الحوار المتمدن - موبايل



ابن البحرين والسعودية.. أحال إعاقته إلى ست مهن

عبدالله المدني

2018 / 10 / 12
سيرة ذاتية


نعم! هذه شخصية فذة، لم تسلط عليها أضواء كثيرة، نجحت في تحويل إعاقتها إلى ست مهن أو مواهب بحسب الاستاذ عبدالعزيز البدر الذي كتب عنه في مجلة الاقتصاد الصادرة من الدمام (9/‏4/‏2017)، وذلك في لفتة إنسانية توثيقية تقدر للكاتب الذي ذكّر السعوديين به بصفة عامة ومواطني المنطقة الشرقية بصفة خاصة، من بعد أنْ طواه النسيان والإهمال.
حديثنا هنا عن مدير المدرسة ورجل التربية، وحكم كرة الطائرة الدولي، والمعلق الرياضي، والصحفي المتابع للشئون الرياضية المحلية والدولية، والمصور المغرم بالصور الضوئية، والمحرر بجريدة «اليوم» الصادرة من الدمام، وحارس مرمى فريق كرة القدم، وتاجر الأدوية المرحوم «صديّق بن محمد بن أحمد جمل الليل».. صاحب الطلة المريحة، والطباع المرحة، والنكتة الخفيفة، والرجل الذي يطلق عليه خطأ في وسائل الإعلام «صديق جمال الليل» بدلا من «صديق جمل الليل».
في كل هذه المجالات برع الرجل وصمد وكافح بصورة استثنائية حسده عليها الأصحاء، متجاوزا العديد من العوائق التي وقفت في طريقه في زمن عادة ما يـُوصف بالزمن الصعب لقلة الامكانيات أو بساطتها.. متمردا على إعاقته التي رافقته منذ الميلاد..ضاربا أروع الأمثلة في إمكانية أن يشق المعاق طريقه وسط الأصحاء، بل ويتفوق عليهم.
ينتمي صــديـّـــق، المكنى بأبي خالد، إلى أسرة مكية (نسبة إلى مكة المكرمة)، لكن والده كان كثير التنقل ما بين البحرين ومكة المكرمة، الأمر الذي كان سببا في اقتران أبيه بسيدة بحرينية تـُدعى «موزة». والأخيرة كانت تدير آنذاك كتــّابا من الكتاتيب التقليدية فعــُرفت بين عامة الناس باسم «المطوعة موزة».
كان من ثمار هذه الزيجة ميلاد صديق جمل الليل على أرض البحرين في سنة 1924، حيث نشأ بها تحت رعاية والدته ووالده الذي كان يعمل حينذاك لدى تاجر العطورات البحريني المعروف «جنيد سيد العالم»، ولما كان لدى الأخير ابن اسمه «صديق» (بتشديد الياء) اختار محمد بن أحمد جمل الليل الاسم نفسه وأطلقه تيمنا على مولوده البكر المصاب منذ ميلاده بإعاقة في إحدى ساقيه، والذي هو محور هذه المادة الصحفية.
وتشاء الأقدار أن يغاد والده الدنيا مبكرا، فتقوم والدته «المطوعة موزة» برعايته وتربيته وتدريسه المواد الأولية، من قرآن وكتابة وحساب، في كتّابها الصغير، وحينما تأسست المدارس الابتدائية في المنامة ترك صديق كتـّـاب والدته ليلتحق بإحداها، قبل أن يقرر الانتقال إلى الدمام ليكمل مرحلة تعليمه الابتدائي بمدرسة الدمام الأولى الأميرية «الحكومية». وفي أعقاب تخرجه من المرحلة الابتدائية، لم تكن هناك في الدمام في تلك الحقبة مدارس إعدادية ليواصل الدراسة بها، فقرر إشباع نهمه التعليمي بالالتحاق بـ «مدرسة الهفوف المتوسطة» بالأحساء على بعد أكثر من 93 ميلا من مكان إقامته. ولذا السبب كان يتنقل ما بين الدمام والهفوف كل جمعة، ويقضي بقية الأيام مقيما في السكن الداخلي الذي وفرته الحكومة للطلبة القادمين من خارج الأحساء.
كان صديق ضمن الدفعة الأولى من الطلبة الذين التحقوا بمدرسة الهفوف المتوسطة، لذا يــُعتبر من الرعيل الأول من خريجيها. من بعد تخرجه من هذه المدرسة الإعدادية، تمّ تعيينه مدرسا في الدمام، لكن المدرس كان يتحول ليلا إلى تلميذ بالمدارس الثانوية الليلية كي يحصل على شهادة التوجيهية العامة. وحينما أثبت للجميع كفاءته في التدريس ثم نجاحه في إتمام المرحلة الثانوية، أوكلت له وزارة المعارف عملية إدارة «مدرسة الدمام المتوسطة» فصار مديرا لها. في هذا السياق ــ وطبقا لما نشرته مجلة الاقتصاد (مصدر سابق) ــ يخبرنا صديقه ورفيق دربه المربي السعودي الكبير والمدير السابق لمكتب رعاية الشباب في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية الأستاذ عبدالله فرج الصقر (أطال الله في عمره) فيقول عنه: «إن حياة هذا الرجل غريبة، فمن يشاهده يتحرك في المدرسة لا يصدق أنه مدير للمدرسة، لكثرة تنقله وحركته خلال اليوم الدراسي. وقد يمر يوم كامل دون أن يفتح مكتب الإدارة، فتجده في بداية اليوم جالساً أمام مدخل المدرسة، ليعرف من حضر ومن تأخر من الطلاب، ويتواصل مع أولياء أمور الطلبة، حيث يمارس نشاطاً غير عادي في تطوير المدرسة، والتركيز على الأعمال اللامنهجية كالرحلات والأنشطة الأخرى حتى وصل به الأمر إلى امتلاك حافلة لنقل الطلاب في الرحلات، وتطوير العمل الكشفي بالمدرسة، وتأمين جميع مستلزمات الرحلات وتحديث ملاعب المدرسة وملابس الطلاب الرياضية، وغيرها من الاحتياجات الأخرى التي استطاع تأمينها بجهوده».
علاقته بكرة القدم، بدأت كهواية مارسها ضمن فرق الحواري الرياضية كحارس مرمى. وهنا أيضا يخبرنا الأستاذ عبدالله فرج الصقر شيئا من ذكرياته مع الرجل فيقول ما مفاده أنه وصحبه كانوا يلعبون كرة القدم بعد العصر كفريق حواري وهم في الصف الثالث إبتدائي، وأنهم لم يكونوا راغبين في أن يلعب صديّـق معهم بسبب إعاقته خوفا من الخسارة، ثم يضيف: «بعد المباراة وجدنا أنفسنا نطلبه في كل مباراة ليلعب معنا في مركز حراسة المرمى». ولعل هذه إحدى الصور التي إنْ دلــّـت على شيء فإنما تدل على الثقة بالنفس، وقوة الإصرار والعزيمة، والحرص على التمرد على الإعاقة البدنية.
لم يكتف صديـّق باللعب في فرق الحواري، بل نراه في فترة لاحقة يؤسس ناديا رياضيا بالدمام تحت اسم «نادي شباب العرب» في حدود سنة 1955، وكان موقعه بالتحديد على البحر مواجها للمبنى الحالي لإدارة تعليم البنات. في هذا النادي كان هو بنفسه رئيسا وأمينا للسر ومدربا بالتزامن، وكان يتبادل اللاعبين مع نادي الاتفاق ونادي النهضة، اللذين لم يكونا وقتها قد أشهرا رسميا. وبطبيعة الحال، ودّ الرجل أن يكون أيضا لاعبا في ناديه لولا إعاقته التي أجبرته لاحقا أن يكون حكما. فاختار أن يكون حكما للعبة الكرة الطائرة، حيث ليس مطلوبا من الحكم الركض والجري في الملعب. أما عن سبب اختياره لاسم «شباب العرب»، فقد تحاشى صديـّق الرد خلال ظهوره في برنامج «وينك ؟» على قناة روتانا خليجية من تقديم الإعلامي محمد الخميسي، لكني أجزم أن طبيعة المرحلة التي ولد فيها النادي لعبت دورا في التسمية، حيث كان الزمن هو زمن المد العروبي، وزمن نشيد «شباب العروبة هيّــا انهضوا» الذي كان يـُدّرس في المدارس السعودية.
والحقيقة أن الرجل تفوق في تحكيم كرة الطائرة. وليس هناك دليل أقوى على صحة كلامنا هذا من حصوله على الشارة الدولية وبالتالي تحوله إلى حكم دولي للعبة، ثم ترؤسه للجنة حكام كرة الطائرة في المنطقة الشرقية، ثم حصوله على عضوية اللجنة الرئيسية لحكام كرة الطائرة بالمملكة العربية السعودية. ويعترف «عبدالله العدوان» وهو رئيس لجنة الحكام الرئيسية لكرة الطائرة في السعودية بأن صديـّــق جمل الليل هو من أسس لجنة التحكيم للكرة الطائرة بالمنطقة الشرقية، بل أسس مدرسة خاصة في تحكيم الكرة الطائرة، وتخرج على يديه العديد من حكام هذه الرياضة من أبناء المنطقة الشرقية من أمثال: أمين الطريفي، عبداللطيف العتيق، يوسف السبت، سمير الراجح، وغيرهم كثير.
وفي مهنة ذات صلة وثيقة بالرياضة اتجه صاحبنا نحو التعليق الرياضي في زمن كانت فيه أعداد المعلقين السعوديين تعد على الأصابع. حيث سمعه ذات مرة عدد من أصدقائه المقربين، وهو يشجع فريقه خلال إحدى المباريات، فاستطابت لهم نبرته وحنجرته، ونجحوا في إقناعه بدخول مجال التعليق الرياضي. وهكذا تقدم للاختبارات الخاصة بهذا العمل واجتازها بنجاح، فصار معلقا على المباريات الرياضية أولا عبر أثير الإذاعة، ولاحقا من خلال البث التلفزيوني، وانضم إلى جيل المعلقين السعوديين القدامى من أمثال محمد رمضان، زاهد قدسي، علي داوود، وجارالله التميمي.
ويعتبر صديّــق، المُعْجب كثيرا بطريقة المعلق الكويتي المعروف «خالد الحربان»، أن التعليق الإذاعي أكثر صعوبة من التعليق التلفزيوني، لأن في الأول هو مضطر أن ينقل للمستمع كل ما يدور في مربعات الملعب الثمانية كي يكون على علم بموقع الكرة أثناء متابعته. أما في الثاني فالصورة تغني عن كل وصف والمخرج ينقل اللقطات ويعيدها، الأمر الذي يساعد المعلق على نقل المباراة بشكل أيسر وأوضح.
وخلال مرحلة مزاولته التعليق الرياضي تميز الرجل بقفشاته وتعبيراته ومفرداته الخاصة به، لكن دون صخب وضجيج وانفعالات كما يفعل معلقو اليوم، فاستقطب جمهورا كبيرا من المعجبين، لاسيما في المنطقة الشرقية التي كان مواطنوها يستحسنون تعليق صديق جمل الليل باللهجة الشرقاوية/‏ الخليجية. فهو مثلا الذي أطلق على لاعب نادي الاتفاق السابق «عمر باخشوين» لقب «النحلة»، وهو القائل في حالة قيام المهاجم بهجمة للتسجيل ثم ضياعه منه «قول إلا شويّ»، وهو القائل تعليقا على اجتياز اللاعب الدولي ماجد عبدالله ( في إحدى مباريات المنتخب الوطني) لكل اللاعبين وتسجيله هدفا في مرمى الخصم «سجل ماجد، وما بقى إلا يلاعب الشبك!»، وهو القائل تعليقا على فوز فريقه المفضل (الاتفاق) ببطولة العرب «اشهد يا تاريخ، وسجل يا زمن، إن الاتفاق فاز ببطولة العرب»، وغير ذلك مما جاء في حواره الشيق مع الإعلامي محمد الخميسي في برنامج «وينك ؟» الرمضاني المشار إليه آنفا.
بعد عقود من العمل في مهنة التعليق الرياضي، هجرها بحجة إعطاء فرصة لمعلقين رياضيين جدد من الشباب، علاوة على أسباب أخرى، منها تقدمه في السن وبالتالي صعوبة حركته الناجمة من الإعاقة التي رافقته منذ ميلاده. وقد كرمه في حينها الرئيس العام لرعاية الشباب الأمير فيصل بن فهد رحمه الله بمكافأة. على أن من هو مجبول منذ الصغر على الحركة والنشاط والإبداع مثل صديــّق جمل الليل ليس متوقعا منه السكون دون عمل. لذا نجده يهرب من الرياضة من باب التعليق ليعود إليها من نافذة الصحافة الرياضية. فلقد امتهن الصحافة الرياضية وأبدع فيها بتميز وصدق وإخلاص، ابتداء من عمله كمراسل رياضي لصحيفة «اليوم» بالدمام، حيث أعد الكثير من التغطيات للمبارات المحلية والخليجية والدولية، وانتهاء باختياره رئيسا للقسم الرياضي بالصحيفة ذاتها.
في سياق حديثه عن صديــّق قال زميله الحكم الدولي السعودي «محمد المرزوق»: «إن هذا الرجل محب لعمله الصحفي ومتفان فيه، وقد طلب مني أن أكتب عموداً في الصفحة الرياضية، عن التحكيم في كرة القدم، من المادة 1 إلى المادة 17 في تفسير قانون كرة القدم، وظللت معه مدة طويلة في الكتابة بالصفحات الرياضية بجريدة اليوم، وخلال عملي معه، عرفتُ عنه حرصه وتفانيه في عمله، فقد كان قمة في النشاط، وسريع البديهة، وكان حريصاً على أن يسأل ويناقش كثيراً في كل ما يتعلق بعمله الرياضي والصحفي».
الكثيرون ربما لا يعلمون أمرين عن صديّــق، أولهما أن كاميرة التصوير لم تكن تفارقه أبدا. كانت على الدوام لها مكان في جيب ثوبه أو جيب بنطاله، يستخدمها في تسجيل أي صدفة أو مفارقة يمر بها، حتى بلغ عدد الصور التي التقطها بنفسه يتجاوز المائة ألف صورة. الأمر الآخر أنه اقتحم في مرحلة من مراحل حياته عالم تجارة الأدوية وملحقاتها من خلال افتتاح ست صيدليات، لكنه أغلقها جميعا بعدما اشتدت المنافسة في هذا القطاع المعروف أصلا بتواضع المردود.
في سنواته الأخيرة أصيب بمرض عضال أجبره على السفر إلى الخارج للعلاج، ثم عاد بعد بعض الوقت فاحتفى به أصدقاؤه من النخب الرياضية في المنطقة الشرقية، كما تم تكريمه من قبل أمير المنطقة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز كأحد رواد الرياضة السعودية. بعدها انتكست صحته لينتقل إلى جوار ربه في يوم الاثنين الموافق 28 نوفمبر 2016، وليشيع جثمانه بعد عصر نفس اليوم من مسجد الفرقان وسط حضور كثيف من كافة ألوان الطيف الرياضي بالمنطقة الشرقية، فكان ذلك أكبر دليل على شعبيته وعلاقاته الطيبة مع الجميع.
وصف فيصل الشهيل الرئيس الأسبق لنادي النهضة بالدمام خبر رحيله بالمؤسف والحزين، وقال عنه الرئيس السابق لنادي الاتفاق بالدمام عبدالعزيز الدوسري «إن شخصيته لا يمكن أن تنمحي من ذاكرة الرياضيين، وبالخصوص الجيل الأول منهم ممن عاصروه وعرفوا مدى تضحياته واخلاصه الكبير للوطن»، ورثاه عضو شرف نادي القادسية بالخبر أحمد الزامل بقوله «إنه كان محبوبا من الجميع، وساهم في تطور الرياضة في المنطقة الشرقية على وجه التحديد من خلال مساهماته المؤثرة في العديد من المجالات الرياضية المختلفة، واصفا تواجده في المجالين التحكيمي والإعلامي، بالتحدي الكبير والانجاز الرائع نتيجة للاعاقة التي كان يعاني منها ولم تقلل من عزيمته»، وأسف الرئيس السابق للاتحادين السعودي والعربي لكرة اليد محمد المطرود لأن صديق جمل الليل، الرياضي والتربوي، لم يــُنــْصف من قبل الإعلام الرياضي في المنطقة الشرقية، مضيفا «إن ما قدمه للرياضة في المملكة ككل، كان يستحق من الإعلام الكثير، لكنه رغم ذلك سيبقى علما في قلوب وذاكرة رياضيي المنطقة الشرقية، وبالخصوص من عاشروه منذ بداياته».







اخر الافلام

.. إليكم أسعار تذاكر سباق الفورمولا إي في الرياض


.. تيريزا ماي تحظى بدعم النواب المحافظين وتتخطى حجب الثقة


.. مشاورات السويد حول اليمن: ما قاله عبد المجيد الحنش عضو وفد ا




.. الحصاد-تصويت المحافظين.. تيريزا ماي إلى أين؟


.. إحاطة هاسبل.. هل تحدد العلاقات مع السعودية؟