الحوار المتمدن - موبايل



عملية هروب السجناء الشيوعيين من سجن الحلة المركزي عام 1967 / ح5

خالد حسين سلطان

2018 / 10 / 17
سيرة ذاتية


بمناسبة مرور 51 عاما على عملية الهروب الكبيرة والشهيرة للسجناء الشيوعيين من سجن الحلة المركزي عام 1967
سننشر قصة ذلك الهروب على شكل حلقات يومية وبقلم الوالد الفقيد حسين سلطان صبي / أبو علي
الحلقة الخامسة
قضايا مقلقة
في أحد الأيام كنت جالسا في قاعة كبيرة وكان عدد الحضور يزيد على أربعين مناضلاً واذا بأحد الشباب يناديني بصوت مرتفع يقول : يا أبا علي قطعت الدخان وأراك تتجول كثيراً في سور السجن ، ألا تخبرني ماذا وراء هذا الموضوع . وأردف قائلاً : أخاف تريد تهرب . قلـــــــت له : أنت شاب وتفكر هكذا وأنا شايب أفكر بالرحيل قريبا الى جوار ربي فضحك البعض على هذا الحوار ولكن بالنسبة لي وكما يقول المثل ( إلي بعبة عنز يمعمع ) وبقيت أفكر بدافع هذا الشاب الى مثل هذا السؤال وقد تكون هناك رائحة تظهر من النفق . وبعد ساعة التقيت بحافظ رسن وأخبرته بسؤال ذلك الشاب ، الذي هو وأخوه الكبير يلقبون بـ ــ أبناء ثالثة ــ والاخوين من أبناء الموصل ، وقال حافظ رسن : حقاً ان السؤال مقلق ولكن لا يستبعد انه رمى حجارته بالظلام . وأخيرا طلبت منه أن يستطلع الأمر من خلال معارف الأخوين . وعلى الهيئات الحزبية أن تخبر اللجنة الحزبية بما يجري من الأحاديث الخطرة في القاعات تلك التي توجهها الإدارة وعملاؤها من شائعات وبعد هذا الحدث بأسبوع وصلنا خبر من ان الدوائر الصحية في محافظة بابل تريد أن تــفــتـــــش
صيدليتنا . وسألنا رفاقنا القــدماء : هل جرى سابقاً مثل هذا الـتـفـتـيــش؟
وكان الجواب : لأول مره يقدم مثل هذا الطلب . صار عندنا بعض الشكوك من ان اخبارية وصلت اليهم عما يجري في الصيدلية أو في مكان الصيدلية وحاولوا أن يكتشفوا الموضوع عن طريق التفتيش .
وبعد أيام جاءت هيئة التفتيش واستقبلوها الرفاق المعنيين بالصحة في داخل السجن وأدخلوهم الصيدلية وبعد عشرة دقائق عادوا من حيث أتوا .
أحداث متفرقة
في نهاية آب حصلت مشكله بين الزعيم ابراهيم الجبوري ــ الخال ــ وبـيـن أحـد السجناء السياسيين . رغم ان التنظيم تدخل لصالح الخـال إلا ان الخال تـعـنت وأصـر وذهـب الى مـدير الـسجن وطلب منه مكاناً آخر بحيث ينعزل عنا . وفعلاً خصص لهم مدير السجن جناح بجانب الدائرة . وهذا الجناح لا يفصله عن الشارع العام الا جدار لا يتجاوز سمكه أكثر من ( 9 ) إنجات وانتقل مع الخال عدد من الضباط تضامناً معه . وبعد انتقال الزعيم الخال وعدد من الضباط ، ساورني شك من ان انتقال الزعيم بهذه الصورة وبهذا الاصرار قد يكون عنده نية الهروب . وهذا يعني ضياع كل مجهودنا ولذا كلفت أحد رفاقنا الضباط سراً أن يخلق مشاجرة مع أحد الرفاق وعلى أثرها يزعل وينتقل مع الخال لاكتشاف ما يجري هناك ، وبعد اسبوعين تبين ان الأمر لا يتجاوز حدود الراحة من حيث وسائل التسلية وانتهى الأمر وتصالح الرفيق وعاد الى مكانه .
ولما كان وضعي الصحي رديء كنت بين فترة وأخرى أدخل المستشفى وهو داخل السجن وفي أحد الأيام زارني في المستشفى أحد الرفاق وهو كبير السن وكان يعمل معلماً أو مدرساً من أبناء الموصل جلس بقربي على السرير وأخذ يستفسر عن وضعي الصحي ــ مع العلم لم تكن لي به معرفة سابقة ــ وبعد دقائق من الاستفسارات والمجاملة مد يده الى جيبه واخـرج مـنـه حـزمـة مـن الـنقود ذات فئة خمسة دنانير ومد يده لي وقـال : يـا أبـا علـي أرجـو أن تـسـتـلـم مـنـي هـذا المبلغ وسكت . قلت له : تبرع الى الحزب . قال : احسبه كما تشاء ، ان جوابه جعلني في ريبة من الأمر قلت له : افصح ماذا تريد ، انطلق يحدثني بعاطفة انسانية كونه محكوم عشرين عاماً وعنده عائلة وأطفال ويعاني أزمـــــة نفسية ، ...الخ . قلت له ارجع النقود الى مكانها وحدثني بالملموس ماذا تريد مني وأرجوا أن تحدد بالاسم نوع المساعدة . وأخذ فترة تأمل مشوبة بالارتباك وفعلا أعاد النقود الى جيبه وهو يهمس بكلمات شعبية مع نفسه عرفت منها الجملة الأخيرة بهذا المعنى ( اذا لم نتساعد فيما بيننا من الذي يحررنا من السجن ) ان هذه الجملة الأخيرة والتي فهمتها منه جعلتني أتشكك من ان أخبار النفق تسربت الى بعض السجناء وقد يلتقطه عملاء الادارة والنتيجة تكون احباط كل مساعينا بالإضافة الى تشتيتنا وتعرضنا الى العقوبات قبل أن نعمل أي شيء وحاولت أن أسـتـدرج الرجـل : ( الله وإيدك ) اذا كان عندك مقترح أو مشروع أو أي شيء آخر دعنا نتناقش به وقد نتوصل الى أفضل الحلول . أنا وإياك وكل سجين سياسي يفكر بتحرير نفسه ولكن وفق الامكانات المتوفرة هذا من جهة ومن جهة أخرى ان رأي الحزب هو فوق كل شيء . وانبسطت معه وكأننا أصدقاء منذ الطفولة وطلبت (استكانين ) من الشاي وحاولت أن أضفي على الجلسة شيئاً من المرح ، لكي ينطلق صـاحـبـي ويـذكـر مـا هـو خـفـي أو ما يجول في خاطره . أشرت له مازحاً : أتعتقد ان مفاتيح أبواب السجن عندي وأنا باخل على نفسي وعلى رفاقي . قال : كلا وأنا أعرف ذلك جيداً . قلت له اذن تكلم لي الحقيقة حتى نستطيع أن نتوصل الى حل ممكن التحقيق والأمر يحتاج الى الصراحة . قال : كل ما تكلمت به صحيحا وأنا واثق من اخلاصكم ولكن أعتقد توجد هناك بعض الامكانيات يجب علينا أن نستغلها مثلا بين فترة وأخرى يمكن أن نعبر رفيق أو رفيقين خلال المواجهة هذا أولاً وثانيا مثلا حمام المستشفى هو خارج سور السجن ويقع على الشارع العام يمكن أن نعمل به فتحة ونعبر عددا من الرفاق ولما كانت مثل هذه الأعمال لا يمكن القيام بها الا بتخطيط واشراف لمنظمة السجن لهذا الغرض عرضت الأمر عليكم ، أرجوا أن يكون أحد المقترحين موضع رضاكم ورضا المنظمة وهذا كل ما عندي . ان المقترحات التي قدمها الرفيق الذي لا أعرف اسمه الا أبو فلان وهنا يمكن أن نصطلح عليه الرفيق ــ س ــ كانت وجيهة ومنطقية وبدأ الشك يضعف من ان أخبار النفق متسربة ومع هذا يبقى احتمال ضعيف ان تلك المقترحات التي قدمها الرفيق ــ س ــ ما هي الا تغطية ولجس النبض . وعلى كل حـــــال أعطيته الجواب التالي : ان المقترحات وبصورة أوليه تبدو منطقية بحيث المقترح الأول محدد بهروب رفيق أو رفيقين . أما المقترح الثاني قد يكون أوسع عدداً ولكنه أقل ضمانة. وفي الحالتين لا بد من مساعدة الخارج وموافقة الحزب على تلك الخطوات ولا حظت ان وقع الجملتين الاخيرتين كانت عليه ثقيلة ، حيث كان يحاجج باتجاه ان الحزب لا يعارض الرفاق اذا حرروا أنفسهم من القيود وهذا امر مفرح له ويناقش بمساعدات الخارج ويقول جيدة ولكن الانسان يعتمد على نفسه اذا لم تحصل المساعدة الخارجية وخاصة اذا كان يحمل مبلغاً من المال .
وانتهى ذلك اللقاء مع الرفيق ــ س ــ بوعد من المنظمة ستدرس تلك المقترحات واذا أقرت أحد المقترحين سترسله الى الحزب وتنتظر الجواب وانتهت القضية . هذا واستفسرت من الرفيق جاسم الحجاج باعتباره كان المسؤول الحزبي في السجن عن الرفيق ــ س ــ بعد أن عرفته عليه ، وكان السؤال محدداً عن سلوكه وعن مدى ارتباطه بالحزب . فأجاب الرفيق الحجاج : ان سلوك هذا الشخص جيد جداً وارتباطه بالحزب متين ومحكوم ( 20 ) سنة وتطرق الى ما تحمل أبناء الموصل من آلام واضطهاد طيلة أكثر من ثمانية سنوات . وأعطاني الرفيق الحجاج فكرة عن أحد الرفاق من أبناء الموصل محكوم ( 20 ) سنة أيضا وهو ابن ثالثة الكبير والذي جاء ذكر أخيه الصغير أعلاه والذي ناداني عن الهروب قال : ان هذا الرفيق فاتحني أكثر من مرة عندما كنت مسؤول السجن حول هروبه في احدى المواجهات . وهذه الملاحظة الأخيرة التي عرضها الرفيق الحجاج أوضحت بصورة جلية طلب الرفيق ــ س ــ علماً ان الرفيق ــ س ــ والرفيق ابن ثالثة أصدقاء وبعد خروجي من المستشفى ببضعة أيام سمعت من خلال حديث عرضي ان الرفيق ابن ثالثة الكبير أدخل المستشفى وعند سماع الخبر قفز الى ذهني حديث الرفيق ــ س ــ ومقترحاته وحمام المستشفى وملاحظات الرفيق الحجاج عن طلبات ابن ثالثة وعند المساء التقيت مع حافظ رسن وأعطيته صورة عن الموضوع وطلبت منه أن يسأل من الرفاق العاملين مع الأطباء ــ وهم شغيلة صيدليتنا ــ عن مرض الرفيق ابن ثالثة ويجب أن يكون السؤال بصورة طبيعية ولا يثير انتباه أحد . وفي اليوم التالي جاء حافظ وأخبرني برأي الرفاق الصحيين من ان رفيقنا ابن ثالثة لـيس مريضاً الا ان لديه الرغبة في أن يدخل الى المستشفى ونفذنا له ذلك بواسطة الأطباء والأطباء لا يخالفون رأينا في مثل هذه القضايا . لقد حسبنا الحساب لهذا الخبر وفي ذات الجلسة اتخذنا قراراً أن نضع رفيقنا ابن ثالثة تحت المراقبة الشديدة وخاصة ليلاً وكلفنا رفيقين من نزلاء المستشفى بهذه المهمة السرية تحت حجة الخوف من أن يعمل ابن ثالثة " مكسورة " بهروبه وتضيع كل المكاسب السجنية والحزب أوقف الهروبات الآن . وبهذه الحجة حمسنا الرفاق للمراقبة الشديدة . علماً ان أبناء ثالثة الاثنين هربا معنا فيما بعد من النفق .
وكان العمل مكثفاً في النفق والعادة المتبعة ان حافظ رسن يأتيني في كل يوم صباحاً ويقدم تقريراً شفهياً مفصلاً عن النفق والعمل به ومقدار المنجز ووضع العاملين وما يعترضهم من مصاعب وكيفية حلها وهذه العادة بقيت مستمرة من البداية حتى يوم الهروب واني لم أعمل عملاً مباشراً مثل الحفر أو نقل التراب نظراً لوضعي الصحي وزرت النفق مرتين فقط . الأولى في بداية العمل وعند نهاية البئر والثانية عند أزمة التراب والزيارتين كانتا في وقت متأخر من الليل . وكان تقدير كافة العاملين في النفق بعد حل أزمة التراب أن ما يستخرج من تراب النفق حتى النهاية تستوعبه غرفة النفق ولا حاجة لأي طريقة أخرى . هذا ما كان يتعلق بالنفق والعاملين به . أما ما يتعلق بالمنظمة في داخل السجن فكانت اجتماعات اللجنة الحزبية والهيئات التابعة لها مستمرة بصورة طبيعية . ومن كل تلك الممارسات كانت واضحة العناصر والكوادر الذين يحملون فكرة عزيز الحاج ولديهم بعض الملاحظات على سياسة الحزب والضجيج عن اليمينية وكان أكثر هؤلاء حماساً مظفر النواب والفريد سمعان وعناصر أخرى أما من الناحية الفكرية واخراجها بعد التحليل فكان جاسم المطير الأساس لها الا انه لا يستطيع أن يكون وجهاً للجماعة لأسباب معروفة . الا ان الصراع الفكري يشتد يوما بعد آخر ويبدو ان جماعة عزيز الحاج أوجدوا قاعده لهم في وسط منظمة السجن أخذوا يراسلونهم سراً ومن خلف ظهر المنظمة ويعدونهم لعمل أكبر . وفي أحد أيام أيلول 1967 جاءني أحد الرفاق من جهاز إنصات وأخبرني بحدوث انشقاق في حزبنا يقوده عزيز الحاج والحزب أصدر بـيـاناً أذيـع مـن صـوت الـشـعـب الـعـراقـي ضـد الانـشـقـاق ، قـــلـــــــت لـه : انـقـلـوا الـبـيـان عـلى الـورق ولا تنشروا الخبر وعلى الفور دعوت اللجنة الحزبية في السجن الى الاجتماع وعلى ما أتذكر كان نصيف جاسم الحجاج وكمال شاكر ومحمد ملا عبد الكريم خرجوا هؤلاء من السجن قبل هذه الاحداث وحضروا بقية أعضاء اللجنة وأخبرتهم بما وقع وقررنا أن نعقد اجتماعا عاما لكل السجناء ونقرأ عليهم بيان اللجنة المركزية ونشجب الانشقاق ، وفي تلك الجلسة لاحظت ان حافظ رســــن في وضع غـيـر طـبـيـعي وحتى عندما يتكلم كان يتعثر في كلامه وكلفت الرفيق حسين ياسين أن يشرف على تفريغ البيان ونشر اعلان باسم لجنة السجن في جميع القاعات يدعوا الى اجتماع عام في الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم . وبعد نصف ساعة من انتهاء الاجتماع جاء لي حسين ياسين وقال ان البيان ليس عليه توقيع فقلت له البيان صادر من اللجنة المركزية فيمكن أن تذيله باسمها . وفعلا تم الاجتماع العام وقرأ بيان الحزب وأعلن عن شجب الانشقاق وكانت النية أن نتحدث بصورة أوسع الا ان المجتمعين دخلوا في مناقشات جماعات وافراد مما اضطرنا الى انهاء الاجتماع . وأمسى السجن يغلي كالبركان في تلك الليلة ولا تخلو قاعة الا ويعلو فيها النقاش الحاد والى ساعة متأخرة من الليل . وأصبح السجن كما أمسى في الهياج وأخذ الفرز يتضح يوما بعد آخر ولاحظت حافظ رسن يتحرك لصالح الجانب المنشق ودعوت اللجنة للاجتماع لدراسة الوضع المستجد الا ان حافظ رسن عارض عقد الاجتماع وعقد الاجتماع بدون حافظ رسن ولاحظت المجتمعين في حالة من الارتباك . وكان حسين ياسين عنده قضية مع الحزب معلقة وأخبرني بوقت سابق بجزء منها ويبدو ان حافظ رسن وهو من الجنوبية أيضا يعرف بتلك القضية وقد يكون جاسم المطير هو الآخر يعرف نقطة الضعف عند حسين ياسين أيضاً . ولان أخبار أية منطقة تنتشر من خلال المواجهين بالإضافة ان الكوادر الواحد يعرف الآخر معرفة جيدة اذا كانوا أبناء منطقه واحده ولذا جرى التأثير على حسين ياسين ، وخاصة حينما أخبر أن يكون المسؤول الأول على رأس منظمتهم وأنحاز اليهم في اليوم الثالث أو الرابع من اعلان البيان . ومنذ انحياز حافظ رسن وحسين ياسين والتردد عند باقي أعضاء اللجنة . فكرت بتشكيل لجنة جديدة يكون قوامها من الرفاق التالية أسمائهم :
1) الرفيق الشهيد عبد الأمير سعيد
2 ) الرفيق جميل منير
3) الرفيق الحمامي
4) الرفيق محمد النهر
5) الرفيق صاحب الحميري
6) كاتب هذه السطور
..................... يتبع







اخر الافلام

.. لبنان: مصالحة تاريخية بين جعجع وفرنجية خصمي الحرب الأهلية


.. سفيان جيلالي عن استقالة ولد عباس: دخلنا في مرحلة انهيار النظ


.. وزير المالية اللبناني يعلن استنفاد احتياطي الموازنة بشكل كام




.. محمد البخيتي: لا وساطة ولا اتفاق لتسليم ميناء الحديدة


.. إسرائيل: ما هي الأسباب الفعلية الكامنة وراء استقالة ليبرمان؟