الحوار المتمدن - موبايل



الجني المارد (1)

إبراهيم الوراق

2018 / 10 / 15
سيرة ذاتية


الجني المارد
(1)
يتبع
في مقالنا الأخير عرجنا على مجموعة من ألفاظ الشبح، ومعانيه، ومفاهيمه، ومصاديقه في واقعنا النفسي، والاجتماعي، ووقفنا على صراع الآلهة والشياطين في بؤرة انطلاق الإنسان من الأزل الروحي، ومصدر نبعه إلى الوجود المادي، واكتفاء السماء بإهباطه من ملكوتها الأعلى إلى هذا الكوكب الأدنى، وتوجيهه ببيانها المبيِّن لما يخلصه من خطيئة السقوط، والهبوط، فيعود إلى أصل قيمومته بعد أن يتطهر جسده من آصار فقص طينه، وترابه، وينصهر كله في ماهية كينونة ذاته الكونية، واستقلالِ الأرض بشهود مأساته التي سيعيش ملامحها، ومعالمها، ويحيى بين معاركها التي تقوده إلى بحار النقيضين، والضدين، فيحارب بدافع إرادته ما كمن في عمقه من رغبات بائقة، ونزوات مارقة، ويقارع بلازم قوته ذلك الشبح الذي يسكنه، ويحركه فيما ينهي هذه المهمة العظيمة، ويقضي على ما يقوم به كمالها في الباطن، ويسمو به نبلها في الظاهر، ويجهز على ما تهذب به الكيان من علو الهمة، ورفعة الهامة، فيخلد هذا الكائن الضعيف إلى مشروع تعمير دنياه بما يقوم به حصن الجسد من خصائصه المادية، وما تتوقف عليه حضارته من ضروب التضحية، والجهود البالغة، ورأينا كيف نشأت معضلة الخير والشر في الثنائيات المتقابلة، وكيف تحولت إلى نزاع مميت بين قوتي الصلاح، والفساد، وكيف طالبت الأديان بتحقيق حقيقة الصلاح، وناشدت به في صريح نصوصها، وجعلته طريقا إلى إبراء الذمة في هذا الصراع المميت، وكيف نازع الشيطان في ذلك بغرة حادة، وغالى في رفضه، واستكباره، لكي يعيق السير نحو الكمال البشري، ويعطل طرق العروج نحو الجمال الإنساني، فتصير الأرض محلا للفساد، والكساد، والإغواء، والإغراء.
بعد هذا كله، عن لي أن أستعيد ذكرى شبح من أشباح حياتي، واسترجع ما فيها من صور المواجهة التي استطالت علي سنين طويلة، قضيتها بين دروب صارعت فيها هذا الجني المارد فصرعني، ونازلته فيها بكل ما قيل من تعاويذ، وتمتمات، وتمائم، ورقى وبخور، وشموع، فلم يفدني في افتداء ذاتي من قبضة يده الخشنة، وانعتاق جرمها من كوابيسه المحيطة بي في نومي، والمحدقة بي في يقظتي، ولم ينفعني في التحرر من خبث يوجه به حياتي، ولؤم يدبر به واقعا متناقضا بين حداثة تجذبنا إلى فسحتها بما يشم بين الأماكن من فوح نسيمها العطر، وبين ماضوية تلمس أجسادنا بثيابها الخشنة، وتحتك بعقولنا في كثير من الطرق التي مشاها غيري، أو مشيتها متعرجا، أو متثاقلا، أو متماوتا، لأنال صفة الإنسان الذي حبس تاريخه عنه في أزمنة معينة، وأمكنة محددة، لم يشأ لها أن تستوعب هذا المعنى الكوني، ولا مراحل تاريخه، ولا منعرجات حضارته.
ذلك الصراع بين الحداثة، والماضوية، كانت له حروب مستحرة في باطني، وظاهري، ومستعرة في أفكاري، وأخلاقي، لأني حين ابتدأت أعي ما معنى أن أكون طفلا يسلب لب الأنثى، ويخلب نظرها، ويوجه تفكيرها إليه، فتحدق إلى وجهه الطرير، وتشتهى ما يخبئه في قلبه من كلمات العشق، وعبارات الغرام، وجدتني حليق الرأس اضطرارا، وحاسره اعتلالا، لا وقاء عليه إلا طاقية أضعها في فصل البارد القارس، وأنزعها حين ينسل قرص الشمس من وراء الديار النائمة على أمل، والمستيقظة على ورم، لكي ينفذ نور الحفظ إلى عقلي، ويخترق فتحات ذهني، فيحفر له أثرا لا ينسى ما حيييت، إذ كان ذلك معتقد الأب الذي حرص على أن نحس بشيء من البرد، وشيء من الحرارة، لعل عناصر جسدنا تكتسب قوة تغالب بها ما يطرأ عليها من قسوة الأمراض، وجفائها، وغلظتها، وتنال قدرة على أن تحتك بصعوبة هذه المهمة، وتكاليف وظيفتها الباهظة، لأنها سامية في المخيلة الشعبية، ومثيرة لحساسية الترقب من قبل من كلف بها، أو من قبل من كَلفه بها، إذ تجسد قيمة في العيش وسط الجماعات، وتختزن موروثا مترعا في كثير من مشاهده بالنزوع نحو تحقيق البقاء، لأن الجماعة في المداشر تحقق بها وجودها الأنطولوجي، والمادي، وهكذا من يفترض فيه أن يكون حارسا لها، أو مكلفا بوضعها بين سلم الموجودات، إذ هو تابع لها فيما يكسبه من عطاء، ويناله من حباء، لأنها في الاعتبار التاريخي، ليست إلا عقيدة تشكل السقف المعرفي للتنظيمات المتدينة، وعلاقة قائمة في النظام لتمرين الطباع على صفائها، وتلطيف أجواء الصلات الاجتماعية، وتدبير المشترك الذي يقي الصيرورة من الفناء.
لكن ذلك الحلق لرأسي، ومهما كان متأثرا بما يدور في محيط أبي من معرفة بالعالم الروحاني، وخصائص الجسد، وملكاته الباطنية، وطاقاته الكونية، فإن ما غرسه في ذاتي من آلام غضة، لم يكن ما تخيله أبي في سلامة خارجي إلا تافها أمام ما تفتق في داخلي من كره لرأسي الحليق، وبغض لكل يدب فيه من أحاسيس الانتماء إلى دائرة تتقاسمها مجموعة من العادات والتقاليد البالية، لأن كراهية هذا الرأس، وما ينطوي عليه من منعرجات القلق، والضجر، والسآمة، ابتدأت أولا حين كان أبي يصحح الأخطاء التي غفلت عنها فيما كتبته على لوحة الجوز من قرآن، وكان إذا غمس قلم القصب المدبب في المحبرة، وحمل شعرة من الصوفة التي حشيت مع الصمغ في قنينة الفخار، يأمرني بأن أقرب برأسي إلى رحابه، فيمسح القلم فوق ملس صلعته بطريقة تخط خطوطا شبيهة بالصليب، لكي تزول تلك الشعرة اللعينة من الحبر.! كانت هذه مفارقة عجيبة دلت عندي على أن رأسي قد أهينت كرامته حين لم يكن إلا محلا لإنبات شعر لا قيمة له في الوجود، والاعتبار، إذ استوى عندي ما برعت الطبيعة في إنمائه لتتطور به بنيتي الجسمية، أو ما حمله القلم من المحبرة الأثيمة، فهما معا يدلان على أن الشعر كان غضب الطبيعة، لا سترها الذي يحمينا من أمراض الجلد، وأعراض المؤثرات الخارجية، لأن حلقه في التاريخ البشري، كان دلالة على العودة إلى أصل الطهارة، والرجوع إلى لحظة البداية، فسواء ما حلقه أبي منه حين أهللت صارخا، أو ما حلقه حين وهبني للخفاء، لأكون سائرا على إثره، أو ما حلقته في مقامات تحتاج إلى ذلك لتمام المرام المطلوب. لكن، هل كان حلقه لحظة تافهة.؟
أجل، ما أتفهها من لحظة قضيتها، وما أحقرها من ذكريات عشتها، وأنا أبحث عن سبب منطقي لما يحدث، يمكن لي أن أفسر به ما يقع، ولا رأي له فيه سوى أنني عبد مملوك لأبي، ولمهمته، ولطقوسها، وعاداتها، إذ كنت أخب من المحضرة إلى البيت الذي يضم رفات أجسادنا المتهرئة، فتحدث لي في طريقي فواجع الصفع على رأسي المعرى للسماء، وللإنسان الذي لا يأبه بشقاء الآخر، ولا بتأليمه، ولا برسم صور البؤس في خياله، وذكرياته، إذ كان اجتيازي إلى ذلك البيت لحظة قبيحة في وجودي، وقضية كنت أداري شؤمها بما ألجه من مخابئ ساترة، لأنه يعرضني للشتيمة أولا، وثانيا يدخلني إلى عوالم ذلك المكان الذي يسترنا بليله، ويصيرنا ضحايا للرزق، وأوضاعه السمجة. وما أفجعه من بيت قذر، تنتابه وقاحة الزمن النكد، ورقاعة الحظ فيما هيأته الأرزاء من أرزاق معلولة بطلب ذليل، إذ كان يعبر عن أقسى لحظات العيش فوق هذا الكوكب الرديء، وأفظعها أثرا فيما تكون عندي من تصورات، وقناعات، لأنه لم تتوافر فيه وسائل السكن، ليكون أملا، ولا أساليب الهدوء، ليكون مريحا، بل كان غامضا في سره، وحوشيا في عمقه، وغريبا فيما يحمله من ألغاز التاريخ، وإشكالاته التي مسكت بكليتي، ولم تدعني أن أفكر في علة وجودي، وما هي الغاية التي جعلت تعذيبنا قربانا لفداء البشر من قبضة شيطان لعين، يتربص الدوائر بالقوى المكنونة في الجسد، ويغزوها في غفلتها، وسهوتها، ويهجم عليها إن لمس فيها لينا، أو عشق فيها ضعفا، ويدفع بها إلى الجحيم إن لم تتداركها يد من يحدد لها معالم النجاة، ويبين لها سبل الاهتداء، والافتداء.؟ وما هي قيمة هذه الأدوار التي كان أبي يقوم بها، أو ما كنت أقوم به حين هندسني القدر في لوحة التاريخ، لكي أخلص العامة من خزي هذا اللعين، وفواجعه، وحروبه المتطورة.؟
أسئلة كان لا بد منها في عملية البحث عن كنه هذا الجني المارد، وماهيته في عقلي، وأثره على تفكيري، لأن أولى فصول هذه المعاناة، قد ابتدأت بإنهاء أملي في المدرسة العمومية، خوفا من وقوع أي حدث مأساوي في الطريق الذي يفصل بين القرية، والمدرسة، لاسيما بعد أن دهست سيارة طائشة طفلا يحاول أن يجتاز المكان إلى حجرات الدراسة، ثم إلحاقي بالمحضرة، وإلزامي بما فيها من قوانين، ونواميس، وظروف كانت أسوأ محاضن إحساسي بأني مخلوق للحياة، إذ كانت عبارة عن غرفة سوداء، مسقفة بخشب الأركان، وجريد النخل، ثم تطور ذلك السواد فيما أتى من عمر الاستحفاظ، والتوى على عنقي فيما عشته قابعا بين ظلمات ذلك البيت اللئيم، وجاثما على أكل نواه، وابتلاع أنوائه، وأعوامه، لأنه ضم جسدي الهامد سنين طويلة، أذابت كل ما تتعلق به طفولتي من فضاء البراءة، وأهان كل ما ستتركب منه صور غدي من تماسك نفسي، وتواشج اجتماعي، إذ غرفته الوحيدة التي كانت مهيأة لاحتضان هذه الأجساد التي حرمها القدر من أن ترتاع بين المروج، والأحشاء، وتغازل الظباء بين رحاب الحدائق العمومية، وتناجيها بعينيها الذاهلتين، لعلها أن تستوهب شيئا من السعادة التي تخفف وعثاء السفر بين المراحل الكاسرة، وكآبة منظر يدهمها كل صباح حين تفتح عينيها على الكون، فترى مخاضا لا بداية له، ولا نهاية. مشاة يمشون بسرعة، وصفارات السيارات الباذخة، وجلبة المقاهي المكتظة بالسماسرة، والباعة، وأطفال صغار يرافقون أمهاتهم إلى الروض، وفتيان وفتيات يهرولون إلى الإعداديات، والثانويات، وأشخاص، وأشباح، ومظاهر ينفر بعضها من الحياة، والإنسان، وبعضها يغري بالطلب، والجلب. وكأننا أمام خلية نخل تعمل بجد، وكد، وهي تستعد لنهار يهبها ديمومة الحلم، وآماله العريضة. كل ذلك قد حرمته في تلك القرية، وفي ذلك البيت، لأني ما أن أفارق المحضرة بعد صلاة العشاء، حتى ألج غوره المخيف، ثم أتناول عشاء رديئا بسرعة، وأحمل المصحف بين يدي، لكي أهمهم بشيء ليس مكتوبا، ولا مقروءا، ولا حرف له، ولا معنى، بل هو مجرد صوت ينزف من عمقي المحترق بالرغبة في الحرية، لكي يوقن أبي بأنني ما زلت في مشوار قراءتي، لا أفتر عنه، ولا أفارقه.
هنا استقبلت حياتي، وفي هذا الوكر التعس، وفي هذه الغرفة التي تداعبها الشمس غدوا، وعشيا، وهنا مرت علي فترات عميقة الأثر في ذاكرتي، وواصلة بين أفكار عشت هذيانها، وتوهانها، إذ لم انفصل عن هذه الغرفة إلى غرفة أخرى غير مبلطة في سقفها، ولا مسواة في وضعها، إلا بعد أن كبرت، واشتد عودي، واحتد نزاعي لذاتي، وصراعي مع لذاتي، وبدأت أحس برغبة في التوري عن عيني أبي، ولو لفترات أقضيها مع أمي، واستمتع معها إلى المذياع النازف بأغان أمازيغية، ولو بصوت خافت ينبض به البيت الوجل من الخفاء، ومن الإنسان، وأتوه في الأحلام التي لم أعرف شكلها، ولا لونها، ولا رسمها، لأني ما عرفت شيئا اسمه الحياة على وجه الطبيعة، وما تعلمت شيئا يصور لي من أنا، ومن سأكون، لأني لست إلا كائنا منزوع الحرية، وفاقدا لأناشيد الأمنيات الباسمة، وألحان اللحظات الحالمة، إذ لو كنت عبدا بما تحمله الصفة في المحاكمة، لماثلني فيما أعيشه بلا تمايز، ولتمتع بغل الاسترقاق كما أتمتع به في عراقته، وأصالته، ولما كانت له أي ميزة على طفل جرت القسوة في شرايين كليته بالآلام الجمة، لأننا جميعا نحيى مأساة المهمة، والوظيفة، ونفتح أعيننا على العالم، ولكننا لا نرى على آفاقه إلا غمامة السواد، والعبودية.
كان هذا البيت، يضم مطبخا قديما، اسود شكله بالدخان، وبدا وكأنه كهف غائر، يحتضن كل صور الجني المارد، ومراسيم وجوده، وطقوس حياته، وملامح رغباته، وملامح غاياته، لأنه كان دهليزا مخصصا لإيقاد نيران التنور، ومعدا لطهي الطعام، ثم زهدت فيه أمي، وتجاوزته لكي يكون مفحصا لتربية الدواجن، إذ اقتطعت جزءا من الغرفة التي نخمد فيها إلى النوم لطبح قوتها الرخيص، فكانت مسكنا لها، ولوالدي، ومحلا لجمع أثاثها، وملابسها، وأما الكنيف الذي تغدو الحاجة إليه ضرورية في التقاليد الناسوتية، فإننا لم نعرفه إلا في آخر أيام استقراري بتلك القرية (هي القليعة من أعمال عمالة إنزكان أغادير)، لأن جدرانه التي سترتنا فيما بعد، كانت تنوب عنها السماء حين بخل الناس على محفظهم بالمسكن اللائق بمهمته، ووظيفة تقدمهم في الجماعات. كل هذا كانت له آثار عشت مآسيها بين المساكن التي غرست في أبنائي آلاما نكداء، ما زالت وإلى يومي هذا تؤثر في أفكارهم، وسلوكهم، وعلاقاتهم، وتحدد كثيرا من مساراتهم التي يعيشوها بعد نزولي من سطح لعبة الرزق إلى قاعها.
هكذا كان رفاقي في درب التشظي، والتمزق، والانزلاق نحو غابة المستقبل بجهل الآباء، وغباء الأبناء، يمرون على "ابن الفقيه" في الزقاق العام، فيصفعون صلعته اللامعة بأشعة الشمس خلسة، ويقولون: بكم هذه البطيخة يا ابن الفقيه.؟ لم يكن ذلك احتقارا فحسب، بل كان يحمل عندي علامتين: الأولى أن مهمة أبي التي توارث ما فيها من دموع التاريخ، لم تقف دون إهانتي، والاستخفاف بكينونتي. الثانية، أن ذلك ترك عللا في نفسيتي، وأغرقني في صراع داخلي، عشته متألما بعلامات الماضي، وصوره الشاحبة، وذكرياته التي تنتابني في نومي، ويقظتي، إذ ما رافق ذلك من خوف يغمرني طيفه حين أمر بين السكك مختبئا، كان ضرره عميقا في تكوين شخصيتي، وتركيب ما فيها من أشباح أخافتني وإلى أمد غير بعيد. فما أبله كثيرا من الأحداث التي هزمتنا في صغرنا، ورمتنا بين دروب بخست حقنا، وسلبت خصوصيتنا البشرية، لأننا ولو تجاوزنا أربعة عقود، لا زالت توحي إلينا بما حفظته ذاكرتنا من حوادث تصرخ في أعماقنا، وتدوي بأحزاننا.
وإن أنس ما نسيت، فإني لن أنسى أضرها بي، وأقساها علي، وهو ما لبسته من قميص خاطته أمي من قماش كان في أصله جلباب أنثى، ثم استحال مع تدثري بدفئه عقدة اشمئز منها، وانقبض من تذكر ما تطويه من عويل، وأفق يضج بإيقاع انتحار طفولتي، ودفنها بين حطام الأحلام الموءودة، والأماني التي قطعتها الحظوظ عن اعتدال مقاييسها، وصيرتها مستحيلة في درك حقيقتها، وغير ممكنة للوعي في تعقد معناها، وتجاوزه لما هو مكسوب بالطبيعة، أو لما مكتسب في واقع الأحداث التي نتحاشى تراكمها سرا، أو علنا، إذ معرة الفقر لم تميز في عقل أمي بين الحدين، ولم تضع الفوارق بين الجنسين، بل جعلتنا نتعايش في اشتراكية لا تؤمن إلا بالمظاهر المتحدثة عن عذاب الإنسان، وآلامه المترنحة، وأوجاعه المتشظية بين بؤس نعيشه، ويأس يقودنا إلى مسالخنا بلا رحمة، لأني إذ ما أن احتك بالأطفال في الزقاق، أو بين مراح (أسرير) القرية الذي تعلن فيه عن أفراحها بما تقيمه من حفلات لرقصات أحواش، أو لغناء المجموعات الغنائية التي حرمت من حضور رقصها، ولعبها، لا لشيء يتهم تذوقي لما يروج في محيطي، بل لكوني ابن فقيه يتورع أبوه عن كل ما فيه شبهة، ويتزهد في المباحات، ولو كانت في ذلك إمكانات أن يكون عنده، أو عند غيره، تكلفا لحماية هذا الحظ الحقير من الرزق، وتصنعا يخفي ما وراء البزة، والهيأة الحسنة، إلا وأسمع السخرية، والاستهجان، والاحتقار الذي تبديه الأعين حين تختلس إلى لباسي نظراتها الشزراء، فأحس بالقهر، والظلم الاجتماعي، والتفاوت الطبقي، ولو كان ذلك ساريا على كل أطفال الطبقات الفقيرة، وما أكثرهم في حضيض حصر المحضرة الممزقة، إذ هم الذين عمل التاريخ في أذهان آبائهم، فاختاروا أن يكون الأبناء خداما أوفياء للمعبد، ولسره المنقول بين الأجيال.
لكن كوني ابن فقيه، لا حامي له من غيره، ما دام أبوه لا يطيق الدفاع عنه حماية لعشه، وانتشالا لعائلته التي فر بها من بلدة حاحا إلى سوس، لكي يحميها من اقتتال عنيف حصل في بدايات الاستقلال بين الضعفاء، والوجهاء، قد أسبل علي إزارا أسود قاتما، عتم رؤيتي إلى الأشياء الجميلة، وقوض معالم تفكيري في خلاص يهدي إلي بسمة الأماكن، وبهجة الأزمان، إذ كنت استجمع هذه الذكريات في عمقي، واستحضرها حين أتساءل عن سر هذا النبوغ الذي تفتق عندي، وتفجر نبعه منذ صغري، وأنا أمعن النظر في كتب الروحانيات، والقصص التي كانت فاكهة مشتهاة أقتنيها من بستان كتاب بدائع الزهور، أو الروض العطر. لكن ذلك، ومهما كان مثارا للانتباه، ومحتاجا إلى خبير يقومه، ويوجهه، لكي يكون حقيقة واقعية، يعود نفعها على الأب الذي أصر على مرابطة ابنه في المحضرة، ولو بعد إتمام حفظ القرآن، وعلى الابن الذي تنتظره مهام جسام في مقارعة غوائل الحياة الهادرة بإشكالات جديدة، والضاجة بأزماتها المتفاقمة بما طرأ عليها من تبدل بين الأجيال، وتحول من غفلة الماضي إلى خمرة الحاضر، لم يكن مؤهلا ليصنع المعجزات الباهرة، ولا ليصعد بنجمي إلى سماء الشهرة الباقرة، لاسيما وأنه توافرت فيه كل أسباب التميز، والتفوق، إذ لم تلمسني نعومة حنان، وليونة عشق، وطراوة أمل، وغضارة حلم، لكي أخب بين دروب المستقبل متفائلا بما اكتنزه من نشاط، وعنفوان، بل انحسر ذلك في قفص الشبح، وما يفرضه عليه من خوف، وأفكار مميتة، وانكفأ على رغبات بسيطة، لم أنلها فيما قضمته من شهي طعم حياتي، ولم أنس ما تخلف عنها من عقابها، وعذابها، ولو تهدم حصن الماضي، وتوارى خلف أنقاض التاريخ، وصار الحديث عنه مدعاة للتحسر، والألم.
كانت أيام المحضرة مأساة بالنسبة لي، لا استحضر مكنونها من زاوية القراءة السيكولوجية للمعالجة الضرورية، إلا وخضت في أحضان أنفاس تحمل نبرات صوت متهدل بين الخشوع، والخنوع، ومتهاد بين الخيبة، والحسرة، لأني تخرجت منها حافظا مجيدا، ومتقنا لما أثقل حفظه عقلي، وأتعبه تتبع موارده في الرسم، والأنصاص، والأرجاز، ومتحمسا لمواصلة درب الحياة بآلام أخرى، كانت في غايتها القصوى، تستوحي مني صورة خلاصي من مهنة الأب، وبداية إسراع الخطو نحو صياغة سبائك الفضة على عادة بعض أفراد عائلتي. لكن القدر لم يشأ ذلك، ولم يسعف بأمنيته، ولم يهبني مسرته، إذ لم أخرج من ذلك الجب سوي الفكر، وقوي الحركة، ولم أتخرج من تلك المراسيم متكاملا، ولا من تلك الأطلال متساميا، بل حاصرتني أفكاره السوداء، وقيمه الرعناء، وضايقتني سنوات قضيتها متحملا فقداني لبوصلة الاندماج، والتواصل، والتفاعل، وضياعي بين فراغ طريق مشيت عليه ذاهلا من روعة ما أراه من انكفاء على الذات، ورغبة في الخلاص، وحيرة في الموارد التي تهدي خمائل العطاء لجبان الآمال المفتوحة التضاريس، وخذلان طالني في كثير من مواردي التي لم أحس فيها بالأمن، ولم أشعر فيها بأنها تود مرافقتي، ولو كانت قريبة مني، إذ مررت بتجربة التلعثم، وبتجارب كثيرة لا أطيق حصرها فيما أغوص بين متاهته، وأجدني هادما لأسس بناه، وأصول وجوده في دماغي بهذه الطريقة المستفزة لاستقرار حياتي، واستمرار وظيفتي في المراتب الاجتماعية، والوجاهة التي يقتضيها وضع الأبوة بمثلها الراقية، ويستلزم حقيقة قوتها واقع التعامل مع مهمات الكفالة، ومسؤوليات الرعاية، إذ كنت أحس في خضمها بأن الآخر يستهزئ بي، أو يسخر مني، أو يعاندني في سرقة مفهوم الأنا الحقيقي، وانتشال ما خلته أمانا لكياني، وأيقنت بأنه هو أنا في تصوري لمكامن النعمة الوافرة، والبهجة الكاملة، فإذا بي ألمسه عندما خالطته ضيق المسام، ورديئ الطبع، ورهيب الفكرة، ومثيرا لما بقي من أورام في ذاكرتي المثخنة بالجراح، والمفعمة بصور لهذا الوجود الذي أراه سديما متباعدا عني في قراءته، ومتنائيا عن معرفة ما يختبئ في قاعه من أمداء اللاشيء المتفجر بين كل أحشائه، وأنحائه.
والأغرب أن تلك الأفكار قد لازمت مسارات كثيرة اجتزتها كئيبا، وقطعتها بين مواضيع معقدة في ذهني، ومبهمة فيما تملكني من رعب، وإحساس بالعبث، ورغبة في العدم، ومضطربة بتأنيب الضمير، واستيحاش الأماكن، واعتلال ما تلتقطه عيني من حقائق تعريف الأشياء، وإبداء الرأي فيها، وإعادتها إلى أصلها الكامن في مقدمات اليقين، أو الظن. لكن ذلك، لم يكن بارزا بالطريقة التي تجعله فاتكا، وتصيره قاتلا، إلا حين تجمعت كل أنياب الشبح على ذاتي، وبدأت تبتلعني بين الموارد الشقية، والمجالب العصية، وتقرر مصيرا لم أطق أن اختار فيه أصعب المسالك، وهو المهدي لي بعد انتهاك لماهيتي، وإنهاك حفر في كينونتي أخاديد العناء. وما أصعبه من خيار، لم تعرفه إلا بعد أن سحقك، ومحقك،! لأني حين أدركت أن هناك شيئا يسكن لغتي، ويستوطن حرفي، وكثرت تفسيراته، وتأويلاته، انهمر هوس السؤال على هشيم عقلي، وحطيم كياني، وانسكب هاجسه فيما عشته بين مخالب الشرود العنيف، إذ ظن بعض رفاق الدرب أنه وجع التيه، والوعي الشقي، وظن آخرون أن جنيا يسكن قيعان الذات، وهياكلها المنخورة، وهو الذي يعثر السير، ويربك المسير، وظن آخرون ظنونا أخرى، ورضي آخرون بما حصل من نحول الجسد، وانفجار بركان الريبة بين أمداء وعي لم يعرف ثباتا فيما مر عليه من تجارب الانتماء، والانتساب، وخالوه انتقام الطبيعة، وغضب الكون، ومكر الآلهة. ولا أدري، وأنا في وعيي المتجافي عن شطح الخيال، متى نصبت مجانيق العداء على أرض الغرة الفاجرة، لكي أرمي السماء بسهامي، وأهدم ما تراءى لي فيها من قباب.؟ أو متى غدرت بالإنسان، وخنت عهده، وخفرت ذمته، وألقيته بين النيران المشتعلة بالآلام الغضة، والأوجاع البضة.؟ وحقا، لو استبد بي زخرف شاحب، وفتحت عيني عليه برغبة حارقة، ومسحت عقلي من فضوله في قراءة ألغاز ذاتي الغامضة، لكنت في منتهى تقديري لما يلون المعدن النفيس للإنسان، ولقلت متسائلا، وفي غاية الانتباه إلى ما يسقط هناك من دموع تلمع كالجمان، وتحوم أنظارها الكليلة حول بركة الأمل التي تتلف على مياهها أسراب الحمام، والغربان: متى حدثت نفسي بأن أفقد هذا الكنز الذي تقاتلت عليه السماء، والأرض.؟
لم يحدث ذلك في مقصودي، ولا فيما استغلق علي من اكتشاف لما وراء حلكة الأشياء، وعتمة ما فيها من مجهول منعقد بين رعب يعتريني، وحرص يقودني إلى مكروه أدبر به ما أرفعه في خيالي من أعلام لهذه المدينة المقدسة، بل كان محض التجربة، وعصارتها، وحصيد السنين، وقصارى ما فيها من جهد لمعرفة حدود البوح، والكتمان، وفهم ما فيها من إلهام الملاك، ووساوس الشيطان، لأن ما نثرناه من بذور على تراب التجربة، قد خرج منحرفا عما انتظرناه من همس المياه، والنبات، والحيوان، والطيور، والنجوم، والأفلاك، والأجرام السماوية، إذ صار متعددا في آفاقه، ومتنوعا فيما يوحي به من ألفاظ جزلة، ولغات تغمرني بالحنان الفطري المنساب مع الطبيعة الخلابة، وتسبل علي إزار منتها في لحظات التجلي، وتعلمني كيف ينطق القلب، وكيف تعرب الإرادة، وكيف تفصح الحنكة حين تتخلص من النظام، والسياق، والمواضعة الخادعة. أجل، قد يكون الأمر كما رأى بعض رفاقي، حين وصفوا حالتي بأنها نتاج طبعي لوعي وإدراك قوي، لأن تفتق هذه الموهبة، وبروز طلتها على الوجود، كان على حين غرة، وتميزها المخصب بما يتغلغل في صميمها من آلام، كان فيما أحدثته من جلبة بين محيط ينتفض لكل ما هو مفاجئ، ومغاير للمألوف، إذ هناك أمر ما يخالف النسق، ويجافي طباعه القاسية، ويغازل حسناء ينقشها شيطانه في دماغه، وهوي سر في تضحية الكيان من أجل ذلك المغزى المنغلق على ملكات متفجرة عن فهم مريب؛ فإما أن يكون ناتجا عن طباع شرسة، وإما أن يكون حاصلا عن قراءات لكتب روحانية، أو حادثا في خلوات قضيتها هنا، وهناك، لكي أتفنن في أعمال أولجتني عالم الجن، واستحضاراته، وأدخلتني غيابات علم الحرف، وأسرار الأوفاق، ودهاليز المعاني الخفية. لكن، لم يكن ذا، ولا ذاك، هو السبب في تألق الثقة بالنفس، وتجبرها في بعض الأحيان، وانهيارها في ملالة اللامبالاة، وانبهامها في مطلق اللاأدري، بل كان وعيا شقيا، تمازجت فيه رائحة هل أنا هو أنا.؟ أم أنت هو أنا.؟ أحقا أنا هو المجهول في هذا الزمن الأغبر.؟ أم أنت، هو الذي تشققت عنه الأرض، لكي تتعلم منه الذات سبة تجاوز الحدود.؟
ربما كان ذلك حماسة طفل أراد أن يبز أقرانه، ويغلب لداته، أو ربما غير ذلك، لكن ما ابتلعته حاسة ذوقي من عشق لهذا الإمبراطور العظيم، لم يترك لي عينا يرقأ دمعها، ونظرة يسكن هوجها، لأني أردت أن أعيش قصة كشف الحجاب عن هذا السواد الذي تلثمته نوبات نشاطي، وحيويتي، لكي أميز بين الإله، والشيطان، وأفرق بين النور، والظلمة، وأبني حدودا للخير، والشر، وأرسم أفقا لإنسانيتي، وفضاء لكونيتي، إذ ذلك هو الذي سيجعلني أعرف قيمة القلم، وما يكتبه من حرف، ومعنى الورقة، وما ينقش عليها من كلمة. هكذا كانت إمبراطورية العلم تستحوذ على كياني، وتسلبني إلى أسفار تواريخها، وسير رجالها، وحقائق معانيها، ومنتجعات مكارمها، لأني خدعت في البداية بالذين وعدوني بأن يكون العلم لي كساء إذا تعرى عن غيره، وصارت المقامات مراتب للأكفاء، والأقوياء، لكن، حين وضعت الحرب أوزارها، وظهر ما اختفى خلف كساء الصفاء، لم أجدني إلا عريا في وجودي، وحالات معاناتي اللاذعة. وهنا تعثرت في مسيري عثرات كثيرة، ووقعت في حفر لم ينقذني منها إلا تأملات صعقت ذهني كالبرق الخلب، ففجرت فيه كشفا لذلك الطي الذي حثني على الصمت حين قرأته، وتمعنت في أساليبه التي تفتح في الشروق معبرا إلى مشرق الحقيقة، إذ ذلك الذهول، أو الانصعاق، قد كان حقيقة وعيا شقيا، واكتشافا لما زرع في الساعات من خمرة ذكية، فإما أن تغيبك عن عقلك إلى لاعقلك، وإما أن تخدرك، وتتوه في بحار همومك، وتغرقك في آسن غمومك.
هنا، كان الألم وعيا، والشقاء وعيا. وهنا اندفعت كالمجنون باحثا عن الصلة بين المعلوم، والمجهول، وطالبا للتصريح فيما محله التلويح، لأني في يوم قائظ من أيام غشت، خرجت من قرية المزار التي سأودعها إلى الأبد، وأجهز فيها على ما تبقى من أجنحة ذكرياتي التي هربت بي من الحواس إلى الإحساس، وأدفن رميم معانيها في بيعي لبيت كان يضم شظايا رفاتي، وأنا أدب على الأرض راحلا في الزمان والمكان بلا اتجاه يجرني إلى موقع الآثار القديمة، ولا بُعدٍ يبين لي قصدا انصب إلى مهيعه الذي شربت منه زقوم الأحلام المخذولة، إذ خاطبت الآلهة، وحادثتهم، وناجيتهم، وعاتبتهم، وأصررت على أن أتهمهم بما يجري به طبع الجفاء في مصيري، وأحيانا تبدو لي الشياطين في مظاهر طفولية، وكأنها تنز من وراء أشجار الغابة، ثم تختبئ، وتختلس النظر إلى شخصي المتهادي بين الحنين إلى الروح، والأنين الذي ينصب عطش حزنه على رموز عباراتي، وتقهقه، وتقول ساخرة: لم أنت أحمق، لسنا أعداءك، بل أعداءك، هم أولئك الذين كتبوا على صفحات عقلك أن خلاصك يكمن خلف القبور.! كان هذا حوارا جديا، ونقاشا جميلا بيني وبين فكرة الإله، وفكرة الشيطان، إذ حاولت أن أكون حكما بينهما، وأن أقسم مساحات الذات لسيطرتهما، فجعلت للآلهة روحي التي تحتاج إلى ارتواء من معين السر الخفي، لأنها هبة السماء، وجعلت للشياطين جسدي الذي أبرم القدر في حقه أتعس تناقضاته، واضطراباته، لأنهم هبطوا معه إلى هنا، لكي يرافقوه في نزقه، وخرقه.







اخر الافلام

.. أمريكا تعرب عن قلقها بشأن الإعتقالات التركية


.. دراسة تنسف العلاقة بين نمو الرضع وساعات النوم


.. اتفاق بين بغداد وأربيل لاستئناف تصدير نفط كركوك




.. اتفاق بين بغداد وأربيل لاستئناف تصدير نفط كركوك


.. مساعد نائب وزير العدل الأمريكي سابقا: مديرة -سي آي أي- ستقدم