الحوار المتمدن - موبايل



فن الأرجوزة في يوم الطف / بقلم الاستاذ جعفر حاجم البدري

جعفر حاجم البدري

2018 / 10 / 23
الادب والفن


فن الأرجوزة في يوم الطف / بقلم الاستاذ جعفر حاجم البدري

1- مقدمة :
ان واقعة عاشوراء من اشهر الحوادث المأساوية في التاريخ الاسلامي .. و دارت حول تلك الواقعة كميات هائلة من النظريات التفسيرية وفقا لما جرى بها من انتهاك صارخ للحرمات و مقتل عظيم لسبط النبي عليه السلام و جل من صحبه من أهل بيته و اصحابه ... ان هذه المقالة لا تعنى بالمسببات و النتائج في هذه المعركة التاريخية ، و لكنها تتطرق – و بشكل أدبي – لفن أدبي اصيل كان ملازما لفرسان هذه الواقعة ، و هو فن الأرجوزة .

2- الأرجوزة :

2-1 الرجز لغة :

الاسم ( رجز ) و هو ضرب البعير بين فخذيه للقيام .. كما انه مرض يصيب الناقة فترتعش أرجلها و تتقارب و سمي الرجز الشعري وفقا لتقارب أجزائه و قلة حروفه .

2-2 الرجز اصطلاحا :

هو فن من فنون الشعر العربي و يطلق عليه ( مطية الشعراء ) لسهولة نظمه و سرعته و لخفته ، و يعتبره بعض النقاد الانطلاقة الابتدائية للشعر العربي .

2-3 سبب التسمية :

ان تفعيلة هذا البحر الشعري هي ( مستفعلن مستفعلن ) ، و بها تتوالى الحركة و السكون ثم الحركة و السكون و هو ما يشبه سير الناقة بتثاقل و رعشتها حيث تسير و تسكن حتى تسمى بالرجزاء لفعل ذلك .

2-4 الفرق بين الرجز و القصيدة :

ان ثمة فرق بين الرجز و القصيدة ، حيث يعتبر كل شطر من بيت الرجز بيتا مستقلا بذاته بينما في القصيدة ، يكون البيت متكاملا من شطرين .. و ان كثرت ابيات الرجز عد قصيدة . و بحر الأرجوزة له عدة انواع :
أ- الرجز التام ، و وزنه هو : مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن ،

ب- الرجز المجزوء ، و قد ينقص في التفعيلة شيئا منها كما في بيت لأمير الشعراء أحمد شوقي :
لي جدة ترأف بي ( مستفعلن مستفعل )
أحنى علي من أبي ( مستفعلن مستفعل )

ج- الرجز المشطور ، و هو المتكون من ثلاث مفاعيل ، كما في قول حافظ ابراهيم :
تحية كالورد في الأكمام
أزهى من الصحة في الأجسام
يسوقها شوقي اليكم نامي
تقصر عنه همة الأقلام

د- الرجز المنهوك ، و هو الباقي على تفعيلتين اثنتين فقط ، و منه بعض أراجيز أبي نؤاس المشهورة كما في :
الهنا ما أعدلك
مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك
ما خاب عبد سألك
أنت له حيث سالك
لولاك يا رب هلك

2-5 تطور الأرجوزة :

قيل بأن اصل الشعر رجزا ، و أن فحول شعراء الجاهلية كانوا في بدايتهم راجزين كالمهلهل و أمرؤ القيس . و اعتبار أن بداية الشعر رجزا يعززه المنطق القائل بان سهولة الكلمات تديم تواصلها بين الناس ، و لا أبالغ لو وصفت الأرجوزة عند العرب قديما كالشعر الشعبي عندنا حاليا ، فالتعقيد باستخدام الكلمات و الصعبة يبعدها عن مخازن الذاكرة . لقد لقي فن الأرجوزة عناية كبيرة في العصر الأموي ، و ظهر كشعر تعليمي في اللغة العربية ، و قد انبرى لهذا الفن مجموعة من شعراء العصر الأموي كالعجاج و ابن رؤبة ، و يرى الدكتور شوقي ضيف ( في كتابه : العصر الجاهلي من تاريخ الأدب العربي ) أن فن المقامة في العصر العباسي تولد من فن الأرجوزة في العصر الأموي . و يتميز فن الارجوزة بأن عباراته قصيرة ، و أقرب الى الغناء ، و يسهل على القارئ و السامع حفظه ، كما يتميز بتقطيع العبارات و الجمل الاعتراضية . و مثال ذلك الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية لابن أبي العز الحنفي و منها :
الحمد لله القديم الباري
ثم صلاته على المختار
و بعد هاك سيرة الرسول
منظومة موجزة الفصول

2-6 استخدامات فن الأرجوزة :

لا يختلف فن الأرجوزة عن بقية فنون الشعر العربي من حيث الاستخدامات كالحديث عن الاطلال ، و وصف الناقة و الرحلة ، و المدح ، و الهجاء ، الفخر و غيرها . و لكنه مفضل بشكل كبير عند الاستعداد للهجوم في المعارك ، لكونه لا يتطلب المعقد من اللفاظ و العبارات . و استخدام هذا الفن من الشعر بانسيابية مريحة يبث روح الحماسة في المقاتل و روح الخوف في عدوه حيث لا يتطلب من مستخدمه اتصافه بلقب شاعر أو اتقانه لفنون الشعر .

2-7 انهيار فن الأرجوزة :

تطورت الكثير من عقليات المتلقي للشعر العربي فاصبحت لا تستسيغ الجاهز منها و أعدته نوع من الترف الشعري ، و فضلت الاعتناء بتلقي بقية بحور الشعر العربي . كما ضاق شعراء الأرجوزة ذرعا بحصر معنى كامل في بيت واحد أو شطر من بيت – كما في الدارمي العراقي الشعبي حاليا – و يرى الدكتور مهدي لعرج ( في كتابه : الأرجوزة العربية / النشأة و المفهوم ) أن القدماء لم يفردوا للأرجوزة مكانة خاصة ، باعتبارها بنية دلالية كلية ، اذ بقي تمييزهم لها عن القصيدة باهتا ، بل أن لعرج اعتبر بأن التركيز على بحر الرجز دون الأرجوزة عجل بموتها . كما يرى الدكتور لعرج ( في كتابه : بنية الأرجوزة و جمالية تلقيها عند العرب ) ان من أسباب انهيار الأرجوزة كون بيتها ليست ثابتة ، بل عرفت عدة متغيرات .

3- الأرجوزة في يوم الطف :

لقد تميز قادة الجيوش الاسلامية بالارتجاز عند لقاء خصومهم . و ان الامام علي بن ابي طالب له الحظ الأوفر من قيادات الجيوش في أولى غزوات الفتح المحمدي الساعي لنشر الاسلام في سنوات ظهوره الأولى . في يوم الطف ، كانا الجيشان المتقابلان ينقصهما التكافؤ العددي بشكل كبير . بل أن دافع كل فريق منهما يختلف كليا عن دافع الآخر . لقد كان دافع الجيش اليزيدي هو الدنيا بكل تفاصيلها ، بينما دافع الجيش الحسيني هو الجنة بكل نعيمها . لهذا ، فان قلة العدد في الجيش الحسيني تدفع جنوده للارتجاز الواضح من أجل تبيان سبب استعدادهم للقتال و بشكل لا يقبل التأويل . أنهم مقبلين على تذوق مرارة الموت لا محالة ، لهذا هم لا يتجملون بكلماتهم و انما يلفظونها كانعكاس صادق و واضح عن نواياهم و اسبابهم و استعدادهم لتجرع كاس المنية من أجل قضية مقدسة . ان الاتجاز في هذا اليوم هو كتوقيع في سجل الحاضرين لهذه الواقعة المفصلية بتاريخ الاسلام ، و لهذا تسابقوا جميعا لامضاء اسماءهم في هذا السجل المقدس . لم يبرز أحد من أهل الحسين أو صحبه الا و أرتجز . و من أراجيزهم الخالدة :

علي الأكبر عليه السلام ، حيث قال مرتجزا :
أنا علي بن الحسين بن علي
نحن و بيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي
أطعنكم بالرمح حتى ينثني
طعن غلام هاشمي علوي

القاسم بن الحسن عليهما السلام ، حيث قال :
إني أنا القاسم من نسل علي
نحن وبيت الله أولى بالنبي
من شمر ذي الجوشن أو ابن الدعي


ان تنكروني فانا فرع الحسن
سبط النبي المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالاسير المرتهن
بين أناسٍ لا سقوا صوب المزن

اعصبة جارت على نبيها
وكدرت من عيشها ما قد نقى
في كل يوم تقتلون سيداً
من أهله ظلماً وذبحاً من قفا


زهير بن القين رضي الله عنه ، حيث قال :
أقدم هُديت هادياً مهديا
اليوم ألقى جدكَ النبيا
وحسناً والمرتضى عليا
وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد الله الشهيد الحيا
فدتكَ نفسي هادياً مهديا
اليوم ألقى جدكَ النبيا
ثم أباكَ ذا الندى عليا
ذاك الذي نعرفه الوصيا

نافع بن هلال الجملي رضي الله عنه ، حيث قال :
أنا الغلام اليمني الجملي
ديني على دين حسين وعلي
إن أقتل اليوم فهذا أملي

سويد بن ابي عمرو بن المطاع رضي الله عنه ، حيث قال :
أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا
وشيخكَ الحبر علياً ذا الندى
وحسناً كالبدر وافى الأسعدا
وعمكَ القرمَ الهمامَ الأرشدا
حمزة ليث الله يدعى أسدا
وذا الجناحين تبوّا مقعدا
في جنةِ الفردوسِ يعلو صعدا

عبدالله و عبدالرحمن ابنا عروة الغفاري رضي الله عنهما ، حيث قالا :

قد علمت حقاً بنوا غفارِ
وخندفٌ بعد بني نزارِ
لنضربنّ معشرَ الفجّارِ
بكل عضبٍ صارمٍ بتّارِ
ياقوم ذودوا عن بني الأحرارِ
بالمشرفيّ والقنا الخطّارِ

الغلام ابن جنادة بن كعب رضي الله عنهما ، حيث قال بعد مقتل أبيه :
أميري حسينٌ ونعمَ الأمير
سرورُ فؤادِ البشيرِ النذير
عليٌ وفاطمةٌ والداه
فهل تعلمون له من نظير
له طلعةٌ مثل شمسِ الضحى
له غرةٌ مثل بدرٍ منير

زوجة جنادة بن كعب رضي الله عنهما ، حيث قالت بعد مقتل ابنها :
أنا عجوزٌ في النسا ضعيفة
خاويةٌ باليةٌ نحيفة
أضربكم بضربةٍ عنيفة
دون بني فاطمة الشريفة

أنس بن الحارث الكاهلي رضي الله عنه ، حيث قال :
قد علمت مالك والدودانِ
والخندفيون وقيس عيلانِ
بأن قومي أفة الأقرانِ
لدى الوغى وسادة الفرسانِ
مباشر الموت بطعنٍ آنِ
لسنا نرى العجز عن الطعانِ
آل علي شيعة الرحمنِ
آل زياد شيعة الشيطانِ

عمرو بن خالد الأزدي رضي الله عنه ، حيث قال :
اليوم يا نفس إلى الرحمنِ
تمضين بالروح وبالريحانِ
اليوم تجزين على الإحسانِ
قد كان منك غابر الزمانِ
ما خط باللوح لدى الديانِ
فاليوم زال ذاك بالغفرانِ
لا تجزعي فكل حي فانِ
والصبر أحظى لك بالأماني

خالد بن عمرو الأزدي رضي الله عنه ، حيث قال :
صبرا على الموت بني قحطانِ
كيما تكونوا في رضا الرحمنِ
ذي المجد والعزة والبرهانِ
وذي العلى والطول والإحسانِ
يا أبتا قد صرت في الجنانِ
في قصر در حسن البنيانِ

سعد بن حنظلة الشبامي رضي الله عنه ، حيث قال :
صبراً على الأسيافِ والأسنة
صبراً عليها لدخول الجنة
يا نفس للراحة فاجهدنه
وفي طلاب الخير فارغبنه

عمرو بن أبي المطاع الجعفي رضي الله عنه ، حيث قال :
أنا ابن جعفي وأبي مطاعُ
وفي يميني مرهفٌ قطاعُ
وأسمرٌ سنانه لمّاعُ
يرى له من ضوئه شعاعُ
اليوم قد طاب لنا القراعُ
دون حسين الضرب والسطاعُ
يرجى بذاك الفوز والدفاعُ
عن حر نار حين لا انتفاعُ

جون مولى ابي ذر الغفاري رضي الله عنه ، حيث قال :
كيف ترى الكفار ضرب الأسودِ
بالسيف ضرباً عن بني محمدِ
أذبُّ عنهم باللسانِ واليدِ
أرجو به الجنة يوم الموردِ

الحر الرياحي رضي الله عنه ، حيث قال :
إني أنا الحر ومأوى الضيفِ
أضربُ في أعناقكم بالسيفِ
عن خيرِ من حل بأرضِ الخيفِ
أضربكم ولا أرى من حيفِ

مسلم بن عوسجة رضي الله عنه ، حيث قال :
إن تسألوا عني فإني ذو لبد
من فرع قرم من ذرى بني أسد
فمن بغاني حائد عن الرشد
وكافر بدين جبار أحد

حبيب بن مظاهر الأسدي رضي الله عنه ، حيث قال :
أنا حبيبٌ وأبي مظهّر
فارس هيجاءٍ وحرب تسعر
أنتم أعدّ عدّة وأكثر
ونحن أوفى منكم وأصبر
ونحن أعلى حجة وأظهر
حقا وأتقى منكم وأطهر


المصادر :
1- ويكيبيديا .
2- د. صفاء الخلوصي ، فن التقطيع الشعري و القافية ، 1966
3- عبدالرزاق عبدالمحسن البدر ، شرح الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية لابن ابي العز الحنفي ، 1431 هـ
4- ابو الفرج الأصفهاني ، مقاتل الطالبيين .
5- شوقي ضيف ، العصر الجاهلي من تاريخ الأدب العربي ، دار المعارف بمصر .
6- المهدي لعرج ، بنية الأرجوزة و جمال تلقيها عند العرب ، 1431 هـ
7- المهدي لعرج ، الأرجوزة العربية / النشأة و المفهوم ، السلسلة النقدية .
8- almaqalaat.blogspot.com
9- https://annabaa.org/arabic/ashuraa/3865







اخر الافلام

.. عبير صبرى: أنا من عيلة -دحيحة- وأمى طردتنى من البيت بسبب الت


.. مقابلة مع مخرجة فيلم لسه فيه روح - ماريان رمسيس


.. مقابلة مع عفراء الجول الناقدة الصحفية المتخصصة بالشؤون الريا




.. بتحلى الحياة – عمر أبي عزار – مسرحية أميال غالية


.. بتحلى الحياة – فيلم شرعوا الحشيشة – النجم طوني عيسى والممثل