الحوار المتمدن - موبايل



الجني المارد (2-3)

إبراهيم الوراق

2018 / 10 / 16
سيرة ذاتية


الجني المارد
(2-3)
يتبع
أجل، كان حوارا هادئا عشته خارج حدود الزمان، والمكان، وكسبته بقوة المسيطر على أفكاره المشتتة بين شطآن الوجد، والفقد، وحزته بدهشة ما يصل إليه العقل من تحقيق لحدود ماهيته، وعوارضه التي تعيق صورته الخارجية، وهو يتحدث بلسان الشخصيتين المتلازمتين في ذاته المتألمة، ويصرح بما فيهما من جنون مفعم بحنان الجسد الجريح بوخز السنين، وتعقلٍ يضم ذراعيه المفتولتين، ويعطلهما عن انتقاء الفرص، واختيار أساليب نيلها، ولو كانت مدللة بالخيال، أو معقمة بضجيج الذاكرة، وصخبها القاتل، وضجرها الممل. أجل، كان هذا الحوار عظيما في تلمس حقيقة السؤال، وفي رسم ما يبدو من صورته، ويبرز من صوته، لأني لم أحس بما قطعته من طريق يفصل بين الحدث الذي يحدث في باطني، وبين الحدث التي يقع في خارجي، ولم أشعر بما صادفته في سبيلي من أشخاص، وما قابلته من أعيان، ولم أدرك ما يحدث أمامي، ولا ما حدث خلفي، ولا ما يمكن له أن يحدث بعد مرور لحظة، أو لحظات على ما أعيشه من وعي مشوش، وانخفاض في مستوى الاستيعاب لعالمي الصغير، بل كنت هائما بلا متجه، وتائها مندلقا في مسام الأرض اليابسة، ومندفعا إلى طي خطواته المتهدلة، وكبس ما فيها من ظلمات موحشة، لأنني كما أسير بين أحشاء عقلي متأملا، فإني أمشي متألما بين أعماق حلمي، وأدب متضجرا على سطح أملي، وأخب متبرما على عنان أفقي، إذ لا رجاء لي إلا أن أرمي هذا الجسد في بركة آسنة، أو في نهر غامر، أو في بحر هائج، ثم أتخلص من عذابه، وأنتهي من شقائه.
لكن، ومهما كان ذلك صعبا في عملية التخلص من آصار العقل المتوحش، وآثار قناعاته التي يدبر بها دروبا شقية في العيش اليومي، وما يرتبط به من فسلفات، وثقافات، وما يتصل به من أوضاع الواقع، وأزماته الفاتكة، فإني ما رأيت حوارا أجريته في باطني، وسبحت من أدناه إلى أقصاه، وخرجت من زحمته بنتيجة محمودة الأثر أكثر من هذه المحاورة التي استطالت على كثير من أفكاري المطلقة، والمقيدة، وأنظاري المقدسة، والمدنسة، لأني قطعت بين مهامه المكان ما ينيف على مسافة ثلاثين كيلومترا، ومشيت ولا ظل يقيني من حرارة الشمس اللافحة، ولا مهد يهدئ فزعة ما أحس به من وجوم الأرض، وسهوم السماء، وضمور الإنسان، وكمون الوجود، وكأني في تلك اللحظة الجامحة، امتلك الكون بوحدي، واعتبره خاضعا لإرادتي، وقدرتي، وخانعا لسطوتي، وسلطتي، وإن كان هذا الكوكب الذي أعيش فيه فروسيتي الدونكيخوتية الحمقاء، يموج بالمارة الصاخبين بالعلل الدفينة، والضاجين بالحظوظ الكسيرة، والمنطلقين بسرعة نحو الأهداف الحسيرة، إذ لم يكن أنيسي في عذرية الفكرة، والرؤية، إلا ما يحترق في داخلي، وكياني، ولا رفيقي في غضارة المعنى، والمبنى، إلا ما يلتف على صدري، وعنقي، ولا صديقي في تعبير اللسان، والبيان، إلا ما يخنقني بأنفاسه المكظومة، والزفرات المكتومة، ويشنقني بما يقيمه من صراع في أفكاري، وأذواقي. فلمن سأخلص منهما.؟ هل لهذه الحداثة التي تهدم كثيرا من قناعاتي التليدة.؟ أم لهذه الخلفيات المترسبة خلف ما تنبني عليه شخصيتي من قيم، ومواقف قديمة.؟
لم يكن هذا سهلا في الصياغة المنطقية لأبجديات الحوار، ولا لمقدماته المعتبرة، لأنك في لحظة استرداد الوعي تناقش الآلهة، وتعارضها، وربما تصادرها، وتطالبها بإلحاح أن تستجيب لك، وتجيب سبب خيباتك المريرة، وكأنك تحاكمها بفعل التاريخ، والحضارة الإنسانية، وتقول لها: أي ذنب لي، وأنا لم أكن إلا طفلا غريرا، لا قوة له على مواجهة ما امتلأت به الأواني البشرية، ولا قدرة له على أن يستلهم مما عبره من جسور إلهاما يصفو به عما فيه من شوب، فأبي كان يتحايل على كسرة خبز يزقها في أفواهنا الفاغرة، وأمي أكدها مرور الزمن الذي دهمها كقطار دك جسدها، ودسها بين أنقاض ذكرياتها الأليمة، ولا أخ لي، ولا أخت، ولا شقيق، ولا حضن، ولا دفء، ولا حنان.؟ فأي ذنب لي إذا تضيقت مما يخور حولي من همم الإنسان، وتحرجت مما تضعضع من أركان في مسار القيم، والأخلاق.؟ وأي ألم هذا الذي أجابه بؤسه، ولؤمه، وأنا لم أكن كامل الأوصاف، لكي أستوجب العزلة في كهف الآلام، والآثام.؟ ثم تقلب وجهك يسارا، وتخاطب الشيطان، وتلعنه، وتسبه بأقذع ما في جوفك من ضغينة عليه، وتقول له: لم لم يغرك هذا الجسد البدين بشهوات الجشع، والطمع، وأغراك جسدي النحيل، وحظي الهزيل، وقد طال عليه الأمد، فصار مقرا للبؤس، وملاذا لليأس.؟ ماذا تريد مني، يا منبوذ السماء، وملعون الأرض.؟ ألا يكفيك أنني لا أتأبط إلا هذا الهم النكد، والغم المبدد، وأوجاعا تترى، وأحزانا تتوالى.؟ وأي شفقة في قلبك حين لم ترحم كئيبا أغلقت دونه الأبواب، وسدت عليه منافذ العطاء، فلم يجد إلا ترعة نفذ منها إلى شيء من همس أمانينه الثكلى، فلم ينله حين وقعت يده عليه إلا خشونة في طبعه، ووحشة في ذوقه.؟
كانت محاورة الآلهة جديرة بأن تقوي فيك حماسة الممتلئ بالعنفوان، وقمينة بأن تمنحك بعض الشعور بأنك تملك تلك القدرة على رص العبارات، وإرغامها على الترميز، والغموض، لأنك تفوقت أولا على الشبح المخيف، وثانيا استطعت أن تعبر عن السبل الملتوية في تضاريس ذهنك. فها أنت قد تجاوزت مساحات الخوف، ومسافات التلعثم، ودارات السواد، وبدأت تشعر بما يعتريك من تردد، وتحس بأن ذلك الفكر القديم يغور في قاع كيانك، ويتقعر، ويغيض، ويحفر خنادق في مدار الذات، ويملأها بدماء الفورة، والوهجة، ويفرغها من طاقاتها السلبية، وساعاتها المستكينة، لكي تطيق الشرب من لحظاتٍ تزاوج الجسد والفكر في الكيان، أو الحياة، أو الكتابة، أو الهوية الجماعية. وكأني به في تلك اللحظة يتحول إلى بركان متفجر، أو إلى بحر متلاطم الأمواج، يحتاج الباحث عن درره إلى سباحة الماهر، لكي يسبر أغواره، ويكتشف ما فيه أسباب الألم، وأساليب الإبانة عن أحلامه، وأوهامه، وأصنامه المتجسدة في تماثيل ذهنه المقدسة. لكن ذلك الحوار، ومهما كان مبدعا في رسم معالم الضوء، والظلمة، وحد فصول الماهية، ومناخ أحاسيس هيأتها المجردة، قد أفرز تلك النتيجة المرة، والغاية التي تصيرك مقتنعا بأنك ما كنت حرا لتحلم بالحرية، وما كنت شيئا لتكتب صك الحقيقة، إذ، وأنا في لحظة التوهان، والهيمان، وجدتني أقف واجلا في "فونتي"، وهي المدخل الرئيس لمدينة أغادير، ولساني يردد: العجز عن الإدراك إدراك. هنا أخلدت إلى الراحة، وجلست على الرصيف محتبيا كالمجنون، وقلت: إذن، العجز هو اللغة الوحيدة التي نتحدث بها حين لا نستطيع أن نجعل الآلهة تستجيب لسقطة ذواتنا في عفن رغباتنا، أو حين نعجز عن مقاومة الشياطين الذين يسكنون كهوفنا، وأغوارنا، ونجودنا، ويحركون غرورنا، وكبريائنا، وعجرفتنا. وهنا تعلمت من فن العجز عن الإدراك أن أكون خاضعا لتلك الظروف البائسة، وأن أغازلها في غاياتها الخسيسة، لعلي أن أكتسب منها تشجيعا يبسط لي بساط تجربة أخرى، أعيد فيها معالجة العوائق التي تخطط لمسار محدد في حياتي، وتنقش بسمتُها الحانية ألواحا في عشقي، لا تبالي بالعواقب، ولا تنتبه إلى ما سيكون حادثا واقعا في الغد المجهول، ما دام وضع الأشياء لا يمانع من خلق صراع بين الأنداد، والأضداد، ولا ينازع في أن تبقى الفجوات في النصوص، والفصوص، أو ما دام ما سيملؤها لا يتعثر من الخوف، ولا يتألم من الحيرة، وعتاب الضمير، ووجع الانكسار بين النزوات المحمومة، والشهوات الممنوعة.
كانت هذه اللحظة عبارة عن اكتشاف سر القضية التي تحولت إلى لعبة في زمن كتابة سيرتي الذاتية "ابن الفقيه"، ثم استحالت مسرحية حين حكيتها لطبيبة نفسية في خمس وثلاثين جلسة، ثم صارت غصة أكتبها على رقاع الإحباط، ولخاف الإخفاق، إلا أن ما يجمع بين أفراد هذه الفكرة التي تحولت عبر مراحل إلى معجم ذاتي، وقاموس ينهمر بالهذيان أحيانا، وأحيانا ينقبض في امتعاض، ويتجعد في غموض، ويكشر عن أنيابه الغاضبة، ويصرخ بما يسكن عمقه من زفرات، وحسرات؛ وكأنه يعيد صياغة قوانين لغته، وقواعد تركيبها، وضوابط سلوكها، لكي ينطق بمعنى آخر غير الذي ألفه عقله المصحح للألفاظ المتنافرة، والأساليب المتناقضة، ويتفوه بحقائق تجعله سبة التاريخ، ومعرة الزمن الذي وأد أحلام التفوق، ورفع أعلام التملق، وتصيره عارا يلحق دروب حريته التي انفلت فيها زمام الصمت المطبق، فتحدثت العبارات بما امتزج في قعرها الراكد من عطر العطارين، ونتن الحدادين. هو ما بدأت صياغته تتراكم في تجربته، وتتكون منها أوجه للمعنى، وجهات للعبارة، إذ ما دونه من شظايا الحلم، وفتاته الذي يصطاد به ساعات سارحة في الخيال الجانح، أو ما كتبه من هزائم الذات، ومصائبها التي حالت دون نظم عقد الأمل على نحرها المتهالك، لم يكن جاريا إلا على تلك السنن التي حددتها نوبات حزنه، وفجعه، وهزات ملالته، وكآبته، إذ بدون أن تفهم مقاييسه في حبك الدلالة، ورصها في جوف المدلول، لا يمكن أن يجَُادل فيما كتبه من عبارات يبعدها التأويل عن مقاصد مفردات معجمه، وأهداف شذراته، لأنه اختار لكتابة سطوره طرقا برع فيها يراعه، وتفنن فيها بيانه، ولو لم تكن سريعة الهضم عند من تودد إلى الألفاظ المنثورة على الصقيع البارد الإحساس، واستمرأ أن يتعب عقله في درك ما تُنسج به الحقيقة في صور دماغ الكاتب، ومجازات معانيه، واستعارات وقائعه، لأن المعنى في لغته المتفجرة من سعير تجربته، هو القائد في الملحمة، والرائد فيها، والموجه لصراعها، والمنفذ لحروبها التي نازل فيها آراء متواترة، ومواقف فند منطقها، وبين عوار مسالكه في الإيضاح، والتوضيح، وما جاء في سبيله (المعنى) من مقدمات، وممهدات، ما هو إلا تكميل لما أراد أن يخطو إليه من مراحل، ومنازل، وتحسين لما يحاول بلوغه بكل قواه العقلية، والفكرية، وتزيين لما يجاري سرعته في حصر ما افترض على ذاته من تضحية، وفداء.
وهكذا، فإن منتهى الرغبة عنده، ومشتهاها في ذوقه الغريب، هو أن يذكر بثقافة جيله من تاجر بمعناها بلا افتتان بقوالبها، ومعاييرها، ويرسم خط الأفق لمن رغب في أن يجعل سيرة المتألمين محجة، وهداية. فلا غرابة إذا ناضل من وراء حجاب في رص هذا المعنى، وتدوينه، ونشره بين قراء يهتدون إلى ضجيجه الذي لن يعكر صفوا كان صافيا، ولن يفسد هدوءا كان هادئا، بل تأملوا فيما يضمره اللفظ من متاهات اللافظ، وما الصوغ من علامات الصائغ، فأيقنوا أن للحزن قيثارة تغني، وأن للألم سيفا يفري، ثم جثموا على قبر الكاتب، وضريحه الدال على همس صوته، لكي يسمعوا كلامه الزافر بأشجانه الحرى. لكن، هبت رياح عاتية من جهة القلب الحزين، فأزالت الحجاب، والنقاب، وأسقطت الخمائل، والستائر، ثم تلون اللفظ بلون آخر، وصار المعنى أشد رغبة في أن يجهر بحقيقة صخبه، وجلبه، ويعلن عما انطوى فيه من ألوان، وأوزان، لأنه غدا وحيدا، لا يصله شطن النظر إلى مرابع الراحلين، ومنازل الجاثمين، لاسيما بعد أن ودعت كن الأب، وعشه، وفارقت قبره، وفصلتني عن القرية مسافات طويلة في الوجدان، وإن بدت قصيرة لمن لم يدرك أن سر القرب في ائتلاف الأفئدة على العهد القديم، والسر الجسيم. لكن أنى لي بذلك، وقد صرت تائها بين السكك المتوهجة بالأجساد الطازجة بالعربدة، والرقص الماجن، وساهما بين الأطلال الدارسة، والديار التي يعلوها دخان الأفران المتقدة بفقر الإنسان، وسغبه، وضياعه بين الأنغام الرخيصة، وتائها بين الأفكار التي اغبر وجهها بالنكران، والحرمان، لعلي أن أعثر على خلاص أبناء لم أنجز في حياتهم شيئا له قيمة، سوى ما كنت أعدهم به من تدريسهم فنون الصفاء، وإيصالهم إلى مراتب عليا من النقاء، أو لعلي أن أجد بين حطام الأماكن المبلطة بطين المأساة، وآهات الأجساد المتهدلة بين فراش وطيء، ورغب رديء، ما يهديني إلى مكان تنفرج فيه الأرض عن نبع عرفان يعرفهم بما تنسمته الزهرة حين كانت مغرية، وفاتنة، ويعلمهم كيف كانت الوردة تحمل سر الدم البريء، وكيف كانت تهدى في عيد الميلاد بين العشاق، وكيف كانت تضمر أفراح الإنسان، ومسراته، ورغباته في أن يكون رأيا، فإذا به يغدو مع توحش العقل الفرد سمجا، وقحا، يسوقه القرف إلى حياة السافلين، والساقطين.
وما دمت لم أهتد إلى الطريقة المثلى لإحداث تلك الحياة التي رغبتها لأبنائي، وإبداع روح التجربة الحرة فيها، واختراع مهد يقبل حدة نشاطها، فإني وفي منتهى إحساسي بالخيبة القاتلة، لا أرى عضدي اليوم إلا وقد كل عن الوفاء بذلك العهد، والوعد، والقيام بما يمكن له أن ينجزه بحدة، ويحققه بما تتساوى فيه أطوار الجسد، وأدوار الروح، إذ لا أحمل في غوري إلا هذه الحسرة الزافرة بأنين لَزِمني، وحنين فارقني، وعضة زمن طبعت على صفحات عقلي خيالا ثمينا، وحصرت قدمي بين مواقع أنتجع جلبتها، وسعار شجارها، وخصامها، لكي أن أهدم رتابة المدن الإسفلتية، وأبني تلك المشاهد التي ترتفع في الهواء، وتسمو بي إلى السماء، لئلا يلامسها ما يتطاير من خسة النفوس المقيدة بسلاسل الكراهية، والضغينة، لأني وإن أخفقت، وانهزمت، وانكسرت مجاديف سفينتي التي خرقتها أياد ناعمة، كتبت الأسماء بسامي اللغات، ثم لحنت في النطق بها عند إرادة الإعراب، ورطنت في التحدث عن أمشاجها، وأصولها المنتهية إلى تراب هذا الضريح الفارع بين جبال حاحا، والهاطل على أكواني بكل الأفكار التى تعيدني إلى عوالم الأسلاف، ومعالم الأجداد، فإن ضرورة تحرري من الشبح، وكوابيس الجني المارد، تلزمني أن استرضي أبنائي، واستميحهم عذرا، واستشفعهم في أن يشفقوا على أب كان مقدورا له أن يمشي على جماجم البشر المسحوقين، فيؤسس عرش غروره على نكبات المحرومين، ويرفع أركان ما عساه أن يحميهم اليوم من لوثة دور الكراء، وعذاب ترقب ذلك المجهول السيء الانتظار.
إن ما كمن في قاعي، وأضمره شرودي وذهولي عما يقع في برية أحلامي، وله أوصاب تؤسس قلاعها على ما يمليه سرحان النظر، وجثوم الكدر، ولو بدا لبعض مكاشفة ليست في محلها، ومصارحة تضر بمقالها، لا يمكن له أن يجابه إلا بهذه الطريقة التي تقوي أملي، ولا أن يداوى إلا بهذه المجاهرة التي تمنحني اللغة، والحياة، والانطباع الجميل، والأمل السائر بي إلى صف البياض، والانسياب في اللامحدود، والانزياح إلى المطلق، لأن ما نكتبه على دفتر أبنائنا، وعلى كراس واقعنا ثانيا، وعلى كتابنا الكوني ثالثا، لن يكون حدثا حقيقيا، يضمر صورتنا الناطقة بقوة كياننا، ويمكن له أن يخطو بألفاظنا إلى الأمام، ويأخذ له موقعا في روح الكون، إلا إذا عبر عن ذواتنا بصدق، وكانت رغبتنا فيه، هو أن نثبت لأبنائنا، أو لغيرهم، أن الأسوياء ليسوا إلا خرافة حملتها رياح التاريخ إلينا، وصدقناها، وخدعنا بها، ثم مضت السنون، وصارت أداة في عقولنا، تعزل لنا معنى الاستواء، وموارد الاعتدال، إذ ما نشأ في تربة الألم، والحزن، والتيه، هو الذي كان وما زال وإلى يومنا هذا، ينقل التجارب بين الأجيال، والشعوب، والأمم، ويرحل بها عبر الزمن، ويضعها في يد، ويسحبها عن يد أخرى، وهو لا يريد إلا أن تعيش، ولا تموت، وتحيى، ولا تفنى. وهب أن ما نرسمه من صورة الكمال لكنهنا، قد صور لنا صورا مثالية في أذهان غيرنا، فهل كنا كذلك.؟ كلا، لم نكن إلا أشقياء حين حكينا عن السعادة، ولم نكن إلا حمقى حين حكينا عن عقلنا، لأن الجهد البشري الذي وصل إلينا، وما فتئ يجرنا إلى قراءته، لم يكن إلا زفرات، وحسرات، وهي التي أنتجت الفلسفة، والأدب، وسائر الفنون الجميلة.
وحقا، لولا العناء، والشقاء، لما خلد التاريخ لنا قيمة نشم آثارها في نص، أو قصيدة، أو مسرحية، أو لحن، أو معزوفة، أو لوحة، أو رقصة، لأن ذلك الصوت المستيقظ في الوجدان، والمتناهي في زفير التوهان، هو روح الكون، وأعاصير أوجاع الإنسان، وأحزانه التي تعرب عن كينونته، وما يختمر فيها من آلام، وآمال، وعقل، وهذيان. وكأني بها ما زالت وإلى لحظتنا هذه، تعيش معنا، وتحاكي واقعنا الجواني، والبراني، وتناجي فينا كامنا متضرم الأحشاء، يسعى إلى أن يجد له لحظة، أو فرصة، أو خطة تنقذه من براثن الوجع، وتنجده بمصير آخر، وتسعفه بأن يكون همة متوقدة، وهامة متحررة. لكن ذلك الأمل، ولو بدا ضئيلا في جهد ذات أتعبتها صولة الجني المارد، وأقلقتها، وأضجرتها بما يصيبها من توعك، وتبرم، وتذمر نزل عليها بين الدور التي تتثاءب من خدرها، وكسلها، فإنه هو الملاذ الأوحد بعد أن فقدنا سر اللعبة، وغدونا أشباحا، لا نطيق المشي إلا في سدف الظلمة، والعتمة.
ولا غرابة إذا عدت إلى الوراء، ورجعت القهقرى، لكي أجعل من العجز لغة لحرفي، ووعاء لقدري، ما دمت لم اكتشف من آلهتي التي أقنعتني بضرورة التزام الناموس شيئا يمكن له أن يفيدني في سر هذا السؤال المتسلل من عمق الهدوء المتحول إلى غضب، وعصبية، ولا أن يزيل عني رداءة هذه الحياة الحافلة بالمفاجآت المرة، والمكابدات القاسية، والمهارشات التي يفرضها قانون الصراع، ونظام الاحتفاظ على بقاء الصيرورة، وحمايتها من الذوبان، إذ ما أن خرجت من المزار باحثا عن كنه ذاتي، وطالبا مساحيق تزيل عني تجاعيد زمن اعتقلني في معاناة سجن قضيت بين حنادسه قرابة ثلاثين سنة، انصرمت بين حل، وارتحال، وانخرمت من أجل أن أقرأ عمق الأشياء في نصوص الحياة الطازجة المعاني، ومواقع حدوثها، ومواضع تقاطعها، ومواطن تداخلها، لم أجدني إلا حائرا مما أقرأه، وغريبا فيما أدركه، ومختلفا فيما أكتبه، إذ حين أحاول أن أحاكي صوري الذهنية، وأجرب ما تزمه في جؤارها من تبدد، وتهكم، وتحير، أجدني في متاهة التأويل التي تعاندني بحوشي الألفاظ، والمعاني، وتنابذني بقسوة ألاعيبها التي تتقن نسج لحمتها، وسداها، وتصرفني إلى غمرات كمد قضيت فيه زمنا مديدا، عشته راغبا في طي الأعذار، وطامعا في يد ألمس بها ذلك الماضي بلا معاندة لما يرسمه من مشاعر الغبطة، ويجعل تصوره عندي سليما، لعلي أن أتخلص من هدم تلك الصورة الجميلة، ودفنها في رماد النسيان، فأقف في منعرج الطرق، ومفترقها، وأقرر بعد أن أدركت احتياجي إلى ما فيها من نفحة التاريخ، ونسمة الماضي، كيف يمكن لي أن احترمها، وأقدس ما فيها من قصص، وحكايات.
لكن أنى لي أن أتركها قائمة بفخرها، وتيهانها، وهي لم تصمد لما تدهمنا به الوقائع التي تتعاقب يوميا في حياتي، وفي حياة كثير من رفاقي الذين عاشوا فترة التيه، فاجتالتهم الأيام إلى أن يخونوا الضمير الأول، ويتصالحوا مع الواقع المؤسس على رغبات تحكمها المدد، والآجال، ويرضوا بما فيه من سياقات، وتيارات، لكي يكتسبوا كسرة الخبز التي كسبها أبي بتعب، ونصب، وينالوا من إفضال الزمن عليهم شيئا من الوجاهة، والهيبة التي لم تكن هديتها لهم في صالح الماضي، ولا في صالح التاريخ، ولا في صالح ما اقتنعت به أفكار، وأنظار، إذ تبدى على مرآة الحقيقة ما توارى وراء الجبة الطاهرة، وظهر الشبح المفزع، وبرز ما فيه من وجع الإنسان، وخوفه مما يهطل على الهمم العالية من هموم، وغموم، ووجفه مما يبنى للإنسان الضعيف من مستقبل لا ينبئ بخير، ولا يبشر بسمو مصير، لأن ما عشناه، وما زلنا نعيشه من مجهول تربينا على أن نجعل نُصبه معلولا، لم يكن إلا رحلة بين ألاعيب الفكر، وخزيه، ومكره، إذ لو تآلفنا في هذا الكون على أن نكون لطفاء القلب، وطلقاء اليد، ونحدث البهجة فيمن فقدها، وضيعها، وجهل طرق الوصول إلى حيازة عطائها، و نوالها، وغفل عن وسائل تعبيدها بما يصيرها مملوكة لأحلامه، وخادمة لآماله التي بنتها طفولته البريئة، وأسعفه بها تصور النصيب في توقع الكمالات، وما تحدثه الفجوات من فرص للحصول على أعلى المراتب كمالا، وأجملها سريرة، وأنقاها مظهرا، لكانت حياتنا تخدم ذلك المشروع الإنساني، والكوني، وتحميه بما يكبح جموح المستعلي بغروره، وانحراف المستقوي بكبريائه.
إلا أن، ما تواتر إلى ذهني، وتآلف عليه حدسي، يوحي إلي بأن ميلنا عن مشتهى الطريقة التي رغبنا في أن تكون منهجا حياتِيًا، ومنبعا لكل القيم التي أردنا أن تتحكم فينا، وتستولي علينا بأخلاقها الرفيعة، ليس من كوننا لم نفقه اللعبة وأسرار رموزها، وألغازها، ولم ندرك ما فيها من حرب الأخيار، والأشرار، وصراع الصادقين، والكاذبين، بل من كوننا أردنا أن نحصل على الأشياء بلا جهد نبذله في سبيلها، ولا التماس لقانونها الذي خالفنا ناموسه في الطبيعة، وأرهقنا أنفسنا في تزيين مخادعته، وتجويده بما نتعلمه من رديء قيم الحضارة، ومبادئها اللإنسانية. لكن، وإن يكن هناك من سبب آخر غير الذي ذهبنا إليه، وهو في حدود اعتباري، ذلك التفاحش الذي حاول الجني المارد أن يصيبنا بزلله، وعلله، فما هو إلا من خدعة الشبح، وأكاذيبه التي صك بها آذاننا منذ أن بدأنا نفكر في سبل تحصيل المعرفة المبتعدة عن الاحتمال الواحد، والافتراض الذي يعطل خزان العقل، وبنك معلومات تجاربه، وخبراته، ويجعله خاضعا لتصور محدد؛ هو قناعة ذلك العبقري الأقوى على السباحة في هذا اليم العميق، لأن هذا المعنى الذي دل عليه العجز حين ابتغيت موقعه في تفكيرنا، وموضعه في تدبيرنا، هو الذي ذكرني به قس مسيحي في إحدى زياراتي لليبيا، إذ سألني عن نسبة الانحراف في أوطاننا العربية، وعن سر تناميه، وتكاثر مجالب لؤمه، ولم هو موجود في شيء تقول مقدماته بأن نتائجه صحيحة، ومصاديقه صادقة، وأن مقوماته العقلية، وآلياته المنهجية، لا يطرأ عليها كذب، أو خطأ، فلم أجب عنه إلا بما كنت أحاكيه من أقوال استوطنت عقلي من أيام المحضرة، واستقرت فيه بما سوغته لحظات التعالي بالانتماء إلى دائرة الفكرة اللاهوتية، واستمرت إلى لحظة عصفت فيها رياح مدارية، فأقلعت الخيام التي كانت تقينا رمالا يغيب فيها جوهر طبيعتنا اللدنة، ثم بقينا عرايا في اتضاع، وإخبات, إذ كان ما كان في الحوار، ونلت منه مقياسا للتفكير، ومعيارا في حصر القضايا التي نسمها بالصادقة مجازا، وإن كنا لم نستوعب منطقها، بل ألحت بوجودها ضرورة بقاء الكيان، وديمومة صيرورته. لكني أدركت يقينا فيما حرصت على تحصيله من معارف، أن معالجة قضايا التاريخ، وإعادة النظر في رموزه، وظروف نشأة الفكر، ومراحل تطوره، وعلاقاته مع الأنا، والآخر، وأساليب وصوله إلى أهدافه، وغاياته، هو الأولى من معالجة الإنسان، ومداواته بحقن اليقين، لأن التاريخ رافد معنوي وقوي في صناعة المستقبل، وصياغة الحقيقة التي يمكن لها أن تحدث الغرائب في واقع الإنسان تخلفا، أو تقدما.
وإذا كنا قد وُضعنا قهرا في أقفاص الشبح، ونازلناه لرغبة الانتصار في كثير من مواقع نجوم آمالنا، وصارعناه لحمية الانتقام في كثير من الأحداث التي شاهدناها بأم أعيينا، وتراءى لنا ما فيها من غموض، وإبهام، والتباس، وسواء ما تحصل لنا هنا، أو ما تعرى لنا في أسفارنا التي امتدت طولا، وعرضا، وتبدى لنا في جزء كبير مما خبرنا دروبه، وجربنا حقائقه التي عنت لنا في مسارات اكتوى عقلنا بها، وانصهر في سعيرها مع محددات هوية معدن ماهيتنا، لكي يخوض أزمات هدمت استمرار معانيه، ومفاهيمه، واستقرار ملكاته، ومواهبه، ويلج متاهة الريبة، والحيرة، وغابات الشقاء، والعناء، فيحدث لهذا الكيان صوتا ناطقا بحقيقته، ولغة دالة عليه بدلالاته، فإن هذا الجني المارد، كانت لنا معه حوارات كثيرة، ابتدأها منذ زمن غابر في العماء، ولم ندركها إلا حين حاولنا أن نستنبط من ذاكرته ما تخزنه من معاني الصراع فيما بيننا، وبينه، ونستنطق من حاسة خفائه ما علق بها من ذكريات الانتصار، والهزيمة، لأنه حين أصر على أن يحاربنا، ويلج إلى أجسادنا، ويستوطن أعماقنا، ويشل حركة أذهاننا، ويعيق ما يرتسم فيها من صور وجودنا، وألوان رغباتنا، ويشوه ما يختلط فيها من كمد محاولات تحديد المعاني في مركب أفكارنا، وسلوكنا، لكي تغيب عقولنا عن الإدراك الذهني، والذوقي، وتندثر علاقتنا بما هو إنساني، وكوني، ثم ننطق بصوته، ونحكي عما يرويه لنا من أساطير الأشباح، وخرافات انتقالها بين الديار بلا رقيب تخشاه، ولا حسيب يحاسبها على ما تفعله من أفعال تفسد الطبيعة، وتربك الحقيقة، وتحركنا بين شعاب وعرة، لم نجد فيها أمن السماء، ولا سلم الأرض، فإنه قد أعلن عداءه لتوازن ذواتنا، وكرهه لاستواء حياتنا، وحقده على ما نبنيه من حضارات مشهودة، لم يبنها هو، ولا مردة الجان، ولا الأمم التي فنيت عبر التاريخ من الشياطين، وزالت مخاطرها من الكون، ولم تبق لها آثار إلا ما خلفته من فكر جهنمي مدمر للإنسان، ولحقيقته الوجودية؛ وهو ذلك الفكر الذي يعبر بجلاء عن بؤس الحضارة في عالم متناقض المصالح، والمنافع، وكوكب تحكمه القوة الباطشة، والسلطة المطلقة للوحش الإمبريالي، ويفصح بصفاء عن أسرار هذه التنظيمات التي جمعت في أحضانها بين خسة المتهافتين على الرغبات الحقيرة، وضعة المطالبين بتطويق الكفاءات البشرية، واستغلالها فيما يخدم مشروع تخريب الكون، وتدمير قواه الطبعية، إذ لو كان هذا الشبح، أو هذا الجني، كائنا حقيقيا، وقادرا على أن يتجاوز لحظة جبنه، ويخرج من قاعنا إلى خارجنا، لناجزناه بقوتنا، ولحاربناه بكل ما اكتسبناه من حيل التحارب الذي جربناها في حروب دمرتنا، ونسفت ما بناه آباءنا حين كفروا بالشيطان، والجن، ورأوا أنهم ليسوا إلا كائنات هلامية، وخرافية، لا حقيقة لها إلا في هلع الكهان، وجشع المشعوذين، لكانت لنا معه صولات، وجولات، فإما أن يقتلنا بمكره، وإما أن ننجو منه بقوة موقفنا، ورغبتنا في صلاح الإنسان، والأرض، لأن خبثه الذي يتفجر من رقاعة قصده، لم يكن إلا التباسا مرتبطا بخفائه، ومتصلا بقدرته على أن نتصوره خارقا، لا نراه، وهو يرانا، ولا نحس به، وهو يحس بنا، إذ كمونه، هو السر في دهائه؛ وهو الرابط الذي يربط بين حقيقته، وما نتصوره به عينه من صور لامتناهية. فواها، واها، كم كان هذا الإنسان جميلا حين صار ضحية للصراع بين الآلهة، والشياطين.! وكم كان عظيما حين حارب الخفاء بكل جيوشه، وعاندها، لكي يبقى سويا، وتستمر صورة طهارة السماء.!
كان ما كان من حوار دام مرحلة طويلة في حياتي، امتدت إلى كل خلخلة كل ثابت، وزلزلته، وإحداث الصراع في مفردات لغته، ومقومات معانيه، واستمرت وإلى أن أدركت أن المبحوث عنه، ليس عرضا خارجيا، بل هو كنه الذات، ومدار سقوطها، ومنعرج صعودها. ولكني اليوم لست قادرا على أن استعيد رسوم هذه الصفحة السوداء، ولا أن أنشر ما فيها من أوهام تلاشت، وأحلام تهاوت، لأن أخبار الذين فسروا الشبح بالخفاء، ورأوا الظلمة مرتعا للجن، والسواد لباسا له، ليست إلا مخاريق مموهة، وهكذا حكايات الرهبان، وهرطقاتهم، وأقاصيص الكهان، وتخاريفهم، وهكذا ما يعجن من خرافات النحوس والعكوس على ألسن الممسوسين بصعقة الأوضاع الآسنة، وما تدمره من خلايا التفكير في الحلول المناسبة لأزماتنا النفسية، والعقلية، وإشكالات واقعنا الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والاقتصادي، ليست إلا أكاذيب مضلة، لن توصلنا إلى يقين نؤسس عليه حقيقة المعرفة الحسية، والحدسية، ولن تبلغنا إلى إدراك سليم يهبنا مفتاح الفضيلة، وكنز السعادة، إذ لسان الجني المارد لا ينطق بالصدق، ولا يقول الحق، بل كلامه الذي يزخرفه، وينمقه، هو ما يتسلل من تلك الأفكار إلى عمقك، وتحمل عجزك، وتتحدث بكسادك، وتحكي عن جبنك، لأنه لو كان العجز دليلا على أننا ما وجدنا إلا فاقدي القدرة، ومبتوري الصلة بعالم العقل الأسمى، والفعل الأوفى، أو أننا لن نكون مريدين للخير الأعم، والنفع الأتم، إلا إذا أهنا هذه الذوات القاهرة، وألغينا ما فيها من جاهزية التعقل، والتبصر، وأقصينا ما فيها من وسائل المقاومة، وأجهزة الممانعة، فإن الدلالة على هذا الكون العظيم، لا تحتاج في أزلها إلى إعجاز ظاهر في رسم هذه الدقة غير المتناهية، لأن قيمة قوته التي تبهر العقل، وتدهشه، ليست في خفائه الذي لا ينال بالعين المجردة، بل في جلائه، وبروزه الذي لم يخفه عنا إلا ما زرع في أذهاننا من صور متشنجة، وأفكار متخلفة، إذ نحن في الحقيقة، وفي اعتبارنا العقلي، لا نقدس إلا الأشياء التي اكتشفنا سرها، واستظهرنا لغزها، وإذ ذاك تكون في تصورنا قوية، وفي وعينا عظيمة، وفي تقديرنا جديرة بأن نباهي بها، ونفاخر بها غيرنا.
لكن أن نزعم بأن قوة الآلهة وعظمتها في عمائها، وأن قيمة المعاني الوجودية والكونية في خفائها، فذلك محض غلط نبهني عليه ذلك القسيس الحذق، وأخبرتني به لحظات إشراق تهت فيها كالمجنون بين مهامه كهف "العبادة"، لا ألوي على شيء سوى مناجاتي التي أرفع صوتها إلى السماء، ومناداتي لكل ساكن، وصامت، ومجاهرتي له بالعجز، والقصور، إذ خاطبت الأشجار في صحراء سجلماسة، واستنطقت صمتها الهامد فيها منذ زوال دولة الصفريين، وإلى أن صارت واحاتها محجا للزائرين، ومقصدا للسائحين، ونمت في ظلالها ساعات، وساعات، وحين استيقظت مستوفزا مما تراءى لي، انتظرت أن يخرج من جذوعها ذلك الجني المارد، فلم يخرج، وأنى له أن يخرج، إذ لو برز من صلابة جذورها، أو من لدونة أغصانها، أو من سناء أكمامها، وقبل في جبنه أن يجاذبني أطراف الحديث، ويسايرني في استفساري، واستفهاماتي، لسألته عن سر الخفاء الموجود في الميتافيزيقيات، ولحاولت أن أفهم منه غموض ألفاظها، وضمور معانيها، وأفقه منه كيف استطاع أن يحول المادة إلى روح في الوهم، والظاهر إلى باطن في الحلم، ويمنحهما القدرة المطلقة على الحركة، والفعل، والمصير. لكن، ومع طول جلوسي في ظلال الأشجار الوارفة، وقراءتي لما تخطه من أفكار وافرة، لم أجدني بعد ردح من الزمن إلا متفائلا، لأن الجني لا وجود له إلا في عقلي، وفي خوفي، وفي انكسار أفكاري، وفي انحسار همتي، وفي انجراري إلى خمول لم أتعلم من كسله إلا ما يسلبني قوة الحرية، وصوغ الفعل، ونيل النجاح. وذلك ما حيرني كثيرا، وجعلني أتوقف عند محطات من عمري مسترخيا، لعلي أن أكشف عن عقلي برقع الوهم، وقناع الحلم، وألبس ذاتي وقدة المبدأ، ووهجة المنهج، وصولة المسار، وقوة الشعور بالنتائج المرضية.
وبعد أن استخرجت الجني من غوري، وتجسد لي بمنظر طفولي، تعجبت من جماله الذي كساه به هذا العقل المبدع لفكرته، ثم وَرَّى عنه بما وصفه به من قبح صورته، وسواد لونه، وخبث طبعه، وقلت في قرارة نفسي: كم كان شكله قبيحا في ذهني.! لأنه خلق في ذاكرتي التي لم تستوعب مفرداتها لتسويغ علة وجود الشر، وتأصيل دوره في انحراف الإنسان، وميله عن مقتضى الطبيعة البشرية. إلا أني في غمرة الوجع المربك للتصديقات، لم أخلد إلى بساطة هذه الصورة كثيرا، إذ أعادني الخوف بسرعة إلى حقيقة الخفاء، وما يفعله الشيء الخفي بالإنسان من أفاعيل النكبة، وأضاليل الهزيمة، فوجدتني حقيقة لم أقدس من الآثار العظيمة إلا ما عرفت كنهه، وحدست حقيقته، ورأيت عينه، وما لا أعرفه مما سقط عني تعقله في عالم اللامحدود، ولم يكن علة في إثبات الوجود، ولا سببا يعود إليه المسبب المحدود، ولا قابلا للنفي، أو الإثبات، ولا أثرا لمؤثر ظاهر الآية، وواضح العلامة، فهو مجهول بالنسبة لي، وغير معلوم، وسواء عارضني في ذلك الجهل، أو العدم، لأن قصارى الجهد فيه أنه فكرة متفاوتة بين اليقين، والظن، ومتعارضة بين الصدق، والكذب، إذ لو حاول أحد أن يكشف دلالات الخفاء بعبارة من عباراته، أو يحاجج عنها بما يصوغه من أدلة، وحجج، وبراهين، فإن ما يحكيه من ذلك، لن يكون إلا محاكاة لما في عمقه من تصورات، وتخيلات، لأن هذه الأشياء الموجودة في صور الأذهان، ولا تجسد لها في الماهية، والماصدق، لو كان المراد لها أن تكون مغرية بخفاء قوتها، ولغز عظمتها، لما حازت في الفكر على تصور الذهن مماثل لحيز عينها، وجرم مقابل لجسدها، إذ كونها مرسومة في صورة ذهنية لها حقيقتها العقلية، لا يعني سوى أن العقل استعمل في إدراكه أدوات القياس في الوصول إلي التحديد، أو الترسيم، وقابَل بآلياته بين صورة المجسد (الصورة الذهنية) وحقيقة اللامجسد (الصورة العقلية)، وقارن بينهما بمنهج الجدل الصاعد (الصورة المعنوية)، والنازل (الصورة المادية، وإن غير موجودة إلا في الوجدان)، وخرج منهما بصورتين متقابلتين في السمة الوجودية؛ إحداهما غير متناهية الإدراك، والأخرى متناهية؛ وهي ظل الأولى، وخيالها. ولكن، هما في هذه القضية وأشباهها، يشوبهما التوهم لخلو الطبيعة منهما جرما، وحيزا، لأن وجود إحداهما يلزم منه وجود الأخرى منطقيا، وما دام وجود الأولى غير مرئي، وساطع للظهور، فإن الأخرى لن تكون مرئية لزوما، وتبعا لكونها بلا وجود محقق، لتعذر ذلك، وانعدام الرؤية الظاهرة للعيان، إذ لو رئيت تلك الأشباح، أو ذلك الجني المارد، واقتنع الناس بوجوده في الجلاء، ثم استحال بخصوصية عناصره خفاء، لزال العناء في اعتقاد ذلك، والإيقان به. وما دام المجسد الذي صوره الذهن للامجسد لا وجود له حقيقة، ومظهرا، ولا آثار له تدل عليه سوى ما فسرت به بعض الأشياء التي لا يعرف سرها، فإنه لن يعبر عنه بتمام ذاته، وعموم صفاته. وإلا، فإن تفسير الروحي بالمادي، واللامحدود بالمحدود، لن يفضي إلى اختلاف بين ما هو عليه الشيء خفاء، وما هو عليه الشيء جلاء، لكونهما يفيدان معنى واحدا، متماثلا، ومتقابلا. وذلك غير مستساغ حسا، وحدسا، إذ الروحي إما لامحدود، وإما لامتناه, والمادي عكسه. ولذا يعسر التحول من مرتبة المعنى الجلي إلى مرتبة المفهوم الخفي، لكون المعنى يقتضي ما يدل عليه حقيقة، أي أنه المدلول، والفحوى، والمضمون. والمفهوم على عكس ذلك، لأنه يستوجب الصورة الكلية الجامعة لحدود ماهية المعنى، أي أنه الفكرة الدالة على ما في تصور العقل للشيء. فاستلزم ذلك أن يكون الخفاء مفاهيم، وأن يكون الجلاء معاني، إذ تحديد المفهوم أعسر من تحديد المعنى، لاقتضاء الأول لتمام الصورة الذهنية، وكمال حدودها في التصور، واقتضاء الثاني لما تدل عليه الدلالة حقيقة، وواقعا، ومغزى، لارتباط المفهوم بالماهية، والمعنى بالدلالة. وإذ كنا نعتقد أن المحدود يمكن له أن يفسر اللامحدود، وأن المتناهي يمكن له أن يفسر اللامتناهي، وأن الجلاء يمكن له أن يفسر الخفاء، ويكون التفسير واقعا موقع الإجماع، فذلك محض غلط، أو تغليط، إذ لا يقول به عاقل شم رائحة الأدلة، وعرف كيف تقام البراهين في مراتبها، ومقاماتها، وكيف تتأسس عليها بنى العلم والمعرفة عند أرباب الصناعة، لأن المادي لو كان قادرا على استكناه الروحي، فإن أي خلاف حصل في صوغ الحقائق، لن يدل إلا على إرادة الشر، والخراب للأرض، والفساد للإنسان، والتدجين لمثل عقله، وفكره، وقيم أخلاقه، وسلوكه. وما دمنا نتخيل للجني المارد صورة، فإنها لن تكون حقيقته، لو كان موجودا بها، أو غير موجود بها، إذ لو كانت كما هي موصوفة، لما احتجنا إلى وصفها بالخفاء. وإذ ذاك لن ينكرها أحد، ما دام ما نتوقعه فيها، ونفترضه، قد زال عنه اللبس، والالتباس، وصارت جلية بذاتها، أو بآثارها. فلم نحن مطالبون باكتشاف حقيقتها، وهي مصرة على التواري خلف الخفاء.؟ هل خشيت على نفسها.؟ أم فيها جبن يراودها.؟
وإذا كانت لغة الخفاء لعبة، لانعدام ماهية لها في التصور، فإن التعبير عن العجز يكون من سوانح لحظة تنفجر بالقوة التي لا يقهر عضد جبروتها، ولا يكسر زناد صلابتها، ولا تنهار شدة تحملها للصعاب التي تكبدنا في سبيلها خسائر جسيمة، وخضنا في حصر سهولها وجبالها أشرس المعارك، إذ في تلك الصولة التي تهدر أمواجها بين مخاض العمق، تكمن قوة الإنسان، ومهابته، وشدة مراسه على أن يكون سيدا، لا مسودا، لأن الذين أرادوا هزيمة عزيمته الفولاذية، حين خشوا مما يختزنه من طاقات هائلة، وملكات باهرة، حاربوه بالخفاء، لكي يخشي من الوحش، ودلالاته، ويرتاع من الجني المارد، ومداليله، لأنه في خوفه من ذاته، ووجله من سواد أفقه، لن يصير الخفاء فيه إلا نقمة لعينة، خرجت بحيلة من الغور المبدد الضياء، والمستنزف الصفاء، ليهابها من حاول أن يدرك سر الوثن، ويكشف لغز الصنم، ويحذرها من أدرك ضعف الخفاء في رسم القوة التي وهبها الأزل للإنسان بلا مضاه له، ولا شبيه، وأراد الإفصاح عن تلك العظمة الكامنة في هذا الكائن المدرك لحرية ذاته الكلية، ولكنه فزع من لوثة الحال، والمآل. ولذا، فإن الجني المارد الذي أصر على أن يقف في طريقي بالنهار، وفي الليل يأتيني بكوابيسه المفزعة، لن يكون له أي ظهور بعدما أيقنت بضعفه، وهوان قوته، إذ أدركت أن توهم وجود صولة له، لن يكون إلا سببا في استقوائه، واستعدائه، لأنه حين يتحول إلى فكرة مخيفة، يتجسد كما تجسدت المعاني في مركبات تنظمها الحركة، والتفاعل، والمفاهيم في صور يحدث فيها العقل الانطباع، والانفعال. وهب أننا قلنا للجن جميعا، تعالوا نتحارب على سلطة الأرض.؟ هل يطيقون ذلك.؟ لو أطاقوا، وهم يسعون إلى الامتلاك، لما ضنوا بهذا العالم.؟ لكن هناك شيء يربط بين هذه الصور، وهذه الحقائق، وهذه المعاني، وهذه المفاهيم، وهي التي سنحاول أن نمر عليها في حوارنا مع الجني المارد، ونبينها فيما سيأتي من حلقات متسلسلة تحت هذا العنوان: "الجني المارد".







اخر الافلام

.. لبنان: مصالحة تاريخية بين جعجع وفرنجية خصمي الحرب الأهلية


.. سفيان جيلالي عن استقالة ولد عباس: دخلنا في مرحلة انهيار النظ


.. وزير المالية اللبناني يعلن استنفاد احتياطي الموازنة بشكل كام




.. محمد البخيتي: لا وساطة ولا اتفاق لتسليم ميناء الحديدة


.. إسرائيل: ما هي الأسباب الفعلية الكامنة وراء استقالة ليبرمان؟