الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل السابع 3

دلور ميقري

2018 / 10 / 11
الادب والفن


أنهى " سيامند " إذاً تسكعه في دروب المدينة الحمراء، وكذا تهويمه عبرَ ذكريات أثارت كوامن داخله، وذلك حينَ وجد نفسه بالقرب من منزل شريك أعماله السابق. لقد حافظ على صداقة الرجل بالرغم من فكّ الشراكة، وكان يستشيره أحياناً في بعض الأعمال ويستفيد من علاقاته الواسعة بالتجار وذوي النفوذ. أستقبله " لاوند " بالترحاب، وبالكثير من الدهشة بالطبع، وما لبث أن قاده إلى صالة الرياض. هيئة المضيف، المكتسية بعباءة منزلية، والنرجيلة ذات الرأس المتوّج بالجمر المشتعل، أوحيا بمزاجٍ مشرقيّ صرف. وكذا الأمر فيما يخص تأثيثه الصالة على النمط التقليديّ، المنتمي بشكل أساس للطراز الدمشقيّ. على الطاولة، كانت ثمة حقيبة منتفخة بالأوراق، مثلما ظهرَ من بروز بعضها، ولقد أشار إليها الرجل مبتسماً: " الأعمال، تلاحق المرء حتى في منزله ". فعلّق الضيف، متنهداً: " أما أنا فسأفلتُ من كلّ ما يُذكّر بالأعمال، لعدة أشهر على الأقل ". ومن خلال هذا التعليق، الذي أعادَ سورة الدهشة لملامح المضيف، كان " سيامند " يبغي الدخول إلى موضوعٍ شغلَ خاطره في الآونة الأخيرة: " سأنقل أعمالي إلى موسكو، ويلزمني المال بالطبع كي أبدأ هناك من جديد "
" ولِمَ المغامرة ما دامت أعمالك، على حدّ علمي، مزدهرة هنا؟ "، قاطعه المضيف وقد تفاقمت دهشته. مضى الآخرُ في الكلام، وكأنما كان ما يفتأ ينصت لخياله حَسْب: " لديّ العديد من الأصدقاء في ذلك البلد، وغالبيتهم حققوا النجاح من خلال استثمار مبالغ مالية زهيدة. يَعتبرون روسيا الآن، جنة المستثمرين، بالنظر لرخص اليد العاملة والمواد الخام، فضلاً عن إمكانية التهرب من الضرائب! ". قال له المضيف بعد لحظة تفكير، مستخدماً تعبيراً موارباً: " ولكن ماذا عن ارتباطاتك الأخرى، هنا في مراكش؟ ". وكان على السؤال، في هذه المرة، أن يوقظ " سيامند ". مدّ يده بسيجارٍ للشريك السابق، في حركة مماطلة قبل إعطاء جواب. أعتذر الأخير، ملوّحاً بأنبوب النرجيلة. ثم منحَ ضيفه مزيداً من الوقت، حينَ بادر إلى النهوض: " دقيقة من فضلك، لأنني سأطلبُ تحضيرَ العشاء "، قالها بعجالة. شيّعَ " سيامند " الرجلَ بنظره، مبتسماً بمرارة لفكرةٍ عابرة: " كأنما ذكّرَه السيجارُ بواجب الضيافة، مثلما كان عليه أن يذكّرني بشقيقته بمناسبة عزمي على الرحيل ". لما آبَ المضيف إلى أخذ مكانه على الأريكة، كان جوابُ سؤاله حاضراً: " يُمكن للمرء أن يخالفَ التزامه، ما لو بقيَ أيضاً ولم يسافر. هذا، في حالة الافتقاد للوفاء بكلمة الرجال! ". لقد قالها بنبرة حيية، كونه من نوع البشر الكارهين للكذب. فيما بعد، أثناء رفعه قدح الشاي المنعنع إلى شفتيه، المصبوغتين بعدُ بدسم الدجاج المشويّ، لاحت فكرة جديدة في رأس الضيف: " هؤلاء القوم المراكشيون، يُعرفون بالميل الشديد إلى البهجة. ولكنهم وفق رؤية الكثير من المقيمين الأجانب، لن يمتنعوا عن دس السم في شاي الضيف فيما إذا مَسَّ بسوءٍ مصالحهم! ".
فكرة مماثلة، كانت قد راودته أثناء العشاء، آنَ أنصرفَ بعينيه إلى تأمل موجودات حجرة الاستقبال، والتي جعلتها شبيهة بمتحفٍ عثمانيّ. إذاك حط بصره على مجموعة من الأسلحة التقليدية، المتصدرة الجدار العريض، وكان بعضها يبدو غارقاً في القدِم فعلاً: " أيمكن أن يكون هذا الخنجر، المزخرف بالأحجار الكريمة، قد أستل من غمده كي يُغرسَ عميقاً في صدر ذلك العراقيّ المغدور؟ ". وبصرف الطرف عن حالة " سيامند " النفسية في تلك الليلة، إلا أن فكرته لم تكن طائشة كلياً. لقد سبقَ وعرفَ من " زين " مبلغَ غيرة شقيقها الكبير هذا، وكيفَ ثارت ثورته على أثر حادثة ترّاس الكافيه دو فرانس. كذلك يُمكن التفكير في تلميح الرجل قبل قليل عن مصير شقيقته، ما لو أنتقل " سيامند " مع أعماله إلى روسيا: كلها بالوسع أن تكون مادة دسمة لأيّ محقق نيابة نابه، يبغي توسيع دائرة الشبهات حول الجريمة.
" تفكيري طوال الوقت، باحتمال أن أكون مراقباً من لدُن البوليس السريّ، أحالني إلى كائنٍ سوداويّ، موسوسٍ وهجّاس "، قالها في نفسه أخيراً. بلى، كان خليقاً به أن يخجل من كل تلك الأفكار، وهوَ في ضيافة هذا المنزل الكريم. أضف إلى ذلك، ما أعقبَ العشاء من مساومة هيّنة أفضت لقبول المضيف مبدئياً شراء أصول الشركة التجارية، العائدة لملكية " سيامند ". وكانا قد انتقلا إلى الأريكة المحاذية، أينَ المنضدة المستديرة، المحتفية بأطباق الفاكهة والحلوى وعدّة الشاي، تاركين المنضدة الأولى، المكوّمة فوقها بقايا الوليمة. هنالك أحسّ " سيامند " بمتعة الاسترخاء مع أنفاس النرجيلة، متحلياً بطيب خاطر وذهن شبه مخدّر. إلا أنّ المضيفَ فاجأه بسؤال عن مآل منزله في الضاحية، وما لو فكّرَ في الاحتفاظ به أو بيعه. في غمرة انشغال " سيامند " بمصير الشركة، علاوة على الوساوس المعلومة، فإنّ أمر المنزل غابَ عن تفكيره. على ذلك، جازفَ الآنَ بجوابٍ مغلّف بالدعابة: " ربما يؤول إلى عهدتك أيضاً، وبذلك يعود أثاثه إلى مصدره الأصليّ! ". أطلقَ الرجلُ ضحكة مقتضبة، وقد فهمَ ولا شك مغزى الإجابة. مع أنّ نوعاً من الكدر لاح بعدئذٍ على سحنته، الحَسنة القسمات.
" ربما تذكّر ثانيةً موضوع مصير شقيقته، وأن بيعي المنزل دلالة على نيّتي عدم العودة إلى مراكش؟ "، خاطبَ الآخرُ داخله بينما كان يراقبُ المضيف عن كثب. ثم استعادَ على الأثر ما كان من غمز عشيقته السابقة، وذلك على خلفية شرائه منزلها: " أراهنك على أنّ إحداهن ستطلب منك تسجيله باسمها، كبديل عن الصّداق ". كانت آنذاك ممسوسة بالغيرة من " زين "، وتحاول استفزازه كلّ مرة بالتلميح إلى أمور تحط من شأنها أو تبعث الريبة في مسلكها. بلى، أستعادَ تلك الواقعة بينما كان جالساً في سيارةٍ يقودها " لاوند ". وكان الرجلُ قد أصرَّ على إيصال الضيف إلى منزله في الضاحية؛ وهوَ المنزل، الذي سينتقل قريباً إلى ملكيته لو أنّ الأمور سارت على ما يرام.







اخر الافلام

.. بتحلى الحياة – مسلسل ثورة الفلاحين – الممثل اليكو داوود


.. أفضل 5 أفلام في السينما الأمريكية هذا الأسبوع


.. فرنسا: تعديل وزاري يشمل حقيبتي الداخلية والثقافة




.. 13 فيلماً في -الشارقة السينمائي الدولي للطفل- تروي حكايات ال


.. تعرف على أسواق باريس الشرق..بيروت وعلاقة تجارها بأغنية الفلك