الحوار المتمدن - موبايل



نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(1)

ميثم الجنابي

2018 / 10 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الحجاج الثقفي– نقد تقاليد السلطان والخصيان!(1)

"هلاك هذه الأمة إذا ملك الخصيان"
(سفيان الثوري)
تقديم
إن التاريخ خلافا للأحلام والأوهام يصدق فيما يقول ويفعل، بمعنى إن كل ما فيه مما فيه. وهو الشيء الذي يجعله على الدوام موضوعا للجدل والخلاف، خصوصا حالما تتدخل في تفسير وتأويل أحداثه وشخصياته المصالح الضيقة والأهواء، أي المكونات الملازمة لبقاء الزمن واضمحلال التاريخ أو انعدامه في الوعي. مع ما يترتب عليه بالضرورة من ضمور الرؤية النقدية وفكرة الحرية. بينما الحقيقة لا تعقل بدون الرؤية النقدية وفكرة الحرية. لاسيما وأن مسار التاريخ الفعلي هو تذليل دائم للزمن العابر، أي كل ما يؤدي بالضرورة إلى جعل الحرية الملاذ الوحيد والنهائي للحق والحقيقة. فهو المجرى الوحيد القادر على ربط حلقات التاريخ في سلسلة وعي الذات والتحرر من رق العبودية لغير ما فيه. فالتاريخ الحقيقي روح.
فقد كانت العبودية وما تزال، بوصفها ظاهر الاستبداد بشكل عام والسياسي بشكل خاص، من بين أكثر المعوقات الكبرى أمام التطور الطبيعي والارتقاء الثقافي السياسي للأمم. فكلما يزداد الاستبداد السياسي كلمات تنشط عناصر الوعي التاريخي بمختلف مظاهرها. وفيما لو القينا نظرة متفحصة على نوعية ما يجري تقديمه من معلومات وأخبار وقضايا مثيرة للاهتمام وولع بالأفكار وتياراتها القديمة والمعاصرة، فإننا نلاحظ تلازم النظم الاستبدادية مع ظواهر انتشار الأفكار المتخلفة بمعايير العقل، والرديئة بمعايير الأخلاق، والقاتلة بمعايير الروح، والمدمرة بمعايير العلم، والمغلقة بمعايير المستقبل. ولا غرابة في الأمر! فالاستبداد هو رديف الجمود والموت. ومن ثم تتجسد عبره ملامح الجمود والانحطاط. وبالمقابل تصبح مقارعة الاستبداد والسعي لإزالته، المهمة الرئيسية للوعي العقلي والعقلاني والنزعة الإنسانية، أي كل ما يؤدي إلى نمو واستقامة المساعي الحثيثة لتأسيس فكرة الحرية ونظامها الاجتماعي السياسي المناسب. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال "الربيع العربي". فحالما جرى سقوط وإسقاط بعض النظم الاستبدادية، أخذت بالبروز مظاهر التشدد وبعث وتقوية مختلف أشكال التيارات السلفية والحركات الارهابية. بينما توسعت أذواق القتل والتفجير والاغتيال بعد انتصار "الحرية المفطومة" لثورات "الربيع العربي". ولم يكن ذلك معزولا عن كون ثورات "الربيع العربي" لم تكن ثورة عربية واحدة. الأمر الذي أبقى على بقايا الاستبداد في العالم العربي واستفحال قواته بأثر هلعه الغريزي من فكرة الحرية والمستقبل. وهذا بدوره استمرار لحالة البقاء المتشبث بالسلطة من جانب البنية السياسية التقليدية القديمة. "فالربيع العربي" حدث في بقاع المناطق الثقافية للعالم العربي ونظمها السياسية الجمهورية. وبغض النظر عن فشلها النسبي في التحديث والعصرنة وبناء النظام الاجتماعي والسياسي والعقلاني، لكنها استطاعت أن تنشأ مجتمعات سياسية حيوية وثقافة واسعة تناسبها، في ظل ظروف صعبة وقاسية بأثر تخلف المبنية الاجتماعية والاقتصادية، وضعف النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص، وضغوط ومغامرات المراكز الكولونيالية القديمة والحديثة، ومؤامرات البنى التقليدية المميزة للدولة الملوكية بشكل عام وشبه الجزيرة العربية بشكل خاص. وبالتالي، فإن ثورات "الربيع العربي" هو دليل على نشاط وحيوية هذه المجتمعات وتأملاتها المستقبلية، بينما كان وما يزال "ثبات" النظم التقليدية الملوكية استمرارا لتقاليد الاستبداد الشامل. الأمر الذي جعلها دوما وما يزال مرتعا للمؤامرة والانحطاط الأخلاقي والسياسي والقومي. فدول الجزيرة العربية استبدادية مطلقة بالمعنى السياسي والاجتماعي. من هنا تخلفها المريع وكراهيتها المطلقة لفكرة الحرية والمصالح القومية العربية العليا.
وقبل ذلك، حالما جرى إسقاط الحكم الاستبدادي المطلق للصدامية، بأثر الغزو والاحتلال الأمريكي، الذي أكثر من ساهم به والتحضير له على مدار عقدين من الزمن (الحرب العراقية – الإيرانية، والحصار الشامل لاحقا بأثر غزو الكويت) السعودية ودول الخليج نفسها، نراها تبدأ بالتخطيط والعمل على تخريب مساعي الحرية الآخذة بالنمو في عراق ما بعد الاحتلال. طبعا، ان مساهمتها في "تحرير" العراق تحت بيارق الغزو الامريكي كان امرا لابد منه بالنسبة لهذه الدويلات المخصية. لكنها مع ذلك تحسست بفعل الغريزة، الخطر الكامن في النظام السياسي العراقي الجديد. من هنا استعانتها بالفكرة الطائفية والمذهبية لكي تكون غلاف الصراع ضد الحرية. ولا يخلو هذا الموقف من تحسس فعلي للواقع الجديد. وبالتالي، أصبح الصراع ضد الشيعة والتشيع مادة التخريب وأداة المواجهة الشرسة، وجرى استذكار الصيغ الموضوعة والمشوهة والمبتذلة لتقاليد "أهل السنّة والجماعة" عما يسمى "بالروافض" و"الصفوية"، و"المجوسية"، و"مؤامرات" الشيعة وشخصية العلقمي ما شابه ذلك. أما السبب الفعلي فيقوم في تحوّل شيعة العراق إلى القوة الحاملة للفكرة الديمقراطية والاجتماعية والوطنية والعربية. واستطاعت السعودية وقوى الخليج الأًخرى إلى تأليب "أهل السنّة" في العراق ضد الحكم الجديد. مع إنهم لم يكونوا بحاجة للتأليب، وذلك لأن الفكرة الطائفية السياسية السنيّة "الجديدة"، كانت محكومة (وما تزال) بنفسية ضياع السلطة. فالنظام الانتخابي والديمقراطي يجعل الشيعة بالضرورة القوة الحاكمة، بغض النظر عن طبيعة احزابها السياسية الحالية (والتي يتسم اغلبها بضيق الافق والأنانية والدناءة وضعف الأخلاق والعقل). من هنا يمكن فهم حالة الاستنفار الارهابي الشنيع وتمويله من جانب السعودية وقطر والإمارات والكويت. وهذا بدوره لم يكن إلا الصيغة الجديدة لتقاليد الانقلابات العسكرية، التي كان يخطط لها ويقودها ويموّلها انجلترا والولايات المتحدة، وينفذها "أهل السنّة" على امتداد تاريخ العراق السياسي الحديث!! إن هذ الظاهرة المعقدة نسبيا، كانت من حيث الجوهر نتاجا لنفسية وذهنية الاستبداد بالسلطة. من هنا توافقها مع مساعي دويلات الخليج المخصية "باسم العروبة" المزيفة. إلا أن الصراع العنيف ونتائجه قد أدت إلى هزيمة هذه القوى بمعايير الفكرة المستقبلية. ومن ثم تحوّلها إلى جزء من الماضي المنقرض. لكن رصيدها "التاريخي" مازال فاعلا ما لم يجر تذليل الخلل والإعاقة العقلية والأخلاقية الكامنة في مصادره التاريخية والفكرية ونماذجه السياسية.
فالتاريخ العربي، كان في أغلبه زمن الاستبداد. وما وضعه الكواكبي في "طبائع الاستبداد" يكشف عن حيوته لحد الآن بسبب بقاء حالة الاستبداد بل واستفحالها المدعوم بأموال البترودولار أو مال الصدفة الغبية! وبالتالي، فإن نقد الاستبداد مازال مهمة فردية واجتماعية ووطنية وقومية وثقافية كبرى. الأمر الذي يجعل من الضروري تتبع ونقد مصادره ومظاهره في كافة المجالات والمستويات. لاسيما وأن الاستبداد في العالم العربي متغلغل في كل مسام الوجود والوعي، بدأ من الحرف والكلمة، وانتهاء بالنظم السياسية والقيم الاجتماعية والاخلاقية، والقواعد القانونية، والعقائد والأديان، والايديولوجيات والأحزاب، والأذواق والعادات، والملائكة والشياطين، والأئمة والله! باختصار في كل شيء!
غير ان الاستبداد السياسي يبقى في نهاية المطاف القوة المحددة لأغلب مظاهره. وهذا بدوره ليس معزولا عن استعداد "الوعي الجماهيري" أو وعي العوام للانسياق وراء أوهام "القوة" و"العظمة" للاستبداد نفسه. غير أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم ليس في الطابع المستلب لهذا النوع من الوعي الجماهيري، بل وبأثر البطش الظاهري والباطني للاستبداد نفسه الذي جعل الانسان والجماعة أشبه ما يكون بنشارة الحديد المندفعة صوب مغناطيس القوة والبطش، أي صوب مغناطيس الاستبداد نفسه. وليس مصادفة أن نسمع صياح وعياط ونواح أيتام الاستبداد نفسه بعد إعدام الطاغية صدام حسين، أو كما نراه في بعث شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي لكي "يلّقن اهل العراق" ما يستحقونه من التعذيب والسجن والقتلّ. حيث ظهرت آنذاك الكثير من الكتابات المدافعة عن "مآثر" الحجاج! ولم يكن هذا في الواقع سوى الوجه الآخر لسيادة أو بقاء العبودية السياسية وأخلاق العبيد. اذ عثر على كتابات تحتوي على عباراتمثل "ليت الحجاج برجع الآن للعراق ليدعوا أصحاب العمائم السود والبيض وقواد جيوشهم ورعاعهم إلى المسجد ليعيد مخاطبته إياهم: "أنا ابن جلا وإطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني"، و"يا أهل العراق! يا أهل الشقاق والنفاق"، واستكمالا بعبارات مثل "استوثقوا واستقيموا، واعملوا ولا تميلوا، وتابعوا وبايعوا، واجتمعوا، واستمعوا، فليس منّي الإهدار والإكثار وإنمّا هو هذا الِسّيف". وبعضهم ينادي الله بعبارة "اللهم اعطنا حجاجا أو أبعث الحجاج من قبره وأرسله إلى العراق الآن، لأن العراق بحاجة قصوى لحجاج". كما ظهر من قال وسيقول نفس الكلام عن زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، والقذافي، وعلي عبد الله صالح..... ففي هذه العبارات النموذجية تنعكس نفسية وذهنية العبودية المترسخة في أعمق اعماق "المثقفين" وأمثالهم من مرتزقة السلطة.
يعكس هذا النمط من الثقافة والمثقفين تقاليد ما اطلقت عليه الثقافة الاسلامية القرّاء السفهاء، وعلماء السوء، والمأجورين وغيرها من الاوصاف. وعموما هي "ثقافة الجهل والجهلاء". وجميعها يشير إلى حقيقة جلية وهي إن أنصاف المتعلمين، ومرتزقة الثقافة منهم بالأخص هو جزء، وقد لا يكون صغيرا، من بقايا ثقافة الانحطاط والعبودية الصلفة، أي تلك الثقافة المنحطة التي يمكن اعتبار الحجاج الثقفي احدى امثلتها "النموذجية" الكبرى.
***

إن الظهور السريع لشخصية الحجاج الثقفي على مسرح الزمن السياسي للأموية وانهياره المريع أمام التاريخ الروحي للكينونة العربية الثقافية يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة الانقلاب الحاد والعاصف من الخلافة إلى الملك (الملوكية)، أي من إمبراطورية الدولة الإسلامية الى إمبراطورية السلطة القبلية. وقد لازم هذا التناقض الأموية واستحكم في أعماقها حتى النهاية. وهي نهاية كانت محكومة ببدايتها. فقد كانت الأموية النموذج الصارخ لافتعال الفتنة والعيش بمعاييرها. من هنا صراخها الداخلي الذي جعل الحياة وما فيها ولولة وعويل. مما طبع كل مظاهر حياتها بابتسامة الموت الشاحبة. مع ما يترتب عليه من سيادة القلق الداخلي وتناثره المرعب في الأعصاب والأنساب!
فقد كانت الأموية النموذج التاريخي للحالة التي تحوّل فيها القلق إلى سيد المواقف. وليست هذه الحالة معزولة عن سيادة زمن السلطة. وفيها يمكن رؤية الصعود السريع والهبوط المريع، لأنهما كلاهما من هوية واحدة، هي هوية الزمن العابر، وانعدام التراكم الطبيعي. وقد استمدت هذه الحالة مقوماتها وآلية فعلها من طبيعة وكيفية الصعود الأموي للسلطة، مما جعل من السلطة بداية ونهاية الوجود الفعلي لكل شيء.
ومن مفارقات التاريخ الغريبة أن يكون مولد الحجاج بن يوسف الثقفي عام 41، أي في "عام الجماعة"! فمن الناحية الفعلية لم يعن "عام الجماعة" سوى تتويج "الإجماع" بخيانة مضمونه الحقوقي. وهو المعنى الذي اخمد كل الاحتمالات الرمزية للوفاق الاجتماعي الحر بوصفه توفيقا للعقل والوجدان. كما أنها المقدمة التي جعلت من فكرة "الجماعة الإسلامية" فكرة عبودية، بوصفها الصيغة اللاهوتية لفكرة الاستبداد السياسي المميزة للأموية. وفيها ينبغي البحث عن مصادر الإرهاب الشامل الذي ميز شخصية الحجاج وعبوديته التامة للسلطة الأموية. مما جعل منه سبيكة لا مثيل لها في تمثيل الاستبداد. مع ما ترتب عليه من انتهاك شامل لفكرة الحق والحقوق والإنسانية. بمعنى تجسيده لفكرة المسخ والممسوخ الثقافية التي تجعل من الإعدام أسلوب الوجود الحق! وليس مصادفة أن تكون عقوبة الصبر (الإعدام) هي الأكثر قربا إلى نفسية وذهنية الحجاج الغريزي! حيث تشترك المعطيات التاريخية في إبراز الكمية الهائلة من البشر الذين تعرضوا إلى عقوبة الإعدام، إضافة الى عدد السجناء والمشردين والمنفيين والمجبرين على التنقل والهرب والإقامة الجبرية. ويوصل بعض المؤرخين عدد من أعدمهم أبان حكمه للعراق والمشرق الى مائة وعشرين ألفاً. إضافة الى خمسين ألفا ممن توفي في السجون .
وقد استخدم الحجاج أساسا أسلوب القتل السريع بقطع الرقاب. لكنه استعمل أيضا كل ما وصلت إليه قريحته وخياله المريض، بما في ذلك مختلف أساليب التعذيب. ومن تتبع مختلف أساليبه التي تشير اليها كتب التاريخ يمكن التوصل إلى "استفادته" من تجارب الدول والأمم جميعا. بحيث جعل أحيانا من التعذيب أسلوبا للترفيه و"الكرم" المريض كما نراه على سبيل المثال في القصة المروية عن استعمال الحيوانات الضارية في تنفيذ عقوبة الموت. حيث أطلق على لص أسد جائع بعد أن شد يد اللص اليمنى وأعطاه السيف ليمسكه بيده الأخرى (وهي أيضا طريقة للتعذيب والترهيب، باعتبار اليمنى اليد العملية، أما اليد الأخرى فهي مجرد اضافية!). وقد تمكن اللص من قتل الأسد، مما دفع الحجاج للإفراج عنه. وهو إفراج لا علاقة له بفكرة الحق. ومن ثم لم يكن الحق والحقوق بالنسبة للحجاج (والأموية عموما) سوى القصاص المقرون بالرغبة الفردية للحاكم. وهو واقع يعطي لنا إمكانية القول، بأنه لم توجد في الفترة الأموية فكرة إسلامية عن الحق والحقوق، باستثناء مرحلة عمر بن عبد العزيز. بل أن انعدامها اللاحق هو استمرار للأموية التي بذرت بذورها الأولى العفانية (من عثمان بن عفان).
وتمم ذلك بسلسلة من الإجراءات القمعية التي صنعت أحد أشد وأعنف النظم القمعية والإرهابية في التاريخ العراقي. إذ ربط في كل واحد أساليب القتل والتعذيب والقمع والإكراه. بحيث لم يرحم حتى الأطفال والعجائز والشيوخ . وجعل من مدينة واسط عاصمته من تحدي المعارضة. بحيث جعل الدخول إليها تحت رقابة أمنية مشددة. بمعنى الدخول إليها بموافقة رسمية!
لم تكن شخصية الحجاج القمعية فريدة من نوعها بقدر ما أن نموذجيتها تقوم في "تهذيب" منظومة الإرهاب والقمع إلى أقصى درجاتها الممكنة وتقديمها على أنها الصيغة المثلى لفكرة الدولة والأمة والدين. الأمر الذي "حرره" من كل التزام أخلاقي وقانوني. وضمن هذا السياق كان الحجاج التجسيد التام للرغبة الأموية الدفينة، أي للصيغة المطلوبة من جانب "الارستقراطية" القرشية التي وجدت في الحجاج الثقفي مهمة "تثقيفها"!، أي جعلها أكثر حدة في قدرتها على العقاب الشامل والقتل الكيفي. إذ نراه يدفع أساليب من سبقوه، وبالأخص زياد بن أبيه إلى ذروتها، بما في ذلك أساليبه الأخرى مثل تتبع ومعاقبة أهل المعارضين وأقربائهم وغيرها من الأساليب.
لقد جعل الحجاج من العراق سجنا كبيرا لأهله. وصمم كل ما من شأنه تفعيل طاقة وأساليب السجن الكيفي والأحكام العرفية، بحيث أوصل البعض عدد السجناء الذين خرجوا منه بعد موته الى ثمانين ألفا، ثلاثين منهم من النساء. وجعل من الجماعات أفرادا مجزأة. ودفع بالتجزئة الظاهرية صوب استكمالها الباطني من خلال تحويل السخرة الى "نظام" مقبول، أي جعل من السلطة مالكة "البلاد والعباد"، كما نراه على سبيل المثال في جعله السخرة أسلوبا في تنفيذ مشاريعه "العمرانية".
لم يكتف الحجاج بتحويل العراق الى سجن، بل وانهمك في بناء السجون الكبيرة. وتنقل كتب التاريخ عنه بناءه لأحد اكبر السجون في الكوفة، بحيث جعله بدون سقوف وغرف. ومن ثم تحويله الى مكدس للسجناء. وقد اختلفت روايات المؤرخين للأعداد التي خرجت منه بعد موته، إلا أنها تجمع على أن عددهم لم يقل عن عشرين ألف سجين. بينما يوصله البعض الى مائة وعشرين ألفا، بما في ذلك أعداد كبيرة من النساء. ومهما يكن من العدد المشار إليه أعلاه إلا انه يعكس حجم ونوعية الإرهاب والقمع الذي مارسه الحجاج. وقد يكون هناك بعض التهويل في العدد، وبالأخص تجاه النساء، إلا أنها معطيات لا تتعارض من حيث الرؤية النقدية لممارسة الحجاج مع الواقع. فقد وسع الحجاج مختلف أساليب الإبادة الجماعية التي اتبعها زياد بن أبيه، بما في ذلك قتل وإعدام النساء.
ويمكن اعتبار الحجاج الثقفي من بين اوائل من فكر واهتم ونفذ أساليب السيطرة الشاملة التي تقترب مما ندعوه اليوم بالنزعة التوتاليتارية في الحكم. ووجد ذلك تعبيره في وضعه لقواعد الحياة العامة والخاصة، أي التدخل في شئون المجتمع والأفراد بالشكل الذي يحيّد أية إمكانية لتجميع القوى والمعارضة. لهذا نراه يمنع التجمهر. بل بلغ به الأمر انه كان يمنع الناس من الركوب مترادفين، وألزم كل رجل أن يركب وحده. وبلغ به الاستهتار حدا بحيث اخذ يفرض عيش الجنود عند العائلات بدلاً من عيشهم في ثكنات ومعسكرات خاصة بهم.
أما ما يسمى بمشاريعه العمرانية، فإنها لم تكن في الواقع سوى أحد أساليب تشديد القمع، الامر الذي نراه في خرابها السريع وتدميرها لفكرة العمران والاقتصاد. وذلك لأن مشاريعه "العمرانية" كانت مجرد أدوات ومسامير في جهاز القمع والإرهاب المنظم. وهو السبب القائم وراء أساليب السخرة في "البناء". فالسخرة إرهاب. وفي الحصيلة لا تفعل إلا على تخريب الروح والجسد الاجتماعي والاقتصادي. وليس مصادفة أن تؤدي أساليبه في تسخير الفلاحين (النبط بشكل خاص) إلى تخريب الزراعة والري. بحيث انخفض الإنتاج الزراعي إلى درجات مريعة في حكم الحجاج. والتعويض الوحيد كان يجري عبر "الفتوحات" أي الغزو المنظم للخارج. وهي المفارقة التي يمكن رؤيتها في الجدل الفكري والسياسي بين قواد الجيش والمعارضة التي اكتملت لاحقا في تمرد ابن الأشعث .(يتبع.....).
***







اخر الافلام

.. إعصار إداي يسبب كارثة كبرى في زيمبابوي وموزمبيق


.. خامنئي وروحاني يعترفان بأزمات إقتصادية في إيران


.. ترامب يؤكد بأن سقوط داعش أصبح وشيكاً




.. نيوزيلندا تقرر حظر حيازة البنادق الهجومية


.. الحكومة اليمنية تقدم إحتجاجاً ضد تجاوز المبعوث الدولي لمهامه