الحوار المتمدن - موبايل



لكل مقام مقال

مهند طلال الاخرس

2018 / 10 / 10
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


"لكل مقام مقال"
"لكل مقام مقال" كلمات يعرفها ويرددها الكثيرون، كلمات بليغة كونت هذه الحكمة التى اختصرت العديد من الكلمات والعبر لإيصال المعنى والمبتغى المطلوب للجميع .

ويعد هذا المثل أو الحكمة الشائعة "لكل مقام مقال" من أشهر وأفضل ما قاله أسلافنا العرب . فهذه الحكمة المكونة من ثلاث كلمات اختصرت عدة مواقف وحكايات لإيصال معناها المطلوب والمفيد إلى الجميع، وهذه على العموم الصفة الاساسية للمثل او الحكمة . اذ تفيد هذه الحكمة انه يجب على المرء أن يحسب ويزن كلماته قبل أن يخرجها من فمه ويطلقها في فضاء السامعين، وان يعرف ما المغزى من كلامه ؟ وأن يعرف كلامه وخطابه موجه إلى من ؟.!! وهذا بالضبط ما جاء في معنى كلمة مقام فى المعجم الوسيط حيث عرِّفت على أنها الدعوة إلى الملائمة بين القول والموقف. وفي هذا التعريف والشرح المبسط لهذا المثل تندرج معظم قواعد العلاقات العامة بين البشر اضافة الى انها تشكل اهم ناظم للعلاقات الانسانية وبنائها لاهم قواعد السلوك الانساني في التواصل والحوار.

وفي ذلك قالت العرب منذ القدم الكثير من الحكم والامثال التي توافق وتعزز هذه المقولة وتؤكد هذا المعنى مثل: لا تحدّث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك، ولا بالباطل عند الحكماء فيمقتوك. وقيل من حدّث لمن لا يستمع لحديثه، كان كمن قدم طعامه لأهل القبور.

وكان العرب يتفننون في الادب وينشئون أبنائهم عليه، ومن فنون الادب (اختيار اللفظ المناسب) حتى قالوا: لكل مقام مقال. فيقال للمريض معافى وللاعمى بصير وللاعور كريم العين. وليس هذا فحسب بل ظهرت اجناس ادبية تحت مسمى المحسنات اللفظية. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل ظهر بين العرب منذ القدم قول مآثور "الملافظ سعد".

وفي باب الادب وشيوع المحسنات اللفظية يروى ان هارون الرشيد قد رأى في بيته ذات مرة حزمة من الخيزران، فسأل وزيره الفضل بن الربيع: ماهذه ؟ فأجابه الوزير: انها عروق الرماح يا امير المؤمنيين ( ولم يقل انها الخيزران)...لان ام هارون الرشيد اسمها الخيزران ، فالوزير يعرف من يخاطب فلذلك تحلى بالادب في الاجابة.
وفي حادثة اخرى ؛ سال احد الخلفاء ابنه،ما جمع سواك؟ فأجابه ولده بالادب الرفيع:(ضد محاسنك يا امير النؤمنين) ولم يقل مساويك لان الادب قوم لسانه وحلّى طباعه ولان علوّ المقام يستوجب هذا المقال.
ولما سئل العباس رضي الله عنه، أأنت أكبر ام الرسول الكريم؟ فأجاب العباس قائلا: هو اكبر مني وانا ولدت قبله".


فهكذا مقامات لا يستوي الحديث معها إلا بهكذا مقالات وبإستخدام كثير من المحسنات. هذا عداك عما للمحسنات اللفظية والكلام الطيب وحسن تقدير المقام والمقال من قدرة كبيرة على احداث آثارا سلوكية طيبة ونفسية جيدة تحدثها في نفس المُخاطَب والمُخاطِب . ولهذا قالوا قديما لكل مقام مقال وبقيت هذه المقولة عابرة لكل العصور والازمان لانها مقولة تختصر حكمة الاجداد وتاريخهم.

ورغم وقوع الخلاف في أول من قالها؛ إلا ان هذا الخلاف لا يفسد قيمة هذه االمقولة او الحكمة بل يضفي عليها مزيدا من الالق والاسطرة والتخليد.
اذ يروى ان اول من قالها كان "طرفة بن العبد البكري" في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند قائلاً:
تصدَّق عليَّ هداكَ المليكُ.. فإنّ لكلِّ مقامٍ مقالا.

ويقال ايضا إن أول من قال الجملة الشهيرة: "لكل مقام مقال" هو الشاعر "بشار بن برد"؛ حيث كانت له جارية تسمى ربابة أعدت له طعاماً شهياً فأراد أن يشكرها أو يثني عليها بشكل شعري فقال:
ربابة ربة البيت
تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات
وديك حسن الصوت
وعندما سمع جلساء بشار هذا قال له أحدهم: أمثلك أيها الشاعر الفحل يقول هذا الشعر؟ إنه لا يليق بك، فقال بشار: هذا عند ربابة خير من قول امرئ القيس عندك.
مكر مفر مقبل مدبر معا
كجلمود صخر حطه السيل من عل
وقال بشار: هذا الشعر في مقامه أقوى.. ولكل مقام مقال.

وبغض النظر عن صاحب الاسبقية في القول المأثور "لكل مقام مقال فهي ليست مجرد مقولة أو مثل او بيت شعر في قصيدة ولكنها الحكمة ذاتها.. فما يصدر من أفواهنا يدل على حكمة عقولنا، وما يجب فى مقام قد يمتنع فى مقام آخر، وفي هذا السياق قال سقراط حكمته الشهيرة: "تكلم كي اراك" وهذا ما ذهب اليه ايضا الإمام علي بن أبي طالب حين قال: الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام، وفي هذا السياق ايضا جاء حديث الرسول الكريم محمد: "وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟"

وهذا ايضا ماذهب اليه مقصد الرسول الكريم محمد في الحديث الشريف "خاطبوا الناس على قدر عقولهم" وجاء في الحديث الشريف ايضا :"انزلوا الناس منازلهم" ، فالمقام هو ما يفرضه واقع الحال على المتكلم، والمقال هو الغرض والهدف الذى يريد المتكلم تبليغه والمقامات مختلفة..

خلاصة القول؛ أنت تختبئ خلف كلماتك وتحت لغتك، وحديثك هو جواز مرورك الأول إلى قلوب الآخرين، ولعل ما نراه دائما في الحياة من حروب كانت بدايتها كلمة قيلت في غير محلها، فلو كنت فضا غليظ القلب لانفصوا من حولك. وربما يطيب لنا في هذا المقام ان نستدلل على حُسنِ وعظمة التحبب الوارد في لغة إخواننا المصريون وكثرة استخدامهم للمحسنات اللفظية وكثرة التوقير والتبجيل في كلامهم وما له من أثر على طيب المعشر وانصرافه على السلوك وحفظ الود بينهم، فتجدهم لا يخاطبون بعضهم إلا بإستخدام المحسنات كقولهم "حضرتك ويا فندم ويا بش مهندس ويا اسطة ويا معلم" وكقولهم حين زيارة المريض "اصله بعافية شوية" وفي وصفهم بعض المهن "العرضحلكي والعربقي والعشماوي والمراكبي" وما الى ذلك من كثير من المحسنات التي تعبر عن طيب النفس وطهارتها وتبث الطمأنينة والمحبة والسلام في كلماتها.

نعم لكل مقام مقال فما يُجَّملّ في حادثة قد يُقبح في حادثة آخرى، وخير القول ما وافق الحال، ولهذا السبب تحديدا تقول العرب: "لكل مقام مقال" ومن يومها أصبحت هذه المقولة مثلا دارجا عند العرب منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا للدلالة على اختلاف المقامات والأقوال واللغة التي تليق بكل مقام علوا وارتفاعا وخفضا واتضاعاً. فكل انسان حيث يجعل نفسه؛ فمن رّفعها ارتفعت، ومن وضّعها اتضعت.







اخر الافلام

.. -لا أستطيع التنفس- آخر كلمات خاشقجي


.. شاهد: الجيش الإسرائيلي يضع متفجرات في أحد أنفاق حزب الله


.. القاهرة: على الدوحة تنفيذ المطالب




.. الاتفاق الأممي للهجرة: موافقة غالبية الدول وانقسام أوروبي في


.. فيديو: تعرف على الجزيرة التي استبدلت قصب السكر بالنفط!