الحوار المتمدن - موبايل



الإمبراطورية الآشورية (3)

مهدي كاكه يي

2018 / 10 / 11
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (59) – الآشوريون

الإمبراطورية الآشورية (3)

ب- الإمبراطورية الآشورية الثانية (744 – 612 قبل الميلاد)
من أهم ملوك هذه الإمبراطورية هم:

1. تغلات پلاسر الثالث Tiglat-Pilesar III (745 - 727 قبل الميلاد): عندما إستلم هذا الملِك الحُكم، كانت الفوضى منتشرة في البلاد، حيث الإنتفاضات والتهديدات التي كانت تُشكّلها جارة آشور الشمالية، مملكة (أورارتو). ليست هناك معلومات عن كيفية وصول (تغلات بلاسر الثالث) ويُرجّح عدم إنتمائه للأسرة الحاكمة التي سبقته في حُكم آشور وأنه إستولى على الحُكم الآشوري عن طريق إنقلاب عسكري[31]. يعتقد بعض الباحثين أنه كان أحد ولاة المقاطعات الآشورية الكبيرة، الذين زادت سلطاتهم وأصبحت مناصبهم وراثية[31]. عند إستلامه الحُكم، سرعان ما قام بِمُضاعفة عدد الولايات الآشورية لِلحدّ من نفوذ حُكام الولايات من خلال تصغير ولاياتهم لِمنعهم من منافستهم له على عرش الإمبراطورية.

بعد تسلّم الحُكم الآشوري من قِبل هذا الملِك، برزت الإمبراطورية الآشورية الثانية كدولةٍ قوية في المنطقة وتميّزت هذه الفترة من الحُكم الآشوري بالقوة والعظمة، حيث بدأ (تغلات پلاسر الثالث) بالقيام بإصلاحاتٍ إدارية وعسكرية شاملة لِتقوية الحُكم الآشوري ولِتقليل النفوذ المتفاقم للأُمراء الكبار[14، 15، 16].

كان (تغلات پلاسر الثالث) رجلاً إداريأ ناجحاً وقائداً عسكريأ متميزاً، حيث أنه نجح خلال حُكمه في القضاء على عدم الإستقرار، الذي كان يسود في البلاد والأزمات السياسية والإقتصادية التي شهدتها بلاد آشور في أعقاب الثورة الأهلية. إستطاع أن يستعيد أرمينيا وقام بإجتياح سوريا وأخضع لِحُكمه دمشق والسامرة، حيث إمتدت الإمبراطورية الآشورية في عهده من جبال قفقاس إلى مصر. كما أنه قام بِبناء هياكل وقصوراً عديدة[71].

كان (تغلات پلاسر الثالث) يحرص على بقاء القسم الغربي من الهلال الخصيب جزءاً من الإمبراطورية الآشورية، حيث أنّ هذه المنطقة كانت تُشكّل المنفذ البحري الأهم للإمبراطورية الآشورية وكذلك لِتواجد مراكز تجارية مُهمّة فيها. لقد نجح في مسعاه هذا، حيث تمكن من خلال سلسلة من الحملات العسكرية التي قادت الى السيطرة على مملكة دمشق في سنة 733 قبل الميلاد وترسيخ الحُكم الآشوري الممتدة من الخليج الفارسي الى شبه جزيرة سيناء[81].

كما أنّ (تغلات پلاسر الثالث) إتّبع سياسة التهجير والتوطين تجاه مجموعات كبيرة من سُكّان مئات المدن والقرى في المنطقة، بما في ذلك الآشوريين أنفسهم الذين قام بِتوطين الآلاف منهم في المناطق الحدودية والأقاليم الزراعية البعيدة، وترحيل سكان بعض المدن إلى العاصمة الآشورية والمدن المحيطة بها، حيث تم تهجير وتوطين حوالي مائة ألف شخص خلال حُكم هذا الملِك والذي سهّل السيطرة على مختلف أرجاء الإمبراطورية من خلال تشتيت أفراد الأقوام والعشائر العائشة في مناطق متباعدة ومتفرقة وبذلك نجح في منع الإتصال والتواصل بين الأفراد الذين يرتبطون بِصلة القربى وتربطهم علاقات إثنية وعشائرية وإضطرارهم الإعتماد على الدولة في أماكنهم الجديدة في تدبير أمور حياتهم، مما ساهم في عملية خلط الناس المنتمين لِإثنيات مختلفة والذي قد ساهم بِدَوره في إلغاء أو نسيان لغاتهم الأم وحلول لغة جامِعة محلها.

من جهة أخرى، كان (تغلات پلاسر الثالث) يُعاقب الجماعات الثائرة ضد حُكمه بِوحشية والتي قام بِتسجيلها في حولياته بالتفصيل. بعد وفاته في سنة 727 قبل الميلاد، ترك (تغلات پلاسر الثالث) لإبنه (شلمنصر الخامس) دولة مستقرة قوية.

2. شلمنصر الخامس Salmanassar V (727 - 722): خلّف أباه في الحكم وحكم
لِمدة خمس سنوات. أهم ما قام به هذا الملِك هو محاصرة مدينة السامرة لِثلاث سنوات.

3. سرگون الثاني Sargon II ( 722 - 705 قبل الميلاد): في سنة 722 قبل الميلاد، إستطاع (سرگون الثاني) السيطرة على الحُكم الآشوري من خلال إنقلاب عسكري. إستعار هذا الملِك إسم (سرگون) نسبة الى الملك الأكدي الشهير سرگون ( شرو- گين)، إعتزازاً بالملوك الأقوياء من السلالة الأكدية، هناك معلومات قليلة عن أصل هذا الملِك ويُقال بأنه لم يكن من ورثة العرش من السلالة الملكية التي سبقته ومن الدلائل على ذلك هو خلو حولياته من ذكر سلفِه.

خلال السنة الأولى من حُكمه، قام (سرگون الثاني) في البداية بالتصدّي للإضطرابات التي إندلعت في البلاد، حيث قام بإلغاء التجنيد الإجباري وحارب جُباة الضرائب (علي شحيلات، 210). بعد ذلك تفرّغ للقيام بِحملاتٍ عسكرية لِتثبيت دعائم إمبراطوريته، حيث قام بإخماد الإضطرابات التي إندلعت في بعض الأقاليم الآشورية. في البداية قام بِحملة عسكرية ضد الأمير (مردوخ أبلا أدنا) الذي كان قد نصّب نفسه ملِكاً لِ(بابل)، إلا أنه لم يتمكن من هزيمة الملِك البابلي، فأبرم معه إتفاقاً لإنهاء الحرب بين الجانبَين[81]. بعد ذلك قاد حملة عسكرية بإتجاه الغرب، فضمّ قبرص وآسيا الصغرى الى مملكته عقد هدنةً مع الفريجيين. بعد ذلك تغلب على الأورارتيين في سنة 714 قبل الميلاد وبذلك أزال التهديد المتواصل الذي كانت تُشكّله مملكة أورارتو للإمبراطورية الآشورية[91]. كما أنّ هذا الملِك قام بِإزالة مملكة إسرائيل من الوجود وتهجير الكثير من سُكانها كأسرى الى حرّان وضفة الخابور وبلاد ميديا وأحلّ محلهم آراميين من إقليم حماه وأسكنهم في مدينة السامرة[20]. بإنتهاء التهديدات التي كانت تتعرض لها الإمبراطورية الآشورية، تفرّغ (سرگون الثاني) لِترتيب البيت الداخلي، فتوجّه مرة أخرى بقواتت إلى بابل في سنة 710 قبل الميلاد، حيث إضطر ملِك بابل الى الفرار الى جنوب البلاد.

إتخذ (سرگون الثاني) عدة مدن كعاصمة لإمبراطوريته، إبتدأ من مدينة آشور ثم مدينة نينوى وكذلك العاصمة العسكرية (نمرود "كالح"). في سنة 717 قبل الميلاد، قام بِتشييد مدينة جديدة له ليكون مقراً جديداً للحُكم بإسم (دور شروكين) أي (قلعة سرجون) بالقرب من (خورسيباد) الحالية. تمّ إكتمال بنائه في سنة 706 قبل الميلاد وأسكن فيه مجموعات من المُرحّلين، كما يشير أحد نصوص سجلاته:

" أخذتُ غنائم بأمر الإله (آشور) سيدي أقوام من الجهات الأربعة، بألسنة غريبة ولغات مختلفة، كانت تسكن في الجبال والسهول [...] جعلت غايتهم واحدة، وجعلتُهم يسكنون هناك في (دور شروكين)، وأرسلتُ مواطنين من بلاد آشور، مهرة في كل شيء، مراقبين ومُشرفين لإرشادهم على العادات ولخدمة الآلهة والملِك". هذا المقر لم يُستخدم كمقر للحُكم حيث مات (سرگون الثاني) بعد سنة من هذا التاريخ في إحدى المعارك الحربية. جعل (سرگون الثاني) لهذه المدينة سبعة أبواب وشيّد بُرجاً حلزونياً على سبعة طبقات وتمّ تزيين أبواب المدينة السبعة بالثيران والأُسود المجنحة، ذات الرؤوس البشرية. في عهد (سرگون الثاني)، تطورت صناعة الزجاج و الآجر، حيث دعمت الحكومة الآشورية العمارة والزخرفة و صناعة السبائك المعدنية وصناعة المعدات والأسلحة الحربية.

بعد موت (سرگون الثاني)، إستمرت السلالة السرجونية في حُكم الإمبراطورية الآشورية الى سقوطها وإختفائها على المسرح السياسي في سنة 612 قبل الميلاد، حيث أقام الميديون والبابليون تحالفاً فيما بينهم وإستطاعوا القضاء على الإمبراطورية الآشورية.

4. سنحاريب Sanherib ( 705 - 681 قبل الميلاد): خلّف أباه (سرجون الثاني) في الحُكم. وهو أحد أشهر ملوك الإمبراطورية الآشورية االحديثة ودام حُكمه لمدة 26 سنة، قضاها في دعم أركان الإمبراطورية الكبيرة التي إمتدت من أرمينيا والأقوام الكميرية شمالاً الى آسيا الصغرى والمملكة الفينيقية غرباً. قام سنحاريب بِنقل العاصمة إلى نينوى، حيث أمر بتحسينها وببناء قصور ومعابد وأقنية فيها. خاض معارك عديدة في سبيل المحافظة على الدولة، فأخمد الإنتفاضة البابلية عام 701 قبل الميلاد وتوجّه غرباً للقضاء على الثورة التي حدثت في مدن غرب الهلال الخصيب. حصلت معارك بين قواته وقوات الملك المصري (تهراقا) ولم يستطع هزيمة الجيش المصري، فقفل عائداً بعد نشوب ثورة جديدة في بابل والذي أنهاها سنحاريب في سنة 689 قبل الميلاد، مُسبّباً دماراً كبيراً للمدينة وضواحيها. قام بإخماد الإنتفاضات التي إندلعت في الشام وبابل. حاصر هذا الملِك مدينة (اورشليم) لمدة 3 سنوات حتى أجبرت سكّانها على دفع الجزية، من ضمنها بنات ملِك يهوذا. تذكر التوراة هذه الحملة تحت (أخبار أشعيا النبي التوراتي). كما قام سنحاريب بِحملات عسكرية على مدن مملكة إيلام المتاخمة للإمبراطورية الآشورية من الجنوب ونقل أنقاض مُدِنِها بالسُفن عبر نهر الفرات الى نينوى. بعد ثماني سنوات من تخريبه لِمدينة بابل، قام أحد أبنائه بِقتل (سنحاريب) عندما كان يتعبد في معبده[21]، حيث تمكن أصغر أبنائه (أسرحدون) من السيطرة على مقاليد الحُكم.

إزدهرت نينوى في عهد سنحاريب و أصبحت مدينة حديثة كعاصمةٍ للإمبراطورية الآشورية، تتميّز بِفنونها المعمارية والنحت الآشوري و بُنيت فيها القصور الكثيرة وإنتشرتْ في ربوعها الحدائق الغنّاءة وكذلك كائنات (اللاماسو المجنحة)، ذات الأحجام الإسطورية التي كانت تحرس نينوى وقصورها. كما أنّ المدينة ضمت تلّين جديدين هما (تل قوينجق) و(تل النبي يونان). (سنحاريب) كان أول من أدخل زراعة القطن الى بلاد ميزوپوتاميا وأنشأ قناة كلسية لمسافة خمسين ميلاً لجلب المياه العذبة الى نينوى من موضع (جروانة).

المصادر


13. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الثانية، بغداد، 1955، صفحة 191.

14. جورج رو. العراق القديم. ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986م - 1406هـ، صفحة 411.

15. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 511.

16. عامر سليمان. العراق في التاريخ القديم. دارالحكمة للطباعة والنشر، الموصل، 1992، صفحة 132 - 133.

17. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الثانية، بغداد، 1955، صفحة 192.

18. هاري ساكز. عظمة بابل – موجز حضارة وادي دجلة والفرات القديمة. ترجمة وتعليق عامر سليمان إبراهيم، جامعة الموصل، الموصل، 1979م، صفحة 143.

19. علي شحيلات والدكتور عبدالعزيز ألياس الحمداني. مختصر تاريخ العراق – تاريخ العراق القديم. الجزء الرابع. العصر الآشوري (2500 - 605) ق. م.، 2007، صفحة 219.

20. أحمد سوسة. ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق. مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، 1978م، سلسلة دراسات فلسطينية (12)، صفحة 26.

21. جورج رو. العراق القديم. ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986م - 1406هـ، صفحة 431.







اخر الافلام

.. الصين تفتتح أطول جسر في العالم


.. شبكة عنكبوتية كبيرة تغلف الشريط الساحلي لبحيرة يونانية


.. مداخلة حسن منيمنة الباحث والأستاذ في معهد الشرق الأوسط في وا




.. مقتل جمال خاشقجي يطيح بمسؤولين سعوديين كبار


.. مراسل فرانس24: يبدو أن هناك عدم رضا تركي عن تطورات قضية خاشق