الحوار المتمدن - موبايل



الأدوار القومية للجيش العراقي, بين الإستحقاق والتجاهل, حرب تشرين نموذجا

هيثم الحلي الحسيني

2018 / 10 / 7
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الأدوار القومية للجيش العراقي, بين الإستحقاق والتجاهل, حرب تشرين نموذجا
دهيثم الحلي الحسيني ..الباحث في الدراسات الإستراتيجية
تتجدد ذكرى حرب تشرين الخالدة كل عام, ومعها يتجدد الموضوع ذاته, في إنكار وتجاهل الدور المحوري والبطولي المتميز, للقوات المسلحة العراقية, وتضحياتها الجسام, في هذه الحرب وفي سواها من الحروب القومية, إذ يوصف الدور العراقي في حرب تشرين, كضمن المشاركات العربية الرمزية, التي كانت لبعض القطعات العربية, من خارج دول النطاق الإسرائيلي, مع إستثناء ملحوظ هذا العام, في سياق تغطية وقائع الحرب, في الإعلام السوري الرسمي .
إن هذا التقييم هو اشتباه ظالم, وتناقض للحقيقة التاريخية, فستعرض هذه الورقة, وبأمانة بحثية تخصصية, ومسؤولية أخلاِقية, لمشاركات الجيش العراقي, التي سبقت حرب تشرين, لتبيان أنها كانت ضمن السياق الطبيعي, للدور الريادي العربي القومي للعراق, ثم للدور البطولي المتميز, لقطعات القوات المسلحة العراقية, في عمليات حرب تشرين, إذ فرضت بنتائجها, واقعا سوقيا "إستراتيجيا" كائنا, على العدو الصهيوني الغاشم.
والحقيقة الأخرى, تتمثل في تجاهل دور الجيش العراقي الخالد, من قبل المؤسسة العسكرية العراقية ذاتها, فضلا عن المؤسسة السياسية, متمثلة بالدولة العراقية ووزارة الدفاع فيها حصرا, وهذا التجاهل قد تشكل في النظام السابق, وقد تواصل الى الدولة العراقية المعاصرة, لأسباب تعرض لها الورقة بموضوعية, وأمانة تحليلية متجردة.
تمر اليوم ذكرى حرب تشرين الخالدة, فيحتفى بها في الشقيقتين سوريا ومصر, وفق إستحقاقها, في تخليد أبطالها والمشاركين فيها, بينما يتجاهل العراق جهد أبنائه, بمؤسستيه العسكرية والسياسية, فضلا عن المجتمعية, دون أدنى إشارة لذكراهم, وخاصة دماء الشهداء الأكرمين, التي روت الأرض العربية المقدسة, وأجسادهم التي تحتضنها ثراها.
لم تكن المشاركة الفاعلة والمحورية, للقوات المسلحة العراقية, في حرب تشرين 1973, مصادفة تأريخية, أو سابقة غير مخطط لها, أو حركة رمزية أو إستعراضية, بل كان العراق ومنذ إنطلاقة الصراع العربي الإسرائيلي, في قلب الأحداث, لاعباً فاعلا وطرفا مؤثرا فيها, وكان يدفع أشقاءه في مجمل فعاليات العمل العربي المشترك, ويقوده في شتى المجالات, بدء من حرب 1948, التي إنتهت بالنكبة الكبرى, والتي رفض العراق توقيع الهدنة فيها, إذ يعد الطرف الوحيد في دول المواجهة, من الناحية القانونية, في حالة حرب قائمة مع إسرائل, منذ حينها, وكان جيشه المشارك الأبرز فيها, بما حققه من إنتصارات ونتائج على الأرض, ثم توالت مشاركاته القومية الرائدة, حتى دوره الخالد في حرب تشرين 1973.
وبرغم التعتيم العربي الرسمي والإعلامي, المتعمد أو سواه, خاصة المراكز البحثية العربية, المعنية في الدراسات الإستراتيجية, التي تصف الدور العراقي في حرب تشرين, كضمن المشاركات العربية الرمزية, التي كانت لبعض القطعات العربية, من خارج دول النطاق الإسرائيلي, فهو اشتباه ظالم, وتناقض للحقيقة التاريخية, والامانة العلمية والأخلاقية, فضلا عن التساهل والغبن, في الجهد والدور القومي, للدول والشعوب, وتضحيات قواتها المسلحة, مما سيتطلب المرور السريع, بمشاركات الجيش العراقي, التي سبقت حرب تشرين, لتبيان أنها كانت ضمن السياق الطبيعي, للدور الريادي العربي القومي للعراق, على مر عصور التأريخ, وإنتهاءً بالمعاصر.
ويجري تجاهل دور الجيش العراقي الخالد, من قبل المؤسسة العسكرية العراقية ذاتها, فضلا عن المؤسسة السياسية, متمثلة بالدولة العراقية ووزارة الدفاع فيها حصرا, وقد شاءت الأقدار, أن هذا التجاهل, قد تواصل منذ النظام السابق لأسباب سياسية, تتعلق بعلاقاته العربية البينية, وما شابها من فقدان ثقة, كانت مستمرة قبل وبعد حرب الخليج الثانية, فضلا عن تصوراته, في مقاربة حرب تشرين, وأسبابها ونتائجها, بوصفها حرب تحريك لا تحرير, برغم أن ذلك لم يمنع حينها الكثير من الجهود, التي نشطت في توثيق مجريات الحرب ومقدماتها ونتائجها, وتثبيت أدوار القوات المسلحة العراقية فيها, بما تستحق, خاصة في المؤسسات الأكاديمية والبحثية, العسكرية العليا.
ومع إختلاف المهتمين, في تقييم حرب 1948, وسير العمليات فيها ونتائجها, غير ان الحقيقة الموثقة تؤكد, ان الدور الأكبر فيها, وفي تحصيل ما كان فيها من نتائج إيجابية, في حفظ بعض الأرض المهمة, وخاصة المقدسة منها, كان للعراق وجيشه, ومقابر الشهداء العراقيين في بلدة جنين في فلسطين المحتلة, تشهد عن مآثر جيش العراق، إذ كان لقطعاته الفضل في الحفاظ على الضفة الغربية من الارض الفلسطينية, وخاصة الجزء الأعلى منها, واللسان الممتد من منطقة "طول كرم", باتجاه الساحل الفلسطيني المحتل, مما شكل ميزة استراتيجية للطرف العربي, وضعفا دفاعيا اسرائيليا قائما الى اليوم, في أية منازلة قادمة, وهي أيضا الأرض الحيوية, التي يفاوض عليها اليوم الجانب الفلسطيني, لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية.
ان الدول التي ساهمت في حرب1948, فضلا عن العراق, هي مصر في جبهة غزة خاصة, وامارة شرق الاردن في جبهة القدس, اما سوريا ولبنان فقد ساهما بشكل محدود فيها, لقرب عهدهما بالاستقلال, وبدء بناء الجيش المؤهل لهذه المهمة, مع مشاركة للمتطوعين العرب والفلسطينيين ضمن فصائل جيش الانقاذ, ولم تذكر أية مساهمة عربية أخرى, يجري الحديث عنها مؤخرا, في تلك الحرب, كما لم يذكر لغير العراق, من خارج دول الطوق, أي دور عسكري ملحوظ وفاعل ومؤثر, في اية حرب عربية اسرائيلية.
وهكذا أيضا, هو الدور العراقي الرئيس في حرب حزيران 1967, وخاصة المشاركة الواسعة لقواته الجوية, فهو القطر العربي الوحيد, الذي كانت طائراته تدك مواقع العدو في عمق الأراضي المحتلة, وكذا الزحف الواسع لقواته البرية, باتجاه جبهات القتال, وتواجهدها الميداني, في كل من الجبهتين الشرقية والغربية, والتي لم تسمح لها الظروف القائمة حينها, من تواصل القتال, أو تحقيق نتائج إيجابية فيها, فكانت النكسة الكبرى.
وعليه فإن المشاركة الواسعة والمؤثرة, للجيش العراقي, في حرب تشرين 1973, لم تكن رمزية, ولا بهدف المشاركة فقط, بل كانت عن تخطيط وتصميم مسبق, متصل بما سبقته من مشاركات قومية فاعلة, سعى اليها العراق دائما, من خلال إحيائه المتواصل, للجبهات العربية المشتركة, ومساهماته الفاعلة فيها, وقيادته المحورية لها, وخاصة للجبهة الشمالية, والتي كان مقرها جبل العرب, والتي سعى جهده, لتكون ضمن قرارات مركزية, خرجت في نطاق الدفاع العربي المشترك, فضلا عن مشاركته المادية الواسعة فيها, لتخفيف الثقل والعبئ الكبير, عن قيادتي مصر وسوريا, في الأوقات التي كانت مشاركات الآخرين المقتدرين, على إستحياء بائن.
كانت قطعات الجيش العراقي, وخاصة قادته وضباطه, متهيئة باستمرار, للمشاركة في المعركة القومية التحررية الكبرى, وكانت تمارين الجيش الميدانية والتعبوية, تركز على جبهات المواجهة, وكذا التمارين المشتركة في المستويات العليا, العملياتية والسوقية "الإستراتيجية", في كليات الأركان أو غيرها, والتي إستمرت لاحقا, بمستوى كليات الحرب أو الدفاع الوطني, بمشاركة دائرة التدريب, في أروقة جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا, ضمن إستعدادها للمشاركة المستقبلية, التي عقد العزم عليها.
فكان التدريب التعبوي للضباط, يركز على العمل في جبهات المواجهة, في دراسة الأرض فيها, بالإستفادة من الخبرات الكبيرة, للمشاركين الأقدمين في الحروب العربية السابقة, فكان الضابط العراقي, وهو يسرع الى الجبهة, يتعرف يسرعة, على خصائص الأرض والمقتربات والأهداف الحيوية, فكان أداءه مثاليا, سواء في قتالات الدروع أو الحرب الجبلية أو القتالات الجوية, أو التجريد في إستهداف الأرض من الجو.
فكانت مشاركة الجيش العراقي, بشكل كبير في حرب تشرين 1973, والتي من بعض نتائجها, أنها اوقفت التقدم الاسرائيلي نحو الهدف الإستراتيجي "السوقي" الكبير, العاصمة دمشق, وغيّرت سير العمليات القتالية في الجبهة الشمالية, بتراجع الجيش الاسرائيلي, وتغيير سوقه "إسترتيجيته" من التعرض الى الدفاع, مما ساهم أيضا, وضمن "السوق غير المباشر", في تخفيف الضغط عن الجبهة المصرية, من خلال تغيير إتجاهات تحشّد القوات الإسرائلية شرقا, فأضعفت القدرات الإسرائلية في إنفتاحها في سيناء, بعد أن كانت القوات المصرية, قد سقطت في فخ ثغرة "الدفرنسوار", التي شكلت الضعف السوقي, في نقطة تلاحك الجيشين المصريين, الثاني والثالث, المتقدمين على الجبهة, واللذين أنجزا المهمة التأريخية, في عبور قناة السويس, وإجتياح تحصينات خط "بارليف", ثم وضعا في موقف صعب.
وكذا كان الدور المميز للقوات العراقية في جبهة سيناء, حيث كانت الطلعة الجوية الاولى عليها, صولة عراقية بالكامل, حتى كانت القطعات المصرية البرية المتقدمة, تطلب إسنادها بالنص, من أسراب الطائرات العراقية, دون سواها, لما أبدته من أداء بطولي, ودقة في تنفيذ واجباتها, والإصابة المباشرة لإهدافها على الأرض, وقد ذكر ذلك بالحرف, رئيس الأركان المصري الفريق سعد الدين الشاذلي, مشيرا الى أن القطعات المصرية البرية, كانت تطلب الإسناد من السرب العراقي تحديدا, "سرب الهوكر هنتر", بما هو موثق في رسائل الحرب, خلال مجريات القتال, وذلك في معرض تكريمه نيابة عن الرئيس المصري, بوسام الشرف العسكري, لآمر السرب العراقي.
ولم يذكر أي دور مماثل في الحروب العربية الاسرائيلية, لجيش عربي من خارج دول الطوق سوى للعراق, مع عدم التقليل من بسالة الجندي العربي الشقيق, أياً كان, خاصة المغربي أو الأردني أو الجزائري أو الليبي أو السوداني أو التونسي, وحتى الكويتي, ممن شارك وضحّى في تلك المعارك المشرفة, غير ان الجيش العراقي كان لاعباً رئيسا فيها, وتسلّم قادته وضباطه قيادة الجبهة العربية الموحدة لفترة طويلة, حتى كان سببا في تعديل الإصطلاح الى دول المواجهة, بدلا عن دول الطوق, كون العراق في طليعة دول المواجهة, وهو ليس من دول الطوق.
وللحقيقة الموضوعية, فإن حرب تشرين الخالدة, تعد قومية من الطراز الأول, وصفحة مشرقة في الصراع العربي الصهيوني, فقد تميزت بمشاركة عربية واسعة, من خلال القطعات العربية التي ساهمت في القتال البطولي, والتي أبدت إستبسالا ملحوظا في الجبهات المحورية كافة, ودون إستثناء, وبمشاركة عشرة جيوش عربية, مما يثبت أن المعركة مع العدو الصهيويني, ذات بعد قومي لا يقبل الجدل, وإن الجندي العربي, متهيئ ومتحمس ومتشوق, للمشاركة في هذه المعركة القومية, من مشرق الوطن العربي الى مغربه, ومستعد للتضحية في سبيل الحق العربي, ومقدسات الأمة وترابها القومي.
كما أن المشاركة العربية, في إستخدام السلاح الإقتصادي, وخاصة السلعة الإستراتيجية النفط, في صلب المعركة, فضلا عن المقاطعة العربية الواسعة, للدول الداعمة للعدوان الصهيوني, وفي مقدمتها الولايات المتحدة, والتي إستجابت لها الدول العربية كافة, كانت من علامات ومقومات تحقيق النصر على جبهات القتال, وفي النهاية على المستوى السياسي لاحقا, إذ تمخضت المفاوضات التي أعقبت حروب الإستنزاف على الجبهات, الى تحرير أجزاء كبيرة من الأرض العربية المقدسة, في سيناء والجولان, وعودتها الى أحضان الوطن, مما يثبت أهلية الدور الإستراتيجي الكبير, للعمل العربي المشترك, وأثره في حتمية تحقيق الإنتصار, سواء في المستويات السياسية أو العسكرية.
ان التاريخ هو وديعة الماضي ورؤية المستقبل, الذي يستوجب الاحتفاظ بمصداقية حقائقه, وبرغم ان التحدي والاستجابة, كامنة في فلسفته وتحليل وقائعه, غير ان كتابة الوقائع وتصحيحها, هو إستجابة أيضا, لتحديات ذوي الأسباب المرصودة, التي أثبتت وعن قصد, تجاهلهم لأدوار العراق التاريخية والقومية, وحتى الحضارية والثقافية, والعلمية والأدبية, ربما بسبب محنته الراهنة, أو لكثرة حاسديه على منجزاته التاريخية, التي استحقها في جميع المجالات, فضلا عن مكانته وقدراته, التي أهلته وتؤهله لموقع القيادة عربيا وإقليميا, فكان لزاما التذكير, واحقاق الحق.
وللحقيقة التأريخية, فان العراق لم يخطر بموعد حرب تشرين, أو عن أي تخطيط عسكري لها, برغم التعاون العسكري المسبق, والذي امتد منذ عدة لقاءات مشتركة على مستويات القمة أو القيادات العسكرية, وآخرها تبادل رئيسي أركان الجيش, في العراق ومصر, الزيارات التشاورية, إعدادا للحرب ومشاركة العراق فيها, ولهذا التعاون ارسل العراق سربين من طائرات "الهوكر هنتر", الى مصر في آذار 1973, وفق قرارات مجلس الدفاع العربي المشترك.
وحينما اندلعت الحرب, في 6 تشرين 1973, أصدرت القيادة العراقية أوامرها التوجيهيه فورا, بالمشاركة الشاملة في الحرب, إلى القوات كافة, بالتهيؤ والتحرك فورا إلى الجبهة السورية, دون إنتظار إشعارها رسميا ببدء الأعمال القتالية, حيث باشرت القطعات بالتحرك الى الجبهة, حتى بلغت قرابة الثلاث فرق, من القطعات المدرعة والآلية, والقوات الخاصة, والمدفعية وقطعات الإسناد الأخرى, فضلا عن أريعة أسراب جوية زائد.
وقد اشتركت الطائرات المتواجدة في مصر, بالضربة الجوية الأولى, التي سبقت عبور القوات المصرية للقناة, إذ تمكن الطيارون العراقيون من تدمير عدد من مقرات القيادة الأمامية الميدانية وفي عمق العدو, ومواقع الصواريخ هوك، ومواقع مدفعية العدو، وتعطيل عدد كبير من دباباته, والكثير من تجمعات قطعاته وأهدافه الحيوية الأخرى, وقد وضعت ثلاثة أسراب مقاتلة زائد, تحت إمرة القيادة السورية, إذ نفذت واجباتها بدقة عالية, فضلا عن وضع مطارات العراق الأمامية, في خدمة العمليات القتالية.
وعليه تعد المشاركة العسكرية العراقية, هي الأكبر في الحرب من حيث العدد والعدة, بعد مصر وسوريا, وقد كان مقررا أن تتحرك بعض القطعات صوب الأردن, للعمل ضمن الجبهة الأردنية, لكن الأردن "اعتذر عن فتح جبهته لعدم استعداده للحرب", مما تطلب إصدار الأوامر لها للإلتحاق بالجبهة السورية.
وستنصرف الورقة في بعض التفصيل, لبيان المشاركة العراقية في حرب تشرين, والدور الفاعل في مجرياتها ونتائجها, لتكون الحجة والدليل التأريخي الموثق, في إثبات مقدمات الورقة وموضوعها ومخرجاتها, فقد إمتدت العمليات القتالية للقطعات العراقية, الجوية ومن ثم البرية, من أول السادس من تشرين الأول, حيث شروع ساعة الصفر في الساعة 1400, وحتى توقف إطلاق النار في يوم 24 ت1، وعلى جبهتي القتال, وبمعارك فعالة وفاصلة, وكانت بعضها من القتالات الحاسمة في مجرى الحرب ومنجزه التأريخي.
ومنذ البدء, كانت أكبر الصعوبات التي واجهها الجيش العراقي, في تنفيذ واجباته ومهامه, هي معضلة تأمين نقل الدبابات, حيث كانت الناقلات المتيسرة, تكفي لنقل لواء مدرع واحد، وعليه تعد تجربة الجيش العراقي, في نقل دروعه وقطعاته عبر مسافة كبيرة, مع قيامها بالشروع في العمليات القتالية, فور وصولها جبهة القتال, وبوقت قياسي, من الدروس والتجارب الكبيرة, التي تحفظ في ذاكرة المنجز العسكري العراقي, تنظيما وإدارة وتنفيذا.
كانت أول الطلائع العراقية التي وصلت منطقة الجبهة, يوم 10 ت1, متمثلة بلواء مدرع, فتقدمت دباباته بإتجاه العمق لمسافة غير قصيرة, بحثا عن قطعات العدو, لتحدث صدمة فيها, ودون إستطلاع مسبق كاف, لعدم تيسر الوقت, ولدقة الموقف الذي كان حاكما في الجبهة, فباغت اللواء القوات الإسرائيلية المتقدمة, على محور جيعا-كفر ناسج، مستهدفة التعرض على دمشق, فاشتبك معها وكبدها خسائر كبيرة, وأسر عدد من اطقم الدبابات, وللتوثيق فقد أثبت تقرير سير القتال, المعد من قبل مكتب الشؤون العسكرية المصرية, والمقدم للقائد الأعلى للقوات المسلحة, عن الموقف في الجبهة السورية أنه "اشترك اللواء العراقي في المعركة وقام بتثبيت العدو وتوجيه ضربة مضادة, ومنعه من تطوير هجومه شرقا".
ثم كانت المفاجأة, بأن الموقف قد تغير سريعا لصالح العدو، وأن القوات السورية قد لجأت إلى الدفاع والقتال التراجعي, أمام تعرض مقابل أسرائيلي كبير بقوات مدرعة كبيرة وبإسناد جوي كثيف وفعال, وكانت القطعات العراقية غير مكتملة, وتصل الجبهة تباعا, مما يصعب على القادة والأمرين, التخطيط السليم للعمليات, وإستخدام القطعات, فقد تكامل أولا وصول اللواء المدرع ومن بعده لواء آلي.
فباشرت القطعات المدرعة بالإندفاع والشروع بالتعرض على العدو, مع ندرة المعلومات الإستطلاعية, وقد تمكن المشاة من تشكيل قاعدة دفاع خلف الدروع, وفقا لعقيدة القتال العراقية، حيث يجري إسناد تقدم الدروع بقاعدة قوية من المشاة, فتكبد العدو خسائر كبيرة, إذ لم يحتسب للمشاركة العراقية الفاعلة والمباغتة, والتي كان وصولها وتأثيرها, مفاجئا له, وخارج تقديرات إستخبابراته.
وبنتيجة المعارك, فقد أصدر القائد الإسرائيلي الميداني, الجنرال "لانير" من مقره المتقدم في تل شعار, الأوامر لقواته, بإيقاف التقدم نحو العاصمة دمشق على الفور,"لمواجهة القوات العراقية, التي ستضرب مركز قواته, مما يعرضها للعزل والتهديد", وهنا يكمن الدور العراقي الرئيس في الحرب, في منع العدو من تنفيذ غايته, في التعرض على دمشق وتهديدها, وفرض شروطه على القيادة السورية, فضلا عن حكمة القرار السوري, في زج القوات العراقية, في هذا الاتجاه الحيوي والخطير بالذات.
وقد واصلت القوات العراقية, ولقرابة الإسبوعين, متمثلة بالدروع والمشاة الألي والقوات الخاصة والمدفعية والقطعات الساندة الأخرى, قتلالا شرسا وسجالا مع العدو, فكانت معارك دروع صعبة, وإشتباكات ضمن مساحات متقاربة مع العدو, إستبسلت فيها قطعات الدروع وأسلحة مقاومة الدبابات, فضلا عن معارك القوات الخاصة الجريئة, وتحريرها لأهداف حيوية في المرتفعات, مما جعل العدو يركن الى القصف بالمدفعية والطيران, متجنبا الإشتباك بالدروع, ومحاولا إلحاق ما يمكن من الخسائر بالقوات العراقية, غير أن تطور الموقف, قد إستمر لصالح القطعات العراقية, نتيجة ثباتها وإندفاعها, وبدء تكامل تشكيلاتها.
وبعد أن تكاملت تشكيلات الفرقة المدرعة السادسة, وإعادة تنظيم الفرقة المدرعة الثالثة، يوم21 ت1, وضعت القيادة العراقية الميدانية, خطة مشتركة مع القيادة السورية, لشن تعرض مقابل كبير, لدفع العدو إلى الخلف, وكان مقررا أن تشرع في التنفيذ بالساعة600 يوم 23 ت1، وقد اتخذت كافة الاستحضارات والإجراءات اللازمة للهجوم، وحشد القطعات المطلوبة والمتهيئة للمعركة, وبإنجاز العمل الإستطلاعي والإستخباري الدقيق(1).
ولكن ليلة التنفيذ, بلغت القيادة العراقية بإلغاء الخطة, لاضطرار القيادة السورية بالقبول بقرار وقف أطلاق النار, الصادر من مجلس الأمن الدولي في 22 ت1 73, والذي قبلت به مصر قبل ليلة واحدة, كي لا يسمح للقوات الإسرائيلية في تركيز جهدها على جبهة الجولان وتحقيق تفوق خطير على القوات السورية, كما هو التبرير السياسي السوري للقبول بهذا القرار, الذي كانت صدمته مؤلمة على مقاتلي الجيش العراقي, قادة وأمرين وضباطا ومراتب وجنود, الذين كانوا قد أعدوا العدة لتحقيق النصر التأريخي الناجز.
لقد كانت تضحيات الجيش العراقي هي 323 شهيدا, وقد إحتضنت جثامينهم الطاهرة, مقبرة السيدة زينب جنوب دمشق, كشاهد أمام التأريخ, للحاضر والمستقبل, والى جانب خسائر غير قليلة في الدروع وناقلات القتال والآليات والأسلحة والطائرات.
وقد رافقت المشاركة العراقية التأريخية في حرب تشرين, مجموعة من الصعاب, الى جانب صعوبة وقسوة العمليات القتالية وظروفها وطبيعتها, ضمن عوامل الوقت والمكان والقدرات, خاصة الوصول التدريجي للقطعات, وعدم تزامن تكاملها مع الشروع بالعمليات, الذي حرمها عامل السرعة والحركة وتحشيد القطعات وفعل الصدمة, وعدم تيسر الوقت للإستطلاع الدقيق, والإستخبارات المسبقة في التخطيط للعمليات.
وفي المقدمة من الصعاب الأخرى, كانت الشؤون الإدارية, في الإمداد والتموين والتعويض والإخلاء وغيرها, ضمن عمق المهمة اليومية للقوات المدرعة، إذ كانت تتطلب جهدا استثنائيا، تؤمن معظم شؤونها عبر قناة التموين الاستراتيجية الطويلة, الممتدة بين بغداد ودمشق.
وقد تم زج القوات البرية العراقية على الجبهة السورية الضيقة فقط, ولم يسمح لها باستخدام مجال عملها الواسع على الجبهة الأردنية الواسعة، نتيجة القرار السياسي الأردني, مما حرمها حرية العمل واختيار مكان التعرض، وجعل ضربتها غير المباشرة الموجهة إلى جيب "سعسع" في هضبة الجولان المحتلة, تأخذ طابعاً تعبويا بدلا من الطابع السوقي, الذي كانت الضربة غير المباشرة ستحققه, لو أنها توجهت إلى منطقة البطن الرخوة, ضمن الجبهة الأردنية.
ولغرض الإحاطة بالموضوع وجوانبه, فقد أشرك العراق كافة وسائله وأدواته السوقية "الإستراتيجية", في دعم وإسناد الحرب, إذ بادر فورا, وضمن تحرك دبلوماسي وسياسي واع, الى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، ودعوتها إلى حل المشاكل بينهما بالطرق السلمية، وعن طريق المفاوضات، لتأمين الجبهة الشرقية للعراق, فقد اصدرت القيادة العراقية بيانا بهذا الصدد بين أنه "ولما كان العراق يتحمل مسؤولية قومية المعركة, فانه يتوجه إلى الجارة إيران بالدعوة إلى اعادة علاقات حسن الجوار والتعاون وحل المشكلات القائمة, وفق روح الجيرة وروح الروابط الإسلامية, التي تجمع بين الشعبين العراقي والإيراني ومصالحهما المشتركة".
وهذا الموقف يعد من الدروس التأريحية وذات البعد الإستراتيجي, ضمن إسقاطاته على الواقع العربي المتداعي الراهن, حيث تنصرف القدرات العربية المعاصرة, عن الأهداف القومية المحورية, وخاصة القضية العربية المركزية, وهي فلسطين السليبة الأسيرة, بمقدساتها المهانة والمدنسة, وشعبها الخاضع للقمع والإبادة والتشريد, بهدف فرض الخروج الثالث عليه من أرضه, وكي يجري تصفية القضية والشعب معا, بإعلان دولة إسرائيل اليهودية, على كامل التراب الفلسطيني التأريخي, في حين ينشغل من آلت اليهم قيادة العمل العربي, في غفلة من الزمن الردئ, بحروب وسجالات وصراعات جانبية, صانعين تهديدا وأعداء مفترضين, وتاركين العدو الحقيقي, في أسعد مراحله التأريخية, عن قصد وتصميم وإتفاق مسبق ربما.
ولم تكن مساهمة العراق في الجانب العسكري القتالي من الحرب حصرا, فقد نشط كذلك في الحرب الإقتصادية, من خلال صناعة قرار عربي ملزم, لوقف تصدير النفط للدول الغربية المساندة للعدو, في تفعيل المقاطعة الإقتصادية, كما أنه قدم دعما ماديا غير محدود للشقيقتين سورية ومصر, لديمومة المجهود الحربي, متمثلة بالوقود والمعدات والتجهيزات العسكرية, وسد النقص بالدروع والأسلحة وغيرها, مما يحرج حياء العراقي عن التفصيل بها, كونه يعدها في صلب واجباته ومسؤولياته القومية, غير أن ذلك لا يعني إنكارها المتعمد في الإعلام العربي الشقيق, أو الموقف السياسي العربي الرسمي.
وللحقيقة والتأريخ, فإن الأشقاء في سوريا, خاصة في المستوى الشعبي والإعلام الرسمي, لم ينكروا يوما, دور الجيش العراقي في منع العاصمة دمشق من السقوط, وحمايتها من تعرض العدو وتهديده, غير أن الإعلام العربي, وما يصدر عن مراكز الدراسات التوثيقية والبحثية, لايغفر لها التعتيم المتقصد ربما, للدور الحقيقي للجيش العراقي في حرب تشرين, وسائر المعارك القومية, ولا يسع المقام للخوض في أسباب ذلك وعلّاته, فتوثيق جهد الشعوب وتضحياته, لا يقبل العذر من الأشقاء, في الغبن والتجاهل والإهمال والعقوق.
وفي المقابل, فإن المؤسسات العراقية, السياسية والعسكرية والإعلامية, لا يمكن أن يكون لها أية أعذار, فهي مطالبة بتوثيق الوقائع للتأريخ, وبإقامة الإحتفالية للذكرى, وعقد الندوات التعريفية بالأدوار والبطولات الجماعية والفردية, وإقامة المهرجانات الجماهيرية, ونشر الدراسات التوثيقية, وذلك لتخليد دور الجيش العراقي, في سائر معاركه الوطنية ومشاركاته القومية, وفاء لدماء شهداء العراق وجيشه, وجهود أبنائه, وعدم إكتفاء المسؤولين في حضور الإحتفاء بالمناسبة في ضيافة الأشقاء.
وليكن ذلك التوثيق والتقدير, نبراسا للأجيال القادمة, حيث أن الواقع المعاصر, يشهد الحاجة الجسيمة, لأن يطلع الجيل الناشئ, على بطولات وملاحم أسلافه, وتضحياتهم من أجل الوطن والمقدسات, وأن يكون على قدر المسؤولية, في تحمل الأمانة التأريخية, في حفظ وحدة الوطن ومنعته وعزته, والصون عن مقدسات الأمة وأمنها القومي.
(1) هيثم طالب الحسيني, اللواء المهندس الركن, كتاب "دور الجيش العراقي في حرب تشرين 1973", جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا, بغداد, 2003.







التعليقات


1 - مغالطات1
د. ليث نعمان ( 2018 / 10 / 8 - 01:01 )
تقول
(وعليه فإن المشاركة الواسعة والمؤثرة, للجيش العراقي, في حرب تشرين 1973, لم تكن رمزية, ولا بهدف المشاركة فقط, بل كانت عن تخطيط وتصميم مسبق )-انتهى-
هذا هراء فالنظام البعثي رفض المشاركة في الحرب عندما عرض عليهم عام 1972 وقبلوا باضعف الايمان و هو 12 طائرة هوكر هنتر ذهبت الى مصر في نيسان/ابريل 1973 (انظر ملحق العدد الخاص لجريدتي الثورة و الجمهورية ليوم 7 نيسان/ابريل 1974) ثم انت نفسك قلت (وقد اشتركت الطائرات المتواجدة في مصر, بالضربة الجوية الأولى,)-انتهى- هل سألت نفسك كيف و متى تواجدت هذه الطائرات ولماذا لم تتواجد طائرات عراقية غيرها فالغالبية العظمى من طائرات القوة الجوية العراقية كانت روسية.
(حيث كانت الطلعة الجوية الاولى عليها, صولة عراقية بالكامل )-أنتهى-,. قناة السويس طولها 193 كلم لا تغطيها 12 طائرة ثم ان الضربة الجوية الاولى هي اعلان الحرب ولا تكون بسرب واحد بل باقصى شدة ممكنة


2 - مغالطات2
د. ليث نعمان ( 2018 / 10 / 8 - 01:03 )
النظام البعثي في العراق زعم انه لم يكن يعرف عن الحرب و سمع عنها من الراديو وهذا كذب . اما عن الجبهة السورية فمساهمة العراق الفعلية تنحصر في لوائين السادس و الثاني عشر. الحرب علم و تخطيط و تنسيق ولانعدام الاخير لم يكن تأثير الجيش العراقي كبيراً.
ستة اسابيع قبل الحرب استلم العراق سرب TU-22 القاذفة الثقيلة وعاد الطيارون والفنيون بعد أن أنهوا تدريبهم. لم تستخدم ضد أسرائيل بل أستخدمت ضد ألأكراد.
انا لا أبخس الجنود و الضباط العراقيي حقهم لكن النظام كان منافقاً يتاجر بفلسطين

اخر الافلام

.. شباب الموصل يحيون أول ذكرى لتحررهم من داعش


.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبن في المعسكرات القسرية


.. ماذا قال نائب أمريكي عن احتمال عزل ترامب؟




.. نتنياهو يتعهد بمواصلة عملية درع الشمال


.. مبادرة «لنزرع البحر ين معاً» تواصل حملة تشجير مناطق البحرين