الحوار المتمدن - موبايل



نحو مراجعة شاملة لموقف القوى المدنية على ضوء تجربة سائرون

عباس علي العلي

2018 / 10 / 12
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية


نحو مراجعة شاملة لموقف القوى المدنية على ضوء تجربة سائرون

من الدروس التي يجب أن تستخلص من تجربة القوى المدنية في تحالفاتها السياسية مع القوى المنخرطة في العملية السياسية العراقية الراهنة، هي أن التيارات الدينية التي ترفع الشعارات الوطنية والرغبة في خوض العمل السياسي تحت مظلة وشعار خرق الواقع الطائفي والعنصري، والخروج من قواعد العمل الذي أسسه الحاكم المدني السيد بريمر وصاغ رؤيته في دستور عام 2005 لم تنجح في تجسيد هذا الهدف ولا حتى الإيمان الحقيقي في أن مستقبل العراق المدني المستقل لا يمكن أن يكون مجرد رغبة لدى هذا الطرف أو ذاك، السبب الأساسي في فشل التجربة ليس في النوايا وإنما يعود إلى بنية هذه القوى وأساسيات عملها القائمة على مفهوم الزعامة السيادينية المتحكمة بالقرار دون أن يكون للديمقراطية التنظيمية دورا مهما وأساسيا في طرح التجربة وأفكارها في ونتائجها في الواقع الحزبوي من جهة والسياسي الوطني في الجانب الأخر.
لقد شكلت تجربة تحالف سائرون بالرغم من كل المحاولات على إبقائها حية ومؤثرة حالة فشل مزدوجة لم تعط نتائج حاسمة ولم تفرض نفسها كقوة رئيسية من القوى الأساسية في المشهد السياسي العراقي، بالرعم من نجاحها في التربع على قمة الكتل الفائزة أنتخابيا وسجلت موقفا لافتا في رغبة الناخب العراقي من التخلص من الكتل التقليدية التي تداولت السلطة فيما بينها خلال الخمسة عشر سنه الماضبة بعد تحولات عام 2003، هذا النجاح الهش لم يستثمر جيدا ولم ينجح في الدفع بأتجاه المدنية السياسية، ولم يعطي أمل في أن نرى صورة مغايرة عما ساد الواقع العراقي من تطورات ملفتة كان من أبرزها المقاطعة الواسعة للعملية الأنتخابية التي أشرت من جانبها رفض شعبي واسع النطاق لأسس ومنطلقات وشعارات ما بعد سقوط النظام السابق.
من هنا على القوى المدنية والديمقراطية التي أنخرطت في العمل السياسي في محاولة منها للتعبير عن وجودها السياسي وثقلها الجماهيري في الشارع العراقي، أن تعيد قراءة المشهد بصورة بانورامية خاصة بعد ما أتضحت الصورة تماما على ضوء ما أفرزته الأنتخابات من حقائق ومستجدات لم تبتعد كثيرا عن ذات المنطق والأسلوب الذي كان في المرحلة ما قبل تحالفات سائرون ومشروعها المعلن بعنوان (العبور فوق المحاصصة والطائفية)، لقد أثبتت العملية السياسية الراهنة عجزها في أستيعاب تطلعات الشعب العراقي وأهدافه في حياة حرة كريمة ووفق نظام سياسي قائم على مفهوم المواطنة كأساس والديمقراطية التعددية كمنهج لا بد منه محمي بسيادة القانون وأحترام حقوق الإنسان والتجسيد الحي للعمل الديمقراطي الحقيقي بعيدا عن الشخصنة السياسية والدينية المذهبية، وهذا الأمر يحتاج لشجاعة أدبية وقدرة على النقد البناء الذي يؤشر مكامن الخطأ والفشل دون مراعاة لأي أعتبارات خارج مفهوم وحقيقة المصلحة الوطنية الكبرى للعراق، وأن لا نغطي على الفشل بتبريرات وأعذار أثبتت التجربة أن لا قيمة لها ولا حقيقة لوجودها إلا في أذهان وعقول الساعين للسلطة ومستحقاتها دون الألتفات إلى الخسائر الأستراتيجية التي تصب في صالح مناهضي المدنية والديمقراطية وأعداء العراق محليين وإقليميين.
إن نقطة البداية التي لا بد منها لمرحلة المراجعة النقدية لتجربة بعض القوى المدنية على الساحة هي الأعتراف بأن العمل الديمقراطي الحقيقي لا يتوافق مع دكتاتورية الزعيم وتابعية الذين لا يرون إلا ما يرى ولا يتحركون إلا بأشارة منه، بالرغم من أن غالبية هذا الشارع هم من أهم أدوات التغيير والأكثر تضررا من الواقع الراهن، فليس المطلوب أن نصطف أو نتحالف مع أو نعمل مع هذه القوى دون أن يكون هناك قواعد عمل ملزمة للطرفين تعتمد في ألياتها على عدم التفرد بالقرار أو أستخدام القاعدة الجماهيرية كأداة مساومة وضغط، بل لا بد من أن يكون العمل جبهويا بأمتياز ويصدر عن قيادة حقيقية تتحمل مسؤولية القرار وصياغته وتنفيذه، بدل البقاء على هامش حركة الزعامة وأستعراض عضلاتها السياسية في صراع الأخوة الأعداء، ولا بد أيضا من طرح المشروع السياسي للتحالف على القواعد الواسعة وأشراكها في صياغة وتجسيد الواقع حتى يشعر المواطن العراقي أنه جزء مهم وأساسي في أعداد الرؤية والعمل النضالي الحقيقي على الساحة لا أن يكون مأمورا دوما بالطاعة دون حق أساسي له ديمقراطيا أن يكون جزء من هذا المشروع الوطني.
المسألة الأخرى والتي لا تقل أهمية في مرحلة المراجعة والنقد أن لا تكون مشاريع المدنيين مرحلية خاصة عندما تقترب الأنتخابات وأستحقاقاتها طالما، أننا نستهدف جميعا مشروعا وطنيا حقيقيا يرسم مستقبل العراق الأن وعلى مدى طويل، هذا الأستحقاق لا بد أن يكون عنوانا للعمل الجبهوي القادم ويحمل كل التصورات والأراء التي من الممكن عمليا أن تساهم في حشد الشارع العراقي له ومناصرته، بعيدا عن حسابات التكتيك والمرحلية التي يتذرع بها البعض أستجابة للظروف والمعطيات الواقعية، نعم نحن نعيش في ظل أزمة سياسية وفكرية وأجتماعية والمطلوب منا أن نعبر بمجتمعنا هذه الإشكالية بقوة ومن خلال رسم رؤية فاعلة وعلمية وعملية بأقل الخسائر، حتى لو أننا مؤكدا سنصطدم بوعي شعبي لم ينضج بما فيه الكفاية ليكون عامل حاسم في المعادلة السياسية، النخب الفكرية والسياسية هي من تخلق الوعي الشعبي وتمارس عملية التثقيف والحض عليه، ولا ننتظر من الشعب أن يمارس هذا الدور وتحمله المسؤولية دون قيادة حقيقية معبرة عنه وعن أهدافه.
النقطة الأخيرة في المراجعة هذه هي الإشكالية الدائمة التي يعبر عنها في مقولة (المدنيون مثل مزرعة البصل كلهم رؤوس)، والتي لا بد من تجاوزها لما لها من أثر سيء يعبر عن مطامح شخصية أكثر مما يعبر عن صيغة العمل الجماعي النخبوي، عندما نضع قضية الوطن في مشروع عمل لا بد أن تختفي كل المسميات الأخرى، وأن يبقى في المشروع جوهره بعيدا عن الرسميات والبروتكولات التي لا تخدم القضية ولا تجسد معنى ديمقراطي مدني حقيقي، نحن في العراق في منعطف خطر وجوديا على الأقل أما أن ننجح في تجاوز الواقع وأعادة تفعيل الروح الوطنية الموحدة ورفض كل النتائج التي فرضت على واقعنا السياسي والأجتماعي من خلال عمل جاد ومخلص وملتزم، أو البحث عن مكتسبات آنية ستذهب بنا جميعا نحو الطوفان القادم لا محالة إن لم ندرك قيمة ما نمارسه من سلوكيات وطرح لا يخلو من أنانية ومصالح شخصية، دعوتنا للأخوة في التيارات المدنية والديمقراطية والوطنية والتقدمية أن يعوا أن مستقبل العراق مرهون بوحدتنا، وكلما أبتعدنا عن بعضنا وعن جماهير الشعب يبدو الوضع قاتما وملبدا بالغيوم السوداء التي لا ندري ما يأت بعدها من مصير مجهول لا ينبئ بخير ولا يبشر بما هو مناسب لوطن خلد التاريخ أسمه ووجوده.







اخر الافلام

.. الرئيس الصيني شي جين بينغ يستقبل نظيره الإكوادوري لينين موري


.. كلمة الرفيق محمد نهار الظفيري من ندوة الحركة التقدمية الكويت


.. كلمة د.غانم النجار من ندوة الحركة التقدمية الكويتية: - أزمة




.. 11. Tory Brexit Chaos


.. هجوم ستراسبورغ: زعيمة اليمين المتطرف تتهم الحكومة الفرنسية ب