الحوار المتمدن - موبايل



النضال من أجل خطاب مهذب

ليون تروتسكي

2018 / 10 / 21
الارشيف الماركسي


قرأت مؤخراً في واحدة من أوراقنا انه قد تم اتخاذ قرار في الاجتماع العام لعمال مصنع أحذية ”كوميونة باريس“ بالامتناع عن السب، وفرض غرامة على استخدام اللغة البذيئة، وما إلى ذلك من تعبيرات.
يعد هذا حدث صغير بالنسبة للأحداث العظيمة الدائرة في وقتنا الحالي، إلا انه يعد حدثا كاشفاً. إلا أن أهميته تتوقف على الطريقة التي ستتجاوب بها الطبقة العاملة مع مبادرة مصنع الأحذية.
تمثل اللغة البذيئة والشتائم إرث العبودية والإذلال وعدم احترام الكرامة الإنسانية للذات وللآخرين.هذا هو تحديدا حال السباب في روسيا. أحب أن أستمع لرأي علماء اللغة واللسانيات وخبراء الفلكلور، إذا ما كانوا يعرفون لغة أخرى غير الروسية بها هذا المخزون الكريه من العبارات المنحطة. على حد علمي هذا المستوى غير موجود بالمرة خارج روسيا. نتجت الشتائم الروسية في جوهرها عن واقع اليأس والإحباط، وفوق ذلك كله العبودية بلا أمل في النجاة وبدون مفر. على الجانب الأخر تمثل شتائم الطبقة العليا، تلك الصادرة عن حناجر الأغنياء والسلطة، نتاج سلطة الطبقة وكبرياء مالك العبيد وسلطته المطلقة.
يفترض بالأمثال الشعبية أن تحمل حكمة الجماهير، بينما تظهر الأمثال الشعبية الروسية إلى جانب ذلك الجهل والإيمان بالخرافات وخنوع الوعي الجمعي أيضاً. يخبرنا المثل الروسي القديم “ الشتائم لن تلتصق بياقتك- الشتيمة مبتلزقش*”، لا يعكس المثل فقط قبول العبودية كواقع، ولكن أيضا الخنوع أمام ذلها. لدينا تياران من الإساءة في روسيا طبعتا الحياة الروسية بمجملها بطابع مقزز من العبارات المهينة، تلك الصادرة عن السادة والمسئولين والشرطة والمنفوخين والمتعاليين، والأخرى، شتائم الجماهير المعذبة، والتي تعكس واقع الجوع واليأس. هذه أحدى مكونات الإرث التي تلقتها الثورة ضمن تركات أخرى من الماضي.
لكن الثورة في المقام الأول تمثل إيقاظ الشخصية- الصفات الإنسانية للجماهير، والتي فرض عليهم سابقا عدم امتلاك أي منها. فبالرغم من قسوتها الظرفية، وأساليبها الدامية، الثورة هي قبل وفوق كل شيء إيقاظاً للإنسانية، ومسيرتها للمستقبل، تحمل فوق رايتها الاحترام المتزايد للكرامة الشخصية لكل فرد وعناية خاصة بالضعفاء.
الثورة لا تستحق اسمها إذا لم تساعد النساء بكل ما أوتيت من قوة وإمكانيات في التخلص من استعبادهن بشكل مضاعف عما كان في الماضي، للإلحاقهن بطريق التحقق الشخصي والاجتماعي. ولا تستحق اسمها إذا لم تولي أكبر قدر من العناية الممكنة للأطفال، ورثة المستقبل الذين قامت من أجله الثورة.
كيف يمكن للمرء أن يخلق يوما بيوم، حتى ولو عن طريق تغييرات صغيرة، حياة جديدة مبنية على التقدير المتبادل واحترام الذات والمساواة الحقيقية للنساء والنظر لهن على إنهن رفاق بحق، وكذلك على الرعاية الحقيقية للأطفال، في مناخ مشحون ومسمم ومحاط بالبذاءة التي تحمل صدى عالم السادة والعبيد، هذه البذاءة المستمرة التي لا تفلت أحد من أيديها؟
النضال ضد " لغة بذيئة" يعد شرطا للتثقيف الفكري، مثلما يعد القضاء على الحشرات والقاذورات شرطا لثقافة الصحة الجسدية. إن الانتزاع الجذري للكلام المسيء ليس أمراً سهلاً ، بالنظر إلى أن هذا الخطاب المستهتر له جذور نفسية ، وهو نتاج محيط غير مثقف. نرحب بالتأكيد بمبادرة مصنع الأحذية، وقبل كل شيء نتمنى أن يتسم المروجين للحركة الجديدة بالكثير من المثابرة.
إن العادات التي تتوارثها الأجيال، وتعبئ المناخ الاجتماعي عصية جدا على التغيير، وعلى الجانب الأخر فعادة ما يحدث معنا في روسيا أن نتخذ خطوات سريعة للأمام مما يستنزف قوتنا ثم نترك الامور تخرج عن السيطرة لتعود إلي سابق عهدها. لنأمل أن العاملات – الرفيقات الشيوعيات على وجه الخصوص- سيساندن مبادرة عمال مصنع الكوميونة.
كقاعدة عامة- بالتأكيد هناك استثناءات- الرجال الذين يستخدمون لغة بذيئة عادةً ما يحتقرون النساء، ولا يولون أهمية للأطفال. وهذا لا ينطبق فقط على الجماهير غير المثقفة، بل ينطبق أيضاً على العناصر المتقدمة بل وحتى ما يسمى بالعناصر المسؤولة للنظام الاجتماعي الحالي. لا يمكن إنكار أن أشكال لغة عالم ما قبل الثورة، القديمة لا تزال قيد الاستخدام في الوقت الحاضر، بالرغم من مرور ست سنوات على ثورتنا، والتي هي في أوج بريقها.
بعيدا عن المدينة، خاصة عن موسكو، يرى " القادة رفيعو المستوى” أن من واجبهم استخدام لغة حادة. من الواضح انهم يعتقدون أن ذلك يخلق لهم اتصالا أوثق مع الفلاحين.
بنيت حياتنا في روسيا على تناقضات مرعبة ليس فقط في المجال الاقتصادي بل في كل مناحي الحياة. في قلب البلاد، على مقربة من موسكو، تمتد أميال من المستنقعات، والطرق الوعرة، ربما تقبع بجوارها مصانع قد تبهر المهندسين الأوربيين والأمريكيين بمعداتها التقنية. يمتلئ واقعنا المحلي بتناقضات مماثلة.
فها نحن نرى في يومنا هذا بعض الملاك الجشعين المستبدين من الطراز القديم، الذين بعثوا من جديد بعد اجتيازهم للثورة والمصادرة، منخرطين في النصب ومتخفين وراء أعمال ربحية مقننة،محافظين خلال ذلك على فجاجتهم وطمعهم المرتبطين بالضواحي، مجاورين لأفضل شيوعيي الطبقة العاملة الذين كرسوا حياتهم لمصلحة الطبقة العاملة العالمية، والمستعدين دائما للقتال في سبيل قضية الثورة في أي من بقاع الأرض، حتى تلك التي قد لا يعرفون موقعها على الخريطة. بالإضافة لمثل هذا التناقض الاجتماعي- تجاور البذاءة المنفرة وأعلى أشكال المثالية الثورية- غالبا ما نشهد تناقضات نفسية داخل عقل الشخص الواحد. فيكون الرجل شيوعي مثالي مكرس للقضية، لكن النساء بالنسبة له مجرد "إناث"، لا يجب أخذهن بجدية بأي شكل من الأشكال. أو يحدث أن شيوعي يعتد به، يبدأ في الحديث عن أشياء رجعية ميؤوس منها عند مناقشة المسائل القومية. لفهم ذلك، علينا أن نتذكر أن الجوانب المختلفة للوعي البشري لا تتغير وتتطور في وقت واحد، ولا بشكل متوازي. هناك اقتصاد معين في هذه العملية.
السيكولوجيا البشرية بطبيعتها مقاومة للتغيير، والتغيير الذي يحدث بسبب متطلبات وتأثيرات الواقع عادة ما يمس فقط الأجزاء من الوعي المرتبطة بالقضية محل النضال بشكل مباشر.
لم يحدث التطور الاجتماعي والسياسي في روسيا خلال العقود الأخيرة بطريقة معتادة، بل تم عبر قفزات هائلة، وهذا يفسر عدم التنظيم الحالي والفوضى اللتان لا تقتصران على الاقتصاد والسياسة.
وتظهر نفس العيوب في أذهان كثير من الناس، منتجة امتزاج غريب بين وجهات النظر السياسية المتطورة والأهواء والعادات ، وإلى حد ما الأفكار الموروثة مباشرة من التقاليد الأسرية للأسلاف.
يجب أن تكون الصيغة الصحيحة للتعليم والتعليم الذاتي بشكل عام، ولحزبنا قبل كل شيء، بدءا من القيادة، هي تقويم الطليعة الأيديولوجية، أي تحديث جميع مكونات الوعي، باستخدام الأسلوب الماركسي.
ولكن تظل هناك مشكلة معقدة للغاية ولا يمكن حلها عن طريق التعليم المدرسي والكتب وحدها: جذور التناقضات والتقلبات النفسية تكمن في الفوضى والتشويش الناتجة عن الظروف التي يعيش فيها الناس. فالنفس تشكل في النهاية عبر الحياة. لكن العلاقة بينهما ليست آلية وتلقائية بحتة وإنما نشطة ومتبادلة. لذلك يجب التعامل مع هذه الإشكالية من جهات متعددة، أحدها هي مبادرة العمال – الذكور- في مصنع كوميونة باريس. لنتمنى لهم كل النجاح.
المعركة ضد اللغة السيئة هي أيضا جزء من الصراع من أجل النقاء والوضوح والجمال في الخطاب الروسي. يؤكد الحمقى الرجعيين أن الثورة ، إذا لم تدمر اللغة الروسية كليًا، فإنها في سبيلها لإفسادها.
توجد في الواقع كمية هائلة من الكلمات المستخدمة الآن والتي نشأت عن طريق الصدفة، وكثير منها تعبيرات لا داعي لها وعشوائية، بعضها مخالف لروح لغتنا. ومع ذلك ، فإن العقول الرجعية مخطئة تمامًا بشأن مستقبل اللغة الروسية - كما هو الحال في باقي الأمور. فمن خلال المخاض الثوري، سوف تتقوى لغتنا، وتجدد شبابها، مع قدر كبير من المرونة والكياسة.
إن لغة الصحافة البيروقراطية والليبرالية المتحجرة السابقة للثورة قد تم إثراؤها بشكل ملحوظ بالفعل بتوصيفات جديدة، من خلال تعبيرات جديدة أكثر دقة وديناميكية. لكن خلال كل هذه السنوات العاصفة شكلت لغتنا عقبة هائلة، جزء من تقدمنا في الثقافة سيتجلى، من بين أمور أخرى، في استبعاد كل الكلمات والتعبيرات غير المفيدة من كلامنا، تلك التي لا تتفق مع روح اللغة، مع المحافظة على المكتسبات اللغوية المؤكدة والثمينة التي أفرزتها الحقبة الثورية. اللغة أداة الفكر، دقة وصحة التعبير هي شروط لا غنى عنها للتفكير الصحيح والدقيق. في بلدنا، ولأول مرة في التاريخ وصلت الطبقة العاملة إلى السلطة. تمتلك الطبقة العاملة مخزونًا غنيًا من العمل والخبرة الحياتية ولغة مؤسسة على تلك التجربة. لكن البروليتاريا لم يكن لديها ما يكفي من التعليم في القراءة والكتابة الأولية، فما بالك بالتعليم الأدبي. وهذا هو السبب في أن الطبقة العاملة التي تحكم الآن، والتي هي في ذاتها وبسبب طبيعتها الاجتماعية ضمانة قوية لنزاهة وعظمة اللغة الروسية في المستقبل، لا تقف الآن وعلي الرغم من ذلك بقوة كافية ضد إقحام الكلمات والعبارات الجديدة الفاسدة وغير الضرورية والتي تتسم أحيانا بالبشاعة.
عندما يقول الناس ، "زوج من الأسابيع" ، "زوج من الأشهر" (بدلاً من عدة أسابيع ، عدة أشهر)، هذه لغة غبية وقبيحة. مثل هذه التعبيرات تفقر اللغة بدلاً من إثراءها، عبر هذه الاستخدامات تخسر كلمة "pair" معناها الحقيقي (معناها الواضح في تعبير "زوج من الأحذية"). دخلت الكلمات والتعبيرات الخاطئة حيز الاستخدام بسبب تسرب الكلمات الأجنبية ذات النطق الخاطئ.
المتحدثين باسم البروليتاريا، حتى أولئك الذين يجب أن يعرفوا بشكل أفضل، يستخدمون كلمات خاطئة مثل: "incindent" بدلاً من "incident- حادث" أو يقولون "instice" بدلاً من "instinct- غريزة" أو "legularly" بدلاً من "regularly- بانتظام". هذه الأخطاء اللغوية لم تكن نادرة في الماضي ، قبل الثورة. لكنها على ما يبدو تحولت لشرط لاكتساب المواطنة. لا أحد يصحح مثل هذه التعبيرات المعيبة انطلاقا من نوع من الفخر الزائف. هذا خطأ.
إن النضال من أجل التعليم والثقافة سيمد العناصر المتقدمة من الطبقة العاملة بكافة موارد اللغة الروسية في ثراءها الشديد ودقتها وصقلها. ويجب استبعاد كل الكلمات والتعبيرات المعيبة من الخطاب اليومي من أجل الحفاظ على عظمة اللغة. فالخطاب أيضا يحتاج للتعقيم. والطبقة العاملة بحاجة إلى لغة صحية بدرجة أكبر من الطبقات الأخرى، فهي لأول مرة في التاريخ تبدأ بالتفكير بشكل مستقل في الطبيعة وفي الحياة وأسسها– وللقيام بمهمة التفكير تحتاج لاستخدام لغة واضحة ومحددة.
ليون تروتسكي- مايو 1923







اخر الافلام

.. آلاف المتظاهرين احتجاجا على ترشح بوتفليقة للانتخابات الرئاسي


.. زعيم حزب العمال البريطاني في بروكسل..لماذا؟


.. كيف يتذكر الشباب المغربي حركة -20 فبراير- بعد ثماني سنوات من




.. بوتين يهد الولايات المتحدة: مستعد لأزمة صواريخ كوبية أخرى إذ


.. نداء تونس يرشح القايد السبسي