الحوار المتمدن - موبايل



الشبح (4)

إبراهيم الوراق

2018 / 10 / 7
سيرة ذاتية


يتبع
وعلى هذا، لا تلتبس المعاني في الإدراك الصوفي الناظر إلى مكمن السر، ومنبع عينه الفياضة بالنور في سديم الأكوان، وعماء الألوان، ولا تختلط في منطق الإشراق عند زائر ضريح الفارابي، والواقف على قبر السهروردي، والباكي على صليب الحلاج، لكي يكون الغياب حضورا، والحضور غيابا، ويصير المعنى دالا على الضدية، والكثرة المتغايرة. فهو إما غياب مطلق، وإما حضور مطلق، لا تقيده آسار الدم، ولا آثار الطين، بينما الغياب بالخمرة المغيبة لفجوة مهتزة في العقل اضطرارا، هو غياب في ثوب الحضور، وحضور في لون الغياب، لأن ما يحصل في هذه المرتبة الدنية من مظاهر الغيبة عن رسيم الأعيان، ليس إلا بداية للسير نحو اللاعقل الذي يكون في صريح الاتصال به عقلا، وإدراكا، ووعيا، لا ينفصل فيه الغياب عن الحضور، بل يكون الحضور فيه قويا، وفاعلا، والغياب غير وارد، ولا وافد، إذ حاصل المراتب كما تراءت لنا في طلسم الحقيقة أربعة وجوه، تتبارى في ساحة الخوف، والألم، وتتعاوى في ظلمات هذا الكائن المرتج بضجيج الشبح المنحبس في صدره، والمسرع بخطواته إلى نهايته، وهي مقاييس اعتبارية في صافي الأذهان؛ غياب، وحضور، وهما مفحص الصوفي بجلاء، ويعيشهما صرفين في الماهية، ومتمحضين في لازمهما بلا خلط، والتباس، فلا يعوض أحدهما الآخر بمقتضى الخلوص للصفة الذاتية، لأن غايتهما الجمعية، والوحدة، والاتصال بالعقل الكوني الأزلي؛ وهو ذلك الإنسان الكامل الذي تجلت فيه المعاني الأسمائية، والصفاتية، أو هو ذلك الإنسان المتصل بتاريخ الكون، والممتزج ببؤرة الوجود كما حررنا في بعض مقالاتنا. وحضور في غياب، وهو الذي يحياه الراهب في سربه، ويعيش بنفَسه، ويتألم بزفيره، ويستسلم لخوفه، لأن حاسة الطين فيه قوية، وغالبة على ما سواها من الحواس النافذة في سبك معاني الذات، إذ دوره حراسة المعبد المجسد للإله في جرم صغير من كونه، ونقر أجراسه، وإيقاد شموعه، وإشعال بخوره، وتعميد الراغب في الاغتسال بماء معموديته، وتخليصه من خطيته بطقوس الفداء، والغفران، وغايته التقعيد لمبادئ النظام، وقواعد الاجتماع، وضوابط السلوك؛ وكلها ظل للمعنى الخالد الذي لم يدرك مغزاه، ولم يستكنه جدواه؛ وهو بناء قانون الكون الكلي في الذوات، وعودة الأشياء بعد انفلاتها من صخب الجسد إلى وحدته. وغياب في حضور، وهو ما يتمتع به السكران حين تحصل له الغيبوبة عن ألم هزيمته، ثم يعود إلى وعيه السابق صاحيا من انتشائه، فيرى أكدار همومه جلية، ويشهدها تخترق مسام كلماته، وحركاته، وكأنها قد لبست كسوة جديدة، فيحتاج إلى غيبوبة أخرى، تخرجه من دهليز وعيه إلى لاوعيه، لعله أن يغمى عليه، فيلمس رجليه تمشيان في رطوبة الأماكن المبللة بالسآمة، والرتابة، وهكذا دواليك. وعلى هذا، يكون الصوفي متجاوزا لعقيدة الشبح بمراحل طويلة، ومتفوقا على معرفة الراهب الذي صنع الخوف في حظيرة الإنسان بمساحات مديدة، ومفارقا لثقافة السكران الذي غيب حصة عقله بمسافات عديدة، لأنه لم ير الشبح إلا وهما في عقله، ولا الراهب إلا عبدا لذاته، ولا السكران إلا تائها في جهالته، إذ ما أخلد إلى ما نال من رغبات الجسد، وعلاقاته بالأرض، وصلاته بالعقل الصاخب بغدر الحاضر، وغبن المستقبل، إلا ليتساوى فيه نظام الشعور، واللاشعور، والعقل، واللاعقل. وسواء كانت مادة تخديره فكرة، أو جرعة، أو قبلة، أو همسة، أو لفتة، أو كانت غيرها مما يحصل به تناسي الوظيفة، واستبعاد ضغوط واقعها، وتكاليف أوضاعها الشاقة.
وإذا كان سر السكر لم يحصل بحقيقته وأدبه كما هو موقوف عليه في كتب الحكماء، ولا منصوص عليه في أدب الشعراء، فإن انكفاء المكان على جرعة خمر نازفة من عرق الإنسان، ونسمةٍ تفوح من بحبوحة المكان، وفتوةٍ تغازل غلمتها النسوان، والغلمان، لم يجعل الرقص منزها، ولا العري مقدسا، لأن الامتزاج بالروح الكلية في نهايات خلوص الذات من أسر الأرض، والفكاك من آلام أحزانها المفجعة، لا يعني سوى أن يفقد الجسد كل خصوصياته المادية، وينصهر في محيطه بلا شهوات تعذبه، ولا رغبات تفنده، ولا غايات تقلقه. وإذ ذاك يكون الرقص والعري غير مثير للشبق، ولا للنزق، ولا مستفز لهدوء الذات، وسكون أعضائها، وطمأنينة أفكارها، (كالرقص عند الدراويش، وعري الناس عند البعث، وفي الجنة) إذ زالت المعاني عن المدامة حين سكبها النديم في كؤوس الغيبوبة المفعمة بأرزاء الإنسان، واغتاظت العنب والنخيل من عاصرها، وشاربها، لأن الأول (عاصرها) كان شيطانا خادما في ضيعة الشبح المتطاول على معاني السمو، والكمال، لكي يترع البطون بسؤر الشهوة الحارقة، فلا يشرب حمياها رقيع إلا وازداد رقاعة، ولا وضيع إلا وازداد وضاعة. والثاني (شاربها) كان مثقلا بأعباء طينه، وأوضار جسده، فلم يعرف السر الذي نسمه الكون في أثير الكروم، والنخيل، ولا الرمز الذي تحمله في عروشها الفارعة، وعناقيدها اليانعة، بل ظنه وُجد في بستان الحقيقة للإلهاء، والخداع، والافتتان. وهنا، كانت الخمرة في لغة الشطار كرمة، ونخلة، لا روحا تسري في عروق العاشق لشجرة الكون، وتجري في نياط فؤاده المتصل بسماء الوجدان، لكي تبسق من أعماقه ثمار حكمته العذراء، فيجنيها طالب سرها أمنا، وأمانا، ويعصرها في جؤجؤ الزمن فيراه هادئا، وساكنا، إذ قصْر جمال الأشجار المثمرة على شهوات الطين، وما ينزف فيها من نحيب البدن، وحريق فتحات أبواب خلاصه المحصورة بالموت، والفناء، لن يجعلها صفاء إلا لأهل الصفاء، ولا نقاء إلا لأهل النقاء، لأنها ما وجدت إلا لكي تربط اللاعقل باللامحدود، ثم تتعرى معاني الذوات عن صفاتها المقيدة بالتراب، وتتنحى عنها غرة الانتماء إلى المدينة المدنسة بالنزوات الدنيئة. وإلا فما فائدتها على موائد تذبح بسكاكين المحدقين حول أضواء شموعها ودخان بخورها أرزاق، وأعناق.؟
وهكذا، نكون بين حقائق متشابكة، ومفاهيم متحاورة، ومعان متجادلة، يستفهم قارئها عن سر جمعها وطيها في مفهوم الشبح الذي عن لنا حده، ووصفه، ويستخبرُ عن المراد بها، والمقصود من تناثرها بين مواضيع مختلفة، وتفريعها إلى مجالات متعددة، لأن ما انزوى في العمق من سر اللعبة، وتمزق أبعادها الملحمية، لا يكتشفه إلا من لمس ظل المعنى قبل أن يبحث عن نبعه في الوجود. لكن، لو فرقنا بين الألفاظ المستوحاة من صورة الشبح المرسومة على جدران المعاهد، والمعابد، والمراقد، والموارد، وجمعناها في مرتبة من مراتب الإدراك الكلي لما يشكل متاهة اللوحة المنقوشة، وعبرنا عنها كما هي مصوغة في ذوقنا المتشبث بكل ما هو بسيط، وعفوي، ومنسجم مع أنغام الحياة الوديعة، وألفاظ الإنسان اللطيفة، وأصوات كبده في الحصول على سمو الأشياء، وحنانها، لأدركنا أن الشبح له علاقة بما حدث ويحدث من وقائع فجة في تاريخ البشرية، ورابطة تربطه بما اكتسبه هذا العقل البشري من تهمة، وسجن، وإعدام، لأن توارد المعاني التاريخية على الفكر الإنساني، وتعاقبها في سياق الحدث، وتلاحقها في تحقيق المقصد الأنطولوجي للوجود، يجعلنا ندرك بعض الأسرار في المركبات التي أبهرت بجلائها، أو أدهشت بخفائها، إذ ما حير العقل الاستنباطي، هو الظاهر الملتبس بين حقيقته الماهوية، وحقيقته الواقعية. وأما الباطن الذي يهمس به الراحلون إلى صمت الداخل، وتوازن الخارج، فلا سلطة له عليه، لكي يكتشف كل عوالمه، ويستظهرها بما يفيد القطع، واليقين، لأنه لا يمكن له أن يفهم كلية ذاته، وهو جزيئة من جزئياتها، ولا يحق له أن يعي حقيقته، وهو بعض منها، إذ ليس جوهرا خالدا كما هي الذات الواعية، والناطقة، لكي ينال المعرفة بدون ما تتآلف منه الماهية في صفاتها الداخلية، والخارجية، لأن العقل كما وجد له إدراك يستولي به على ما دونه في المرتبة، فكذلك ما سواه من مركبات الكنه والهوية له إدراك لما تحته، إذ نهاية الإدراك في الطبيعة البشرية، هو ما يحصل للذات الكلية حين تغيب عن وجودها المادي، وتتصل بوجودها المعنوي؛ وهو الذي يعيدها إلى نقطة البداية في تاريخ الإنسان، والكون، والطبيعة. وكل نمط من هذا الإدراك المتعدد في مراتب الذات، ومستوياتها الجوانية، والبرانية، له لغته، وطرق بيان تعبيره، ووسائل تحبير معانيه، ومداره الذي يستقل فيه بكيانه، لأن ما تكتبه النفس ليس هو ما يكتبه العقل، وما يكتبه العقل، ليس هو ما يكتبه القلب، وما يكتبه القلب ليس هو ما تكتبه الروح. وبينهما مسافات في الطول، والعرض. وأقربها إلى الإعراب عن الجسد المتصل بالأرض، والمتفاعل مع أشواقه إلى السماء، هو ما تصوغه النفس، وما تحاوله من تحدث عن فطرية رغباتها، وشهواتها، وأبعدها عنه، هو ما تفصح عنه الروح السابحة في أفق الحكمة المتعالية، وما تدونه من مقامات في الإشارة، والرمز، والاستعارة، والكناية.
وعلى هذا، تكون اللغة حاضنة لكل معنى وجودي، إذا ارتقت في المراتب العلية، وتجاوزت محدودية المراتب الأخرى في إعرابها عن حقيقة ذاتها، وما تختزنه من كلمات راقية في جوفها، لأنها إذا انحصرت في مجال واحد، ولم تطق أن تستوعبه بكنهها، ولا أن تفارقه بماهيتها، ضاق عنها المدار في التحليق حول ما هو مستور في الكون من لغات، وألسن، وصارت سببا للتأويل، والتقريب بين دلالات ألفاظها، ودافعا إلى إحداث الفتنة فيمن رأى قوة تعبيرها في نمط من أنماط سياقها، وخال ما وصل إليه من طراز المباني، هو الضابط الجامع للمعاني. وذلك ما حدث للراهب حين زعم أن عباراته التي نافح من أجلها، وحارب، وقاتل المؤولين لها، قد سمت في وضعها، وغدت من شدة قوتها نهاية لكل ما قيل في القديم، وما سوف يقال في مجهول التواريخ القادمة. وهنا لحن في فهم لغة الكون الطبعية، وأحدث نشازا في صوته، وخبالا في فكره، وعقما في وعيه، وسقما في توجيهه للأشياء، وتدبيره لما هو مراد منها في أصل وجودها، لأنه لو درى أن قصارى جهد لغته التي جعلها متعالية ترفض ضدها، وتعاديه بأحكامها الجائرة، لا تتجاوز حدود العقل الذي يحكم صيرورة ألفاظها، وتراكيبها، وإشاراتها، لكونها في تصور حقائقها، تحتاج إلى صور ذهنية تحدد حقيقة المعاني لئلا تلتبس ماهيتها ببعضها، لما أقام محاكم التفتيش على فعل العقول، وطرق صياغة تفكيرها، وتعبيرها عن ذاكرتها الجامعة لتجاربها، وأساليب خوضها للجج بحر عواطفها الجامحة، ومشاعرها الجانحة، ولما أغرق العالم في معرة القتل على التأويل، وسبة الحرب على فكر الإنسان، وحريته في اختيار جبهات فعله، وكسبه.
وإذا كان الجلاء سببا في التحير، فإن الخفاء علة في التريب، وذلك ما أذهل عقل الراهب حين رأى الخيمياء خفاء، وهي عين الجلاء عند من خبر دروبها، وعرف كيف تتحرك الأجسام في مدارها، وكيف تتفاعل في كمياتها، وتنفعل في وضعياتها، إذ ما يحدث من حركة في مكوناتها، وسرعة في مركباتها، وتغير في أشكالها، وتبدل في ألوانها، قد أوهمه بأن من ورائها كائنا خفيا، يدبر ما فيها من التئام، ويبرم ما فيها من التحام. وهو ذلك الجني الذي استحال مع طول الزمن ساحرا ماهرا، وخارقا عنيفا، يطيق أن يحدث المعجزات الباهرة، ويدخل في باطن الإنسان، وغور عمقه، ويصرعه بصعقه، ويدسه في متاهات ما توارى وراء ستر المشاهَد، واختفى عنا عينه، وظهر لنا أثره في انفعالات لا تطيقها الحواس العادية، لأن جهله بعوالم النفس، وأحوال خبيئتها، وما تستكنهه من أمداء شاسعة، تزرع على سطحها فظائع الأوهام، وفواجع الأحلام، لم يجره إلا إلى البحث عن شيء غير مادي، لا يقع تحت نظر العين، وبصرها الحاد، لكي يفسر به ما أذهب لبه، وأدهش قلبه، وجعله حائرا في اختياره، وخائرا في اختباره، إذ لولا احتياره مما يقع، ولم يدرك له سببا، ولا علة، لما انحاز إلى افتراض كائن آخر، يعيش وراء المرئي، ويقوم بكل ما لا يقع تحت حدس عقله، ومجهر عينه، لأن خرص ذلك بهذا النظر الفوقي، وحرزه بما يفيد حدوثه، وعروضه، هو الذي يعفيه من نسبته إلى الإله، لكونه خيِّر الإرادة، (إذ كل ما هو خارق ينسب بداية إلى الآلهة) ولا إلى الملائكة، على اعتبارهم أطهارا في جنس الموجودات، إذ اقتضت معضلة الشر أن يُخلق لها كائن آخر يقوم بها في الخفاء؛ وهو ذلك الشيطان الذي اعترض على أمر الإله في مملكة السماء، واستكبر عن تبعيته للإنسان، وخدمته له في الطبيعة، فاستحق أن يعيش في ممانعته مجردا من صفاته الملائكية، وأن يحيى حياته كلها طريدا، وشريدا، ينتجع موارد الخير، فيعكر ماءها، ويكدر صفاءها، ويلبس الحق بالباطل، ويخلط الصالح بالفاسد.
لكن ملازمته لحياة هذا الكائن البشري، واستمراره معه، وديمومة حضوره في خواطره، وعزائمه، وإراداته، وفعله، وسلوكه، سيجعله أبديا معه، ولازما لوجوده الاعتباري، والكوني، ما دام جنسه قائما بذاته، ونوعه متعددا في ماهيته الوجودية، لأن استمرار نوع الإنسان في الكائن الحي، وتطوره من مرحلة إلى مرحلة في الارتقاء، وتقدم سنه في عمر الكوكب الأرضي، يستتبع وجود الشيطان معه في كل أدواره، وأطواره، ويستوجب أن يرافقه في كل دروب حياته، ومساراته التي كلف بإنجاز ما يبدع فيها وسائل التفاعل، والانفعال، لكي تتحقق الحركة المادية للتاريخ الإنساني، وتتنوع أساليبه في كسب معاني الخير، والحب، والجمال، إذ دور الإنسان هو البناء، ودور الشيطان هو الهدم، والإله حاكم ينظر إلى مملكته بعين نافذة، فيرى جدية ذا في فعله، وعبث ذاك في خبثه. وهذه المشاهد في بعض العقول التي تتبنى الحس في الإدراك المشترك، هي أقرب من الأسطورة إلى الحقيقة، لأن تعطيل فعل الإله، وتفعيل دور الشيطان، وإلزام الإنسان بعداوته، والاختبار بمنحه، والابتلاء بحربه، لن يجعل الكون مراحا للخير الذي وجد له حقيقة، ولا مآلا للفضائل والمكارم الأخلاقية، بل سيكون محلا لصراع أبدي قائم بين المرئي، والمشاهد، ومقاما تهدر فيه القوى لتثبيت حقيقة الذات، وترسيخ قيمها في تأثيل المعاني الخالدة. ولا محالة، سينتصر المرئي على اللامرئي في كثير من جولاته، وصولاته، ما دامت دوافعه قوية، وروافده دوية، وصلاته برغبات الإنسان ظاهرة، وكاسرة، لأن ما يشهده العقل الحر في صيرورة العالم المستنزف بالحروب الدينية، وقد تحكمت في ثرواته حفنة من البشر الممتلكين للأرض، والفضاء، إذ تعتبر نسبتها واحدا في المائة، بينما تسعة وتسعون يعيشون أوضاعا مأساوية، توحي بالسؤال المباشر الذي يوجهه اللادينيون، واللائكيون، وهم يقولون في سخرية، واستهزاء: أين دور الإله في مأساة العالم.؟ وأين انتصاره لمشروع الإنسان، وحقه الطبعي في العيش، والحياة السعيدة.؟
وعلى هذا، فالشيطان يوجد حيث وجد مطلق الإله الموصوف بالخير المحض، ويغيب حيث يكون المقام منزها، وطاهرا، ونظيفا، فلا يكاد يقرب من ساحته لنجاسته، ودناءته، وخسته، وضعته، إذ هو في اتصافه بالخفاء، والتأثير اللامشاهد على المرئي، لا يعني إلا مطلق الشرية التي هي صفة قائمة بذاته، ولا يفيد إلا مجرد تأثيرها على ما يحاكيها في ماهيتها الوجودية، ويجاريها في انحرافها عن الحقيقة الكونية، وزوغانها عن لغة الطبيعة، وسر الخليقة. إلا أن تلك الأبدية التي فهمت من لزومه لوجود الإنسان، وديمومة صيرورته، وبقاءه مترنحا بين رفيق مخادع، وصديق مفارق، استلزمت أن تكون لمعضلتها مخارج عقلية، تدفع تماثله مع الإله في الأزلية، وتجعله مخلوقا موصوفا بالفناء، إذ القول بأبديته، لا يعني إلا علة حدوثه، وإضافة نسبته إلى عالم الخلق، لأن أبديته اللامتناهية، لها حد في الأزلية اللامحدودة. ويقتضى ذلك أن يعتريه ما يعتري الخلق من صفات العجز، والافتقار، والانكسار، إذ كونه مخلوقا متصرفا تحت تأثير الإرادة الكونية، يستوجب أن تكون قدرته غير مطلقة، ويستدعي أن يكون ضعيفا إلا فيما له عليه تحكم، وسلطان، لكي تتقيد قوته بكونها متصفة بما جبل عليه في معدن خلقته من طيش ناره، وخفة عناصره، وخفاء أثره، لأن عدم إطلاقية إرادته، وحصرها فيما هو موجود له في الخلقة، يفرض أن يحتاج إلى غيره في القيام بدور الشر على كوكب الأرض، وصرفِ هذا الكائن البشري عما يتأمله في السماء من آمال الخلاص، والفداء. وعلى هذا، فإن الشيطان في بداية كونه كائنا له خصوصية الوجود، كان ملاكا في سمو مملكة السماء، لتتأكد فيه عناصر الخلق، والإيجاد له، ثم استحال في صيرورة سقوطه شيطانا مبعدا إلى دنو الأرض، وحضيض سفاسفها، وتفاهاتها الرديئة، لكي يقتصر ضرره على ما تحت دارة القمر، ويفتعل بما خلق له من شر مطلق، يكسب به سلطته على هذا العالم البشري الذي شهد حروبا رهيبة بين الإله، والشيطان، والإنسان، إذ ذلك الصراع الذي قدر على هذا الكوكب الأرضي أن يعيش تحت قسوته، ورحمته، إذا تأملنا أسبابه، سنجده لعبة طبقت فيها قواعد صارمة للانتصار، والحكم الأبدي، والنهائي، لأنه قانون الحياة الذي تتنفسه الطبيعة، وتنطق به نواميسها الصلدة، ويتعلمه كل كائن حي، لكي يحارب الموت، والزوال، والفناء.
وإذا تناءى الشيطان عن مملكة السماء المزينة بمصابيحها المضيئة، وقد كان فردا من أفراد سكانها الموصوفين بالخير المطلق، فإنه على هذا سيكون في خفائه معنى ذهنيا ملتبسا بما يلازمه من تصور للقبح، والمكر، والخداع، (صورة الشيطان القبيحة) أو فكرة وجدت لتفسير معنى الشر الذي لا ينسب إلى عالم الطهارة، ثم تجسدت في كيانات غير مادية، وهلامية، وغير محدودة، على اعتبار قدرة الأفكار على أن تنال حظها من التشكل، والتمثل، وقوتها على إحداث آثارها في عالم الذوات، والأعراض، ولو بتخيل ذلك، أو توهمه. ونخلص من هذا إلى جملة أمور:
1- أن الشيطان كائن غير مرئي، كان محله السماء التي احتضنت عملية الخلق الأول، وطريقة بناء الأدوار بين الفاعلين في هذا الكون، والمتحاربين على الاستقلال بالسلطة في الطبيعة، على اعتبار كل المخلوقات وُجدت أزلا في ملكوت الإله المتصف بالعلو المطلق، ثم هبطت إلى الأرض لقبولها للشر، واستعدادها لأن تشهد براكين الدم الفوارة من الأجساد المحترقة في معارك رهيبة، لأن عالمه الخيِّر، لا يوجد فيه محل للعصيان، ولا للاستقواء، وطلب العظمة.
2- أن ذلك يثبت عرضا عدم قدرة الشيطان على إغواء الإله، وما يحوم حول قبة سره المكنون في السماء من ملائكة، وكائنات نورانية، لأنه يندرج ضمن دائرة تصاريف الأمر الأزلي، وتابع لها، وغير مستقل عنها (الأساطير البدائية التي تحكي عن إغراء الشيطان للآلهة، وإغوائهم بالعشق، أو الحرب).
3- أن نزوله من أفقه المعنوي إلى المادي، على اعتبار حركة النزول دالة على الخلق، والخلق دال على الافتقار إلى موجد، والموجد واحد لا تعدد فيه (ولهذا فسر نزول الإله تفسيرا ميتافيزيقا، لا ماديا، لئلا يتسم بحدوث الحركة، والانتقال)، يفرض ضرورة احتياجه إلى أعوانه في الإغارة على العالم التحتي، وهم جنده من مردة الجان المهتاجين ضد الإنسان، والمجتاحين للأماكن رغبة في تدنيسها، وتدسيتها، والمتمكنين بمكرهم في إحداث نعرات الفتن لسلب النفوس، وجلب العقول، وإغراء القلوب بما يجانف القانون الكلي، ويخالف نظام الطبيعة، وحقائقها الوجودية.
4- أن ذلك جار في بناء سياقه الذهني على مقتضى وجود الملائكة في ملكوت الإله كخدام له في كل خير، إذ وظيفتهم حراسة مملكة السماء، وقطعُ الطريق على الشيطان وحزبه، لئلا يدهم عالم العلو بمكروه، وربطُ الصلة بين العالم الفوقي، والتحتي، لكي تستمر رسالة الصلاح، ويكون الكون كله ساكنا في بحر العبودية.
5- أن مرتبة الملاك هي مرتبة الجني، لتشابههما في الخفاء، وتماثلهما في التبعية لآمر أعلى، يوجههما إلى الفعل، ويحركهما في دائرة التخصص.
6- أن هذا التقابل في مفهوم الخفاء، يتضمن حقيقة هبوط الملاك إلى الأرض، على اعتباره قائما بأمر التنزيل للأمر المطلق على مصاديقه في الكوكب الأرضي، وعدم إمكانية صعود الجني إلى عالم السماء، لتعذر وجود مكانه في مدارها المتعالي بالطهرانية، بل يطرد منها بالشهب الثاقبة، لئلا ينفذ إلى أسرارها، وما فيها من عجائب التدبير، والتصريف، لأن مقتضى التفريق بين عنصري الخير، والشر، يستوحي أن تكون ملحمتهما على وجه الأرض، وأن يكون ضحيتهما الإنسانُ، إذ هو الذي تصارعت عليه الآلهة والشياطين في تاريخه الغض بالهزائم، والانتصارات.
7- أن هذه الحقيقة، ولو تجاوزها الدرس العقدي في صياغة مفاهيمه للمطلقات الكاملة الذات، هي قائمة في تاريخ العقل البشري، وفاعلة بآثارها في كثير من المسارات التي عاشها الإنسان، وأحس فيها بخذلان الآلهة له، وانتصار الشيطان عليه، لكونه خالف منهج السماء، أو فارق ناموس القوة، وقانون السلطة، فاستولى عليه العجز، والنقص، ثم انتهى إلى بوار، وخسار.
8- أن ما يوحي به تضمُّن جمهرة الملائكة للشيطان في الأزل، أنه كان في مرتبتهم الوجودية. لكن النظر في اقتصار وظيفة كل واحد منهما على فعل معين، وهو الخير المحض، أو الشر المحض، يجري في مجرى آخر، إذ يقابل الخير الذي هو فعل الإله بفعل الشر الذي هو من خزي الشيطان، وجبته، لئلا ينتسب الشر إلى الإله إلا مجازا، لأن ذلك سيؤدي إلى معضلة السؤال عن الغاية من خلقنا كبشر، ما دمنا سنكون في التدبير الأزلي أشرارا، أو أخيارا. ولذا تساءل العقل المتمرد عن سر هذا الإيجاد، وما الهدف منه، وحاول أن يجيب عنه بمقتضيات كثيرة، جالت بين طرفي التصديق، أو التكذيب، لما يتأسس عليه ذلك من غيبيات لا أثر لها في المادة، ولا في المرئي المشاهد. لكن، وعلى رغم هذه المحاولات التي كان العجز فيها إدراكا عند بعض، فاقتصر على السكوت عما توارى خلف سره، فلم يبح به إلا لخلص جلاسه، فإن الرغبة في استنزال معرفته، ما زالت تستنفر عقل بعض، وتستفز سؤاله عن كنهها، وماهيتها، فلم يهل عن بحثه، وهو يقول مناقشا، ومجادلا: لم لم نوجد في الأزل أخيارا، وتنتهي مأساة الإنسان، وآلامه.؟ وما هو دور الإله في إحجام الشر، لكي يعيش الإنسان حياته سعيدا، لا شقيا بزمرة من عتاة الشياطين، يعكرون مزاجه، ويفسدون حياته، ويدمرون كيانه، ويستعبدونه بالقهر، والجبر.؟ وما معنى عدالة الإله، إذا كنا سنتعذب هنا، وهناك، ونحن لسنا إلا ضحايا لمؤامرة خفية، لا دور لنا فيها إلا المطاوعة للبس أحدثه الشيطان في عقل الراهب، فأغرى به الخلق المنتحبين على أبواب المعابد بلا معنى، والمحدقين في السماء بلا جدوى، والمنتظرين للخلاص بلا طوبى.؟
9- أن الملائكة دورهم تابع للانتساب إلى عالم الطهرانية، ولازم للانتماء إلى عالم السماء، لأنهم يقومون بدور الوساطة فيما بين الإله وأصفياء خلقه، وينزلون على الأماكن الطاهرة بالسكينة، ويحفون بالأجنحة أقبية المعابد، وأفنية المعاهد، لكي تطمئن قلوب المؤمنين، وتسكن بين أتون حرب يخوضها الحق ضد الباطل. لكن، ألا يستلزم هجوم الشيطان وجنده على الإنسان في كوكبنا الأرضي المتلظي بسعير الحروب الفاتكة، أن تقاوم الملائكة إلى جانب هذا الكائن المستضعف لنجاح مشروع الإصلاح في الكون.؟ ألا يعني عدم توسطهم في الصراع الدائر بين قوى الشر، والخير، أن أهل السماء يحمون مملكتهم الطاهرة، ولا يتدخلون في صراع الإنسان مع الشيطان المستحوذ على النفوس، والعقول، والمستولي بشطارة جنده على موارد الرزق، والعيش الكريم.؟ وإذا كنا نرى الإنسان نائبا عن الإله، ومتجسدا في صورته، وهو ظله الأسمائي والصفاتي في عالم التجلي، والإشراق، فإن إشكالية علاقة الإنسان به، وارتباطه بعالمه، تطرح أسئلة أخرى، لها علاقة بالعدالة السماوية. فما هو موقف الإله من البراكين والأعاصير التي تقتل ملايين البشر بدون سبب موجب.؟ هل ذلك عقاب على ما اجترحوه من خطايا، واقترفوه من رزايا.؟ وإذا كانت الخطايا سببا في ذلك، فلم لا ينزل هذا العقاب على الظالمين، والجائرين.؟ وإذا كان الوعد الأخروي هو الذي يسوغ ذلك، فلم لا يكون وضعه في الدنيا قائما، لكي ينتصر العدل على الظلم، ويكون ذلك عبرة للمتغطرسين، والمتكبرين.؟ وما موقف الإله من المجاعات والأوبئة والأمراض التي تجتاح نصف الكوكب الأرضي، ولا ذنب للبشر فيها سوى أنهم ضعفاء، وفقراء، نهبت خيرات بلدانهم، وسرقت ثرواتهم، واستعبدت هاماتهم لطغمة تحكم العالم بسياساتها المدمرة، وأسلحتها المخربة.؟ وما موقف الإله من شعوب اغتالت اللصوص أحلامها، وآمال أبنائها، وسرقت تاريخها، ونضالها، وتضحيتها، وهي تتضور جوعا، وتأكل من خشاش الأرض، وبقايا النفايات، وفتات الموائد، وتسكن على هوامش المدن الفارهة بلا كهرباء، ولا ماء، وتنتظر حدوث معجزة توقد فيها جذوة الأمل، وتنهي مأساتها الإنسانية.؟ وما موقف الإله من سوق الناس في أوضاع مأساوية إلى محرقة جماعية، تنتحر فيها الهمم بلا رحمة العالم المتمدن، وشفقته التي يغني بها على منابره الإعلامية حين يرفع شعارات الديمقراطية، وحقوق الإنسان.؟ أليس بطن الأرض أولى بهذا الإنسان من أن يتعذب في حاضره، وتتألم بسبب غبنه أجيال لاحقة.؟ ألا يحدث هذا مجتمعات مشلولة، تنخرها الأمراض النفسية، والعقلية، وتقتلها سوداوية الأفق، وهلامية المصير.؟ وماذا ستستفيده الآلهة إذا تركت الإنسان في هذا الألم، ولم تسعفه بما يعيده سويا في قواه، وبناه.؟
هذه الأسئلة تطرحها آلام الإنسان، ومعاناته في مجابهة ضغطة أزمات يرسف في أغلالها الصدئة، وأقفاصها العفنة، ومواجهة قسوة ما في هذا العالم من مآسي الفتن، والعصبية، والعنف، والإرهاب. وهي تحتاج في طي متاهاتها إلى موقف عقلاني، وتدبير أخلاقي، يجيب عن سبب هذه الريبة الفاتكة، وينقذ الآلهة والأديان من موتها، وإيداعها متحف التاريخ، لأنها ومهما استعرت فيها تلك النبرة الصاخبة التي ينطق بها وضع الإنسان البائس، واليائس، ويتحدث عن مقتضى حقيقتها بلا خشية، ولا تبعية، لاسيما في زمنِ توافر وسائل التواصل، والتفاعل، وتكاثر أدوات التعلم، والعلم، وتماثل قوى الإرادات، والطاقات، فإن ما كمن فيها من مخاض عسر، تتشكل به متاهات تشي بأعلى درجات الهزيمة، وتوحي بأن شيئا ما يتولد في العمق، ويتناسل في الذات، ويتكاثر في الواقع، ويتماثل صخبه ولجبه في الفضاءات العامة، وهو يرغب في الظهور، ويحن إلى آماله المسكونة بوجع الأحزان، والخيبات القاتلة، إذ ما تتداخل وقائعه، وتتشابك تفاصيله، يربك مسير الإنسان، ويشله عن الوصول إلى مبتغاه في السعادة، والكرامة، ويعطل دوره في صناعة لحظات تكتسي عظمة الإنجاز، والإبداع، والاختراع، لأن ما تتواصل أسبابه، وتتراكم مسبباته، لن يتعود على نسيان حظه في الطبيعة، ولن يتمرن على إماتة كنهه في الوجود، إذ صارت هذه الشعوب المهدورة مع انفتاحها على غيرها، ترى تقدم الدول، وتحضر مدنها، وتمدن قيمها، وتحرر مواطنيها، وتفجر مواردها، وتعدد مكاسبها، وتشهد كيف تهدم حضاراتها، وتخرب آثارها، وتنسف حصونها، وتدمر قلاعها، وتزلزل أركان حياتها، واستقرارها، واستمرارها، وقواعد عيشها، ورزقها، وقوتها، وضوابط أخلاقها، وقيمها، ومثلها، فتتساءل عما فقدته من إحساس الآخر، وضيعته من تشابه الساعات في نبل العالم، وجمال صيرورته الإنسانية. فلم بخلت عليها أحلامها بلون من ألوان تخيلها لرغباتها، وأحلامها.؟
وعلى هذا، فإن ضرورة مقاومة هذه الأفكار السواداوية الملطخة بعار الإخفاق، والهزيمة النفسية، والاجتماعية، تلح على تحليل بنياتها، وتفكيك مكوناتها، واستخراج مركباتها، واستنباط قوانين عقلها للإجابة عن كل إشكالاتها العميقة، إذ تحاكي هذا الصوت النازف في أوطان نكبها الفقر، والمرض، والجهل، والظلم الاجتماعي، وعسر المعيشية، وتجاريه فيما يعن له من آراء، ومواقف، وخيارات، والتزامات، وتسايره في أحداث ووقائع أدى كثير من أحوالها وأوضاعها إلى الحيرة، والتشكيك في التراث الثقافي، والديني، والاجتماعي. ويفرض هذا في طبيعة المرحلة، أن تُستوعب هذه الأسئلة في مجراها الطبعي، ويجاب عنها بمنطق يخدم مصلحة الإنسان، ووظيفته الكونية.
10- أن مطلق الشر يعني كل الأحزان التي تحدث في حياة الإنسان، وتسبب له الآلام، والأورام، وتلبسه لباس الشقاء، والعناء، وتصرفه عن دوره في بناء كيانه، واستقلال ذاته، وتمتيعها بحظها الطبعي في الحياة الرغيدة، وتدبيرها بما يبقيها سليمة، وسوية، وقوية، تواجه معضلات الواقع، ومشكلاته، وتحاول ترميمه، وإصلاحه، وإنقاذه بالفعل الإنساني المسؤول، وإجباره على أن يكون خيرا في حقيقته، وطبيعته، لأن وجود الإنسان على هذا الكوكب المتصارع حول سلطة الإله، وسلطة الشيطان، لا غاية له سوى أن يعيش كاملا، أو متكاملا، ويفارق هذه الدنيا الفانية، وقد تخلصت ذاته من آسارها المادية، وسعدت بما خلفته وراءها من لذات، ورغبات. ويقتضي هذا أن كل خروج عن هذا المنطلق الذي يحكمه منطق الخير، والحب، والجمال، لا ينتسب إلى عالم الإله، وإنما هو من تحريف الشيطان، وتزويره لتاريخ الكون، وتزييفه للحقيقة المطلوبة في الوجود الكلي. لكن ذلك يطرح إشكاليات أخرى في معنى العدالة السماوية، لأن خلق الإنسان، وابتلاءه بما يسببه الشيطان في حاله الجواني، والبراني، لا قيمة له في الاعتبار العقلي، ولو كانت الغاية منه تمحيص صورته، وتزكيتها، وتنقيتها من شوائب البشرية، لكي يكون قادرا على الدخول إلى العالم الأخروي، فيجالس إلهه بصفاء، ويعانق سماءه بنقاء، إذ يمكن أن يتحقق له ذلك، ومن غير أن يتعرض لتراجيديا الألم، ويتعذب فوق هذا الكوكب الكئيب، ويتألم منذ أن ولد وإلى أن ينقل إلى قبره كسيرا، حسيرا، لأن خلق الإنسان، وإرهاقه بهذه الأوجاع المفجعة، لن يمهد له السبيل لأداء وظيفته كما رسمتها الأديان، ولن يؤهله لأن يكون عضوا فاعلا في العائلة البشرية كما حددتها الفلسفات، بل يغذي لديه أحاسيس الخوف من الشبح، ويصيره كائنا متناقضا بين المثال الذي وضع له، وبين واقعه الذي يعيش ما فيه من أزمات، ونكبات، إذ يعطل ذلك جاهزيته لإحداث شيء له معنى، وتفتيق ما ينمي حياته، ويستثمرها في النفع، ويدفع بها إلى التقدم، والحضارة الإنسانية.
وإذا كان الفكر الديني قد حيرته هذه الإشكالات الدقيقة، ومنذ ظهور السؤال في العقائد، ومحاورتها بالمنطق، وآلياته في التفكير، وأدواته في جلب المعرفة، وبروز تيارات تتجاذب طرفي النزاع بين النقل، والعقل، وحدوث حروب طاحنة، ابتدأت بالردة، وتقوت بما حصل في الفتنة الكبرى، وتفرعت بصفين، والجمل، وتمددت بالحرة، وكربلاء، ومقتل الطالبين، وهروب الثوار إلى نائي الأماكن، وبناء دول عقدية، فإنه لم يطق أن يجيب عنها خارج دائرة نصوصه التي تؤصل لإطاره النظري، ومنظومته الفكرية، وسياقاته الثقافية، وأنساقه المعرفية، لأن منطق التسليم الذي يستلزم الخضوع، والخنوع، ويستوعب التبعية، والتقليد، ليس هو منطق العقل الذي يختبر الآراء، ويضرب بعضها ببعض، لكي تتفكك بنية الفكرة، وتتمحص الصورة، وتأخذ ملامحها الحقيقية، على اعتبار دليل العقل مستوى من مستويات الإدراك البشري، إذ هو في جهده يسعى إلى أن يتعرف على الأشياء، ويبحث في حقائقها، ويفتش عن معانيها، ويتتبعها بالاستقراء لجزئياتها، أو سبر أغوار أفرادها، ثم يحكم على ماهيتها بالنفي، أو الإثبات، فيُبقي ما استقام دليله، ويصادر ما سواه، على اعتباره أداة ضرورية في التكليف القولي، والفعلي.
ومن هنا، فإن قضايا الفكر مرتبطة بالاستقراء الذي يبني قاعدة وجود الشيء من عدم وجوده، لأن النفي، أو الإثبات، يعني أن حقيقة الشيء قائمة في الذهن، ولو لم تكن له صورة مادية، وأن ذلك الشيء له موضوع في الواقع، ويحتاج إلى أن يحمل عليه الحكم بالوجود من عدمه. وعلى هذا، فإنهما (النفي والإثبات) يتشكلان من ثلاث معان، الصورة الماهوية الذهنية (الفكرة)، والصورة الماهوية الواقعية (الشيء)، والصورة الماهوية الحكمية (الحكم)، وإثباته لا يعني إثبات أو نفي ما عداه من الأمور العدمية، أو الوجودية، وما يتعلق بهما من نسب التساوي، والتباين، والعموم، والخصوص، لأن ذلك مرتبط بحدود الحكم على الشيء كفكرة، أو ما يصدق عليه كواقعة. وهذه النسبة الحكمية التي تربط بين فصي القضية، هي التي ينظر في معاييرها إلى الصدق، أو الكذب، لأنهما يتجهان أولا إلى حصول ذلك الشيء من عدم حصوله (الفكرة كواقعة)، ويتجهان ثانيا إلى الحكم عليه بالوجود، أو بعدمه (الفكرة كمفهوم)، لكي يتحصل البرهان على جميع طرقه، وأدواره، وتقوم الحجة بالإقناع في الالتزام العقلي بالقضايا المحررة منطقيا، ومعرفيا.
ومن هنا، فإن الفكر الديني، يستعمل في بعض الموارد الميتافيزيقية الأخيرين (الصحة والكذب كقيمتين صدقتين) في محل الأوليين (النفي والإثبات كقيمتين حكميتين)، وهما متنافيان من حيث المفهوم، والمقتضى، والمدلول، والموجب، لأن قيمة الصدق تلازم نسبة الحكم على واقع الشيء، وهكذا الكذب، على اعتبار سلامتها (النسبة) في إقامة البرهان من عدم سلامته،؛ أي هل هذا الاستدلال صحيح.؟ أم غير صحيح.؟ والنفي يرتبط بالذات، وهكذا الإثبات، على اعتبار العودة إلى ذات الشيء بعد فحصه في واقعه، فنسأل عنه: هل هو موجود.؟ أم غير موجود.؟ لكن ما تحرف من قاموس التعامل مع القضايا الفوقية المتعالية، غيَّر مراتب هذه المعاني، ومزج بينها في مركب غير سليم البنية، والفكرة، إذ النفي سابق على الإثبات، ولو عكسه الفكر الديني المتضخم بأناه في بعض مناحي بناء معجم لغته، وصياغة ألفاظ مفاهيمه، لأن ما هو ثابت لا يحتاج إلى استدلال على وجوده، أو استظهار لحقيقته، إذ الاستدلال عنه لغو، ومباهتة، ومغالطة. ولهذا اقتضى المقام أن يبحث عن الشيء غير الموجود لإثباته، وإبرازه إلى الوجود الظاهري الذي لا يقبل الإنكار، لأن نفيه حاصل نظرا، لا بداهة، إذ البدهي جلي، وبين، وهو من باب المسلم به الذي لا يحتاج إلى دليل في الإقناع، لأنه إذا تحرر الوجود للمنفي استحال ثابتا، ولو في مرتبة من مراتب الوجود الذهني، أو العقلي، أو الحكمي، أو الواقعي.
وبناء على هذه القاعدة، يستلزم هذا أن يكون الانطلاق من نفي الإله إلى إثباته هو المنهج السليم، والمهيع القويم، لأن دلالة الإنكار أولى من دلالة الإثبات، وكلاهما توضحان معالم بناء القيم الفكرية في الأذهان، وأساس المعرفة في الإدراك للماهويات، والمعاني، والمفاهيم الجامعة، إذ يبدو لنا ذلك جليا في شك إبراهيم الذي استدل بالموجود على الوجود، وفي كلمة الشهادة التي نفت الآلهة كلها، لكي تثبت إلها واحدا، هو المستوجب لكل ما يربط الإنسان بإلهه من مدار، ومراد. ومن هنا، فإن استعمال الصدق، أو الكذب، أو الصحة، والفساد، أو البطلان، لا يعني في غايته القصوى، ولو أقمنا عليه حروبا عابثة، ومزقنا في سبيله رغبة الجماعة، وقصدها في مشتهى الهدوء، والهناءة، إلا أن نصحح الأفكار على ضوء الواقع، ونحكم عليها بأنها مماثلة له، أو مخالفة له، إذ هي ليست إلا نظرا إلى القواعد والأركان والشروط والضوابط التي يحصل بها اليقين، أو ما يقرب منه في الظن، على اعتبار ذلك مؤهلا لأن تحصل به براءة الذمة في التكليف.
وهكذا، فإن تاريخ الشيطان، وما لابسه من إشكالات في معضلة الشر، والخير، قد تربت عليه مناح في السؤال، تدور حول مواضيع شائكة، تناولتها كتب الأقدمين بلا خشية، إذ تحدثوا عن أصل الإنسان، هل هو خير مطلق.؟ أم شر مطلق.؟ أم يعيش بينهما، وخلوصه لأحدهما لسبب ذاتي.؟ أم لسبب عرضي.؟ أم هما معنيان لا ماهية لهما، وإنما يعرفان بالعقل، والتواطؤ على المعاني المؤتلفة.؟ إن هذه الأسئلة ستجرنا إلى شعب كثيرة في القول، يضيق بها المقام الذي نحرص على أن يكون محفوفا بالفائدة، لكن ما نريد أن نستوعبه، ونحدد بعض معالمه، أن الراهب في إحدى عمليات بسط نفوذه، وفي لحظة من لحظات تاريخ الفكر البشري، احتاج إلى مقوم الشر كفاعل يسوغ له ما أراقه من دم الإنسان، وما اجترحه من مآس في تاريخ الإنسانية، لكي يحصل له التكامل في القوة المستحوذة على الأجساد، والأرواح، فاستوحى منه ذلك أن يقسم جنس الجن إلى مؤمنين، وكافرين. وهنا انبنت معضلة أخرى في العقل الإنساني، يصعب مع مرور الزمن، وتقدم العلم على الخرافة، وتمدن المدن، والأمصار، وتطور البنى المعرفية للفكر البشري، أن يتجاوزها، ولا أن يتعالى على ما تفرضه من تفسيرات، وتأويلات، إذ ما يحصل من اختلال التوازن في صيرورة الاجتماع، والعمران، وما يحدث من معضلات في موجهات الثقافة، والحضارة، قد وسع الهوة بين طبقات المجتمعات، وضيق الحصار على الفقراء، وقوى عضد الأغنياء، ورسخ شجع ملاك وسائل التجارة، وفواعل السياسة، وحواضن الاقتصاد، فأدى ذلك إلى ضرورة وجود هذه الأشباح التي تتربص الدوائر بالإنسان، وتنتظر غفلته، لكي تخرجه من دائرة الفعل السوي، وتزج به في أتون الفساد، والهلاك، لأن ما أنتجه هذا الوضع المتردي من سياق متخلف في التعليم، والصحة، والسكن، وفرص الشغل، والعيش الكريم، لم يبرز إلا تفاوتا مهولا بين طبقات المجتمع، وعدم المساواة في الموارد، وتوزيع الثروات، إذ احتكارها، واستغلالها في الثراء، والرفاه الشخصي، وانحرافها عن قصدية نمو الاقتصاد، وتطوره، وجهوزيته لخلق مجتمع ديمقراطي، قد قتل روح المبادرة، والمنافسة، وشل حركة المجتمع، وأمنه، وسلمه، وفرض مناخا قابلا للغيبيات، والتفسيرات الميتافيزيقية. وهذا الوضع المتردي، والمتهالك، قد أفضى بالفقراء إلى البحث عن حلول لمشاكلهم اليومية، والتخفيف عن معاناتهم التي تفجرت من مهادها أوضاع خطيرة، أثرت على استقرار الأسر، وتربية الأبناء، وتقويم السلوك العام، ونتجت عنها مفارخ للجريمة، والمخدرات، والعنف، والعنف المضاد، والإرهاب، لأن تفكك الأسر، وانهيار مقوماتها التاريخية، والحضارية، هو تفكيك لكل البنى الفوقية للمجتمع، على اعتبار الأسرة نواة يتكون منها جوهر الجماعة بثقافتها، وفكرها، إذ منها تنشأ كل المكونات التي تبني أسس الدولة، وهياكل مؤسساتها، لأن جاهزية الفرد للفعل المتكامل، هي فاعليته في كليته الجماعية، إذ به تتأسس معاني المشترك في المتآلف عليه، والتعدد في المختلف فيه، والتنوع في المتفق عليه، لأنه جزء من جزئيات كلية هي في ماهيتها مجموع أفرادها، على اعتباره فاعلا في سياقها، ومنفعلا بما تلقفه مبادئ الحياة في حضن أسرته، ومورد تعلمه، ومجال عمله، إذ كلية الجماعة التي تجتمع في غايتها رغبات أفرادها، لا تحاكي إلا ما فيها من سياقات نفسية، وأنساق اجتماعية.
وما دام الفقراء، لم يجدوا حلا ماديا لهذه المعضلات التي تفاقمت، وتكاثرت أوضاعها المأساوية، فإن التفسير اللاهوتي لكثير من الأعراض التي طرأت على حياة البشر، وأحدثت ألما ظاهرا، وعناء كاسرا، سيكون له دور في تطمين عقل الفقير، وطمأنته، وإسعافه بالحلول الجاهزة التي لها سند لها في الواقع الحقيقي (كحلول الإسلامويين لمشكلات الدولة الحديثة). وإلى جانب هذا، تُوسع هذه الحلول اللاهوتية مدارك الغني، وتُصير تغيير لبدة الواقع مستحيلة، وغير قابلة لأن ينظر إلى مآلها الذي يبين وجهة فعل الإنسان، وحقيقته في سبك مفاهيم الحرية، والمساواة، والعدالة، وحفظ ما انطوت عليه من سعادة الإنسان، ورفاهيته، وسكينته، لأن ما وقع من تفاوت طبقي، وتمايز في المراتب الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، قد أنتج حال هذا الكائن الضعيف في وضعيته القائمة، وأفرز مجالا خصبا للخيال، والأوهام، والأحلام الهزيلة. وهذا الواقع الملتبس في صورته، والمحتمل لعقلانية الإنسان، وخيالاته السارحة في فضاء اللامعقول، إما أن يكون من وضع الإله انتقاما من الخطايا التي طالت بخزيها الفقير، والغني، وإما أن يكون من فعل فاعل، أراد الشر في الكون، فأوكل جنود الخفاء بتعطيل حياة الإنسان، وتأزيم واقعه، وتدبيره بما يضمر نحس حركة الأجرام، والأبراج، وشؤم المطالع، والأنواء، وأثرها على القدرات، والمواهب، والطاقات، والذكاء، وإما أن يكون من كسب الإنسان المختل فعله عن مقتضى النواميس، والقوانين، فأجبَرَ ذلك نظامَ الحياة على أن تمنع فاقد لغتها مِن ربحها، ونجاحها، إذ التماس تلك النظم الكامنة في الأشياء، والتزامها في الحركة، والاهتداء بها في السلوك، هو الذي يكشف طرق الفوز، والخسارة، ويعبد الطريق إلى السعادة، والهناءة. وإذا انحرف عنها الفعل في نياته، وغاياته، كانت نتائجها خارجة عن سياق مراده، ومرامه، فاستحال الفعل خرابا، وبوارا، لأن سياسة الحياة، وما تواجد فيها من مكاسب، ومجالب، لا تتم إلا بأخذ حقائقها كاملة، وجلية، والتفاعل معها بما تقتضيه حكمتها من سعة، ومرونة، إذ هي الفعل، وأثره، والمقدمة، ونتائجها. لكن هذا التفسير الأخير، يبقى محدود الأثر في واقع ما يحدث من تجاوز بين الإنسان، ومقومات ذاته، ومكوناتها في الطبيعة الكونية، ما دام الراهب يفسر فقدان الإنسان لمهاد أمانه بأنه انتقام إلهي، وما دام هذا الإنسان المتخلف في رؤيته الوجودية، يعتقد أن ذلك من تدخل الجن في عالم الإنس، ومن تلبيسه، وتسويله، وإغرائه بما يدمر الكيان، ويهزم فاعليته للتحول بين مراحل الحياة بأمان، وسلام. لكن، هل يصح ذلك.؟ ألا يتنافى ذلك مع عدالة الإله، وهو ما أوجد هذا الكائن إلا لينوب عنه في العمارة، والاستخلاف.؟ ألم يخلق الخلق ليرحمهم، لا ليعذبهم، وهو أرحم بهم مما سواه.؟ وماذا ستستفيد السماء من كآبة حياة الإنسان، وتعاستها، وغرقها في بحار من اليأس، والملل، والضجر.؟ ألم يكن من دور الملائكة أن تتدخل لإحقاق الخير، وإزهاق الشر، وإنقاذ هذا الإنسان من معرة واقعه الأليم، الأثيم.؟ أليس من الأولى بكل قوى الخير أن تطارد هذا الشيطان، أو هذا الجني، لكي تستقيم حياة البشر، ويسلس لهم قياد الحضارة، والتقدم.؟
وبناء على هذا، حاول الر اهب أن يستخرج بدايات مفردات الشبح من الخيمياء كما قلنا، لجهله بالناموس الذي يقوم وراء كل فعل غير ظاهر الحركة، فاستحالت معرفتها خرافة تافهة، تنتج الخوف من الشبح، وتسوغه بحكاياتها الكاذبة،. وإن كانت الخرافة كما قلنا بداية لتفجر العلم، ومرحلة من مراحل تطوره، وبروزه كمحاولة لمقاومة الطبيعة، والتمرد على ما تأتي به من نكبات، أو كمحاولة لتفسير هذه الجوائح التي تجتاح الإنسان، فتدمر بيته، وتخرب زرعه، وتقتل ضرعه، وتقلع أشجاره، وتعور مياهه. وهكذا الدين، كان كالخيمياء في بدايات فعل التفلسف، والتأمل، والاستبصار، ثم استحال خرافة تمتع الشبح بالقوة، والبطش، والفتك، وتجعله قادرا على أن يلتهم العالم، ويبتلع كل من يدب على ظهره غاديا، أو رائحا، ويزدرد كل قوة لم تصغ حقيقتها بمقتضى مراده، وواجب رغبته، وتصيره متساميا بما أوهمه به عقله الفذ، ومتعاليا بما توهمه من النيابة عن الآلهة، والخلافة عنهم في تنظيم رزق أهل الأرض، ومقادير حياتهم، وآجالهم في البقاء، والفناء. وهكذا كل المعاني التي كانت سهلة المبنى، وبسيطة المعنى، ثم غدت بلكنة الشبح، ورطانته، وفجاجته، وقبح طباعه، وعفن ذوقه، لا تحتمل إلا التعقيد الذي شربت خمرته من غرور العقل الفرد، وكبريائه، وجبروته، على اعتباره متقمصا لذات الإله، وصفاته، وأفعاله التكوينية للطبيعة، والتدبيرية للكون، والتركيبية للوجود، لأن الشبح فكرة تنتج الخوف ترهيبا، وترويعا، وهكذا الراهب فكرة تنتج التخدير تحريفا للتاريخ، وتزييفا لمنطق الكون، وتضليلا للغته في التعبير عن وحدة الأجناس، والكليات، والعلل، والأسباب، والنسب، وإن اقتضى الماصدق، أو الجزئي، أو الفردي، أو الشخصي، أن يكون متعددا، ومتنوعا، لأن الإنسان في بداية التلاقي مع الأرض، كان حرا، ومريدا، ومختارا، ثم صار عبدا في ضيعة الأقوياء، وقنا متوارثا بين الأجيال، تقوده وضعيته في سلم اجتماعي إلى أن يقبل بما فوقها من طبقات مستعلية، إذ كل انحراف يحدث في سياق أصل البشر، أو تفنيد يطرأ عليه، ويسبب فيه العبودية، والاسترقاق، لا يأتي إلا من الشبح الذي يفرض تفسير الأشياء بما هو خفي المظهر، أو من الراهب الذي يفترض أن عقله هو الأكمل للقدوة، والاتساء.







اخر الافلام

.. بدون فلتر | الموسم الثاني - الحلقة السادسة


.. هل سيقضي كارلوس غصن عيد الميلاد في زنزانة يابانية؟


.. التحالف الانتخابي لرئيس وزراء أرمينيا يحقق فوزا ساحقا في الا




.. ريفر بلايت يتوج بكوبا ليبرتادوريس بفوزه على غريمه بوكا جونيو


.. مرآة الصحافة الثانية 10/12/2018