الحوار المتمدن - موبايل



خريف طوكيو:افطار من رز

مظهر محمد صالح

2018 / 10 / 9
المجتمع المدني


خريف طوكيو:افطار من رز

مظهر محمد صالح

في يوم ندي بدأ المطر فيه يحمل عبق خريف طوكيو الذي افترش الارض بغزارة وهو يمسك بقبضته الرمز والخيال ليدق ابواب المدينة ويذكرها بانه جاءهم ليحفظ لهم هيبتهم في الحكمة و العبرة ويذكر الامة لتلبس معطف ابتسامتها دون ان يستخفها السرور ويفقدها دفء العلاقة بين الناس والتسابق في رسم المستقبل و تشكيل معالم يومهم المزدهر الجديد.
إعتلى الرز مائدة افطاري الصباحي في مطعمنا الذي طلت نوافذه على حراك الناس وهم يتوجهون بحزم الى ميادين اعمالهم دون ضجيج ولا كلام كثير وهم يتزاحمون على ابواب الحياة في ابتسامة عريضة اسمها الامل.تطلعت الى طبق الرز وقلت في سري،هل سيلاحقني الرز اينما اذهب سواء على موائد غذائنا في مدينتنا شرق المتوسط وانتهاءً بمائدة افطاري الصباحي في طوكيو في الشرق الاقصى!ابتسمت مضيفتي وهي عاملة المطعم ولسان حالها يقول،نعم انه الرز....ذلك المحصول العجيب الذي يستهلكه يومياً في وجباته نصف سكان الكرة الارضية سواء في اسيا اوافريقيا اوفي بلادكم ،بلاد وادي الرافدين، وانه المحصول العالمي الثاني في اولوية انتاجه بعد الذرة ،حيث يبلغ الانتاج السنوي العالمي من الرز قرابة 440 مليون طن متري وان الولايات المتحدة على الرغم من كلفة انتاج الرز في اميركا وما يتطلبه من مياه واراض واسمدة،إلا انها ضاعفت من انتاجها له بسبب تزايد اعداد مهاجريها الوافدين من بلدان الهند الصينية. إسترسلت مضيفتي في تفاصيل حديثها الشيق وهي تسرني.... بان طبق الرز الذي هو امامك يمثل الافطار الصباحي للامة اليابانية و يسمى(تومكو كيك كوهان) وقد زين حقاً ببيضتين نيتين واضيف اليه شيء ْمن زيت الصويا.
غادرتني تلك الفتاة بانحناءة جميلة وهي تقول لا تنسى فان افطارك هذا قد جعلك ضيفاً على الامة اليابانية ومشاركاً في عادات وتقاليد شعبنا الصباحية!! تناولت طبقي لامفر منه بعد تلك الايضاحات المشرقة الباسمة وببالغ السرور،وتذكرت ان هذه البلاد تزرع الرز منذ عهد ما سمي( بالجومو)قبل ستة ألاف عام ميلادي.
كما ظل الرز في تاريخ اليابان يحمل اكثر من كونه مجرد مادة غذائية في تطور آلام حركة الامة اليابانية اوآمال توازنها الاجتماعي.
فقد عدَ ملاك الاراضي من مزارعي الرز ،من الوجهة التاريخية ،الطبقة الاكثر تميزاً في السلم الاجتماعي لليابان، وهكذا ،حتى الوقت الحاضر ظلت الملكيات الزراعية المخصص زراعتها للرز سنوياً تمثل نحو 85 بالمئة من اجمالي المزارع اليابانية لتعبر عن الرقي الاجتماعي لارياف اليابان ومزارعيها.وان الحكومة اليابانية مازالت توفر الدعم والحماية التجارية لمزارعي الرز بمستوى من الاهمية لايقل عن الصناعة اليابانية.فقد تعرضت علاقات اليابان بمنظمة التجارة العالمية الى خلافات حادة لكون اليابان هي من بين البلدان القلائل في العالم ممن لاتسمح في تصدير رزها خارج البلاد اوتسمح حتى باستيراده من الخارج الا باستثناءات محددة جداً.
تذكرت قدسية هذا المحصول في حياة الامة اليابانية يوم كان الرز لوحده دون غيره في العصر الوسيط مصدر صراع في تكوين حركة الاقتصاد السياسي والاجتماعي في البلاد ،إذ أعتمد الرز في القرون الوسطى كسلعة نقدية نادرة.... تستعمل لجمع الضرائب وهي اداة نقدية بيد السياسة المالية.فقد أكدت لنا حقائق التاريخ الاقتصادي بأن إعتماد (الرز) كعملة نقدية، قد اكد مجدداً ان النقود هي كائن سياسي لازم قيام الدولة، ولاتولده إلا السيادة السياسية الممثلة بالمالية العامة.وان النقد دون مالية عامة تمسكه بقوتها السيادية يبقى الابن غير الشرعي لاي نظام اقتصادي!! وهو الحال الذي توصف فيه اليوم العملة الاوروبية( اليورو) في ازمتها الراهنة،اذ يوجد بنك مركزي اوروبي واحد يصدر عملة واحدة هي عملة اليورو للبلدان السبعة عشر المنضوية تحت خيمة الاتحاد النقدي الاوروبي وغيرهم ولكن امام ذلك اليورو ثمة سبع عشرة ادارة مالية متناثرة السيادة ومختلفة في الارادة السياسية!!
وصفوة القول،فقد حملت عملة الرز في وحدة السيادة اليابانية تشتت آلام مزارعي اليابان من دافعي الضرائب الى اولئك الحكام من اقطاعيي القرون الوسطى، مثلما كان يحدوهم الامل في اْنتاجه و السير في حمل وحدة أصرارهم على العمل لاطعام انفسهم من اجل البقاء في واحدة من اصلب امم الارض سراً في الحفاظ على النوع الانساني....نعم ، فبالرز وحده تحيى الامم....!!انها الامبراطورية اليابانية.







اخر الافلام

.. مساع لتأسيس منصة استثمارية توفر فرص عمل للاجئين


.. قافلة المهاجرين من هندوراس تستأنف السير عبر المكسيك


.. آلاف المهاجرين يواصلون طريقهم إلى الولايات المتحدة عبر المكس




.. وقفة تضامنية لأهالي بلدة حيان مع النازحين في مخيم الركبان


.. عبدالحميد صيام لـ RT: ليست للأمم المتحدة مصادر مستقلة في منط