصناعية والمنجمية، ومعارك البروليتاريا الفلاحية وشبه البروليتاريا، كما يعتمد الحزب على التطبيق العملي لمبدأ المركزية الديمقراطية.
12 ــ عرف هذا الخط نهايته مع اعتقالات بدايات 1972، وهو الذي تسبب في الضربة التي تعرضت لها المنظمة في هذا الوقت.
13 ــ هو نفس منطق بناء تنظيم "إطاروي" ــــ نخبوي خارج معمعان النضال الطبقي للجماهير، أو ما عرف في أدبيات الح. الم. الل. الم. ب "الخط الداخلي". لقد عرف هذا الخط الإصلاحي هزيمة إيديولوجية، سياسية وتنظيمية خلال أول ندوة وطنية عقدتها المنظمة بتاريخ 31 دجنبر 1971 ــ 1 يناير 1972.
14 ــ تم التخلي رسميا عن خط العفوية في اجتماع للجنة الوطنية في يناير 1972، إن على مستوى الخط الاستراتيجي أو الخط السياسي، لكن الخط والبنية التنظيميين بقيا يستجيبان لخط العفوية، حيث طبعت اللامركزية كل البنيات التنظيمية وكذا العلاقات فيما بينها. ولم تتم القطيعة النهائية مع خط العفوية إلا مع صدور "عشرة أشهر من كفاح التنظيم، نقد ونقد ذاتي" والمعروفة اختصارا ب "تقرير 20 نونبر"، محورها الأساسي بناء الحزب والهيكلة التنظيمية، حيث تم طرح المسألة التنظيمية جوهرا للخط السياسي لفترة ما بعد نهاية نونبر 1972.
15 ــ سيتم التطرق للقفزة النوعية التي عرفها الخط التنظيمي للمنظمة في الحلقة الثانية من هذه المقالة، تحت محور: " 4 ــــ نقد الخط التنظيمي والانطلاقة الجديدة".
 
يتبع بالحلقة الثانية، وهي تضم المحاور التالية:

3 ـــ الخط الاستراتيجي والبناء التنظيمي 1972 ــ 1974.
3 ــ 1 ــ حول نقد مفهوم "الانطلاقة الثورية".
3 ـــ 2 ــ القواعد الحمراء المتحركة.
3 ــ 3 ــ قواعد السلطة الحمراء الدائمة.
3 ــ 4 ــ الجبهة الثورية الشعبية ـــ الحزب الثوري.
ملحق: صورة عامة للتنظيمات التي طرحتها المنظمة لأجل بناء الحزب الثوري والجبهة الثورية الشعبية.
4 ــ نقد الخط التنظيمي والانطلاقة الجديدة.

موقع 30 غشت
http://www.30aout.info







اخر الافلام

.. الرئيس الصيني شي جين بينغ يستقبل نظيره الإكوادوري لينين موري


.. كلمة الرفيق محمد نهار الظفيري من ندوة الحركة التقدمية الكويت


.. كلمة د.غانم النجار من ندوة الحركة التقدمية الكويتية: - أزمة




.. 11. Tory Brexit Chaos


.. هجوم ستراسبورغ: زعيمة اليمين المتطرف تتهم الحكومة الفرنسية ب