الحوار المتمدن - موبايل



هكذا حاول الغرب توظيف علم الأنثربولوحيا للسيطرة واستعمار العالم الثالث.

الحجاري عادل

2018 / 10 / 24
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


لم يعد الغرب الأوروبي- الأمريكي يصدق أقواله وأفعاله منذ بزوغ الثورة الصناعية التقنية والعلمية إبان منتصف القرن الثامن عشر، والتي حاولت أن تجعل من الإنسان الأبيض الأوروبي ينتقل من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي، ومن الكنيسة المؤمنة بالأفكار التقليدية القروسطية إلى الفصل بين الدين والدولة، ومن الشتات والتجزئة إلى الوحدة والقومية.

لقد أحدث هذا الانتقال ثورة فكرية وتقنية وعلمية قلبت الأوضاع السائدة في الغرب الأوروبي والأمريكي، ورأى من خلالها الإنسان الأبيض الأوروبي أن الوسيلة تقتضي وصول الثورة الفكرية والعلمية إلى مخترعات كبرى سعيا من خلالها السيطرة على العالم وتوظيف النزعة الاستعمارية انطلاقا من عقيدة التبشير وفرض اللغة لكسب المزيد من الإتباع، وكان لعلم الأنثربولوجيا وحده من أهم الدراسات الحديثة التي سعى إليها الغرب وقام بتوظيفه في المعاهد والجامعات خدمة لأهداف إستعمارية فيما وراء البحار.

في كتاب " الأنثربولوجيا والإستعمار "(1)، يحاول المؤلف " جيرار لكرلك "، أن هذا المصطلح يحاول زيف التمسك بالعلم لأهداف لا علمية ولا عقلانية على الإطلاق والمضي نحو كشف بطلان فكرة الحياد العلمي، وهي فكرة توازي ظهور العلوم البحتة كالرياضيات والفيزياء الحديثة من أجل تحويل العالم إلى تقنية ناجحة، مقابل علم الأنثربولوجيا الذي حاول تحويلها إلى تقنية هدامة.

ودون أن نذكر "جورج كتورة" مترجم هذا الكتاب الذي حاول أن يرصد دوافع ظهور علم الأنثربولوجيا إلى الإرتباط الكبير باكتشاف عوالم جديدة قد تكون بدائية لكنها تختلف من حيث الجنس والهوية واللون والطرق والعادات والشعائر...كما راجع أن هذا المصطلح لم ينطلق من ميدانه العلمي لكي يدرس عادات وحضارات الشعوب عن كثب، بل تحول إلى أداة طيعة في يد السلطة الحاكمة في أروبا، ودون أن نشير إلى البحث عن مساحات جغرافية مهمة خارج سيادتها، توافق تماما البحث عن مستعمرات وأسواق خارجية لتصريف فائض الرأسمال الغربي، كما لم يعد الاستعمار العسكري وحده كافيا للسيطرة على الثروات فيما وراء البحار، بل تعدى ذلك إلى مفهوم الثقافة كأحد أسلحته القوية أو ما نسميه علم الأنثربولوجيا.

يذكر لكرلك في الفصول الأولى من الكتاب، أن تصريحات علماء الأنثربولوجيا تقارب تماما فعل الندامة لأجل إدراك التعامل الغير الواعي مع السلطة التي استغلت هذا العلم لتعزيز سيطرتها على العالم الخارجي، وقد ساندت السلطات الأوروبية والأمريكية مختلف الجامعات والمعاهد لأجل إنجاح علم الأنثربولوجيا، وشجعت كبار العلماء والمثقفين من أجل إرادات وطنية قومية ليس إرادات علمية استكشافية، وكان العالم الثالث هو موضوع دراستهم بوصفه الرجل المريض، وقد درسوا الاقتصاد والتنظيم ومستوى الحياة لبلورة تقديم أفكار جديدة.

مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر أي الفترة حاسمة في البحث الأنثربولوجي، والتي تعود لكرلك إلى ذكر الرحالة الإنجليزي "مونغو بارك" باعتباره الفتح الجديد في تاريخ الرحلات في الداخل الإفريقي، وهذا يوافق سنة 1860 كفارق كبير بين رحالة عصر التنوير وبين الباحثين المتأخرين الذين درسوا الوثائق والمعلومات الاثنوغرافية، ووصفوا التاريخ الوسيط وعصر النهضة بأنه لا يزال يضمن الحياة البدائية المتوحشة، ولم يعد بوسع الباحثين تفسير هاته الحياة القروسطية( العصر الوسيط) لقد جهلوا هذا العصر بالنسبة لتاريخ الإسلام وكيف كان عصر الإسلام سبق الأوروبين في ميدان العلوم والصناعة.

أشار لكرلك أن أروبا بهذا المعنى لا تزال تدخل مرحلة أخيرة لأجل إشباع جوعها، وعلى هذا الأساس حاول فلاسفة التنوير إلى إدخال نوع جديد من الليبرالية لأجل قيام حركة إلغاء العبودية في أربعينات القرن التاسع عشر، ويظهر جليا أن فكرة "غرنفيل شارب " و" فيلبر فورس" كانت السبب في إلغاء العبودية في المستعمرات الفرنسية سنة 1833، والإنجليزية سنة 1848م، ومع اجتياح افريقيا السمراء بداية سنة 1850، أقترب الرحالة الباحثين إلى تفسير الحياة البدائية في القرن الإفريقي، مقابل إرسال بعثات أوروبية مجهزة بإدخال العلم الأنثربولوجي عن طريق الجمعيات " الجمعية الباريسية الأنثربولوجية سنة 1839"، و "جمعيات مثيلة في لندن سنة 1843م".

ومع بداية القرن العشرين ظهرت المدرسة الوظيفية داخل العلم الأنثربولوجي لتمهد الطريق نحو أفكار منغقلة ذات استعمار كلاسكي(2)، ولم تعد مقبولا أن توظف في مسيرة هذا العلم، لأن النظرية الاستعمارية لا توافق تماما مع احترام ثقافة الشعوب الأخرى في العالم الثالث، خصوصا وأن الأنثربولوجيا المعاصرة هي الضامن الأساسي سيما إذا وظفت مفهوم القطيعة الواعية مع الاستعمار والقيم التي يفرضها، وهو الشيء الذي خاض فيه علماء الأنثربولوجيا صراعا حول موضوع اختصاصهم، إما من أجل الاختصاص تحت رحمة السلطة وبالتالي السير بهذا العلم نحو الاستعمار وإبادة الشعوب بإسم السلب والنهب، وإما الاتفاق المبدئي والمشروط حول اختصاصهم الوحيد وهو تطور الإنسان(3).

يمكن أن نشير إلى علماء الأنثربولوجيا المتعاملين مع النزعة الاستعمارية مثل "دلايفوس" و"مايك"، عكس علماء أخرين مستقلين عن هاته النزعة مثل "مالينوفسكي" و "راد كلييف" و "براون"، ومن هنا لا بد أن نتفق مع فكرة مالينوفسكي التي تقول أن الأنثربولوجيا يجب أن تظل ذات لغة مبهمة لا علاقة لها بالاستعمار، وقادرة على إرساء أسس جديدة لدراسة الإنسان والمجتمعات البدائية، وهاته الفكرة لقيت اعتراضا عند جيرار لكرك خصوصا إن كان الهروب الرومنطقي بعيدا عن الثقافة المقبولة، والتي تدفع الاستعمار إلى الاحتقار والاتجاه نحو سياسة الميز العنصري، وقد لقيت معارضة شديدة من طرف راد كلييف وبراون على أساس أن جنوب إفريقيا أصبحت مجتمعا واحدا(4).

إن مهمة الأنثربولوجي تقتضي الاستقلالية عن النزعة الاستعمارية، من أجل إبراز الخصوصيات الثقافية والعقلية لدى الإنسان من حيث الجنس والأصل والعادات، ومع ذلك فإن قيام المجتمعات حسب جيرار لكرلك ليس هي حقيقة تاريخية من زاوية أنثربولوجية، بل هي حقيقة طبيعية ونظام علاقات لا تتغير نسبيا، ثم إن النظرة إلى المجتمعات البدائية لا تعني نظرة إلى مجتمعات منبثقة من أصول التاريخ إذ جاز التعبير، بل تعني أنظمة طبيعية معاصرة للمجتمعات الغربية ومؤسسة على المجتمع البدائي، هذا عكس رواد الأنثربولوجيا الفكتورية التي ركزت على مجتمع قائم على ذاته دون البحث في التاريخ وفي نظرية التطور، وقد رفضوا عمومية قوانين التطور لنسف الاعتراف بالتفسيرات العرقية لدى الجنس البشري، هذا الرفض ظل أمر ذا أهمية سياسية في الولايات المتحدة الأمريكية لأمد طويل(5)، ولابد من دراسة أصالة السكان والعيش في قلب موطنهم ذات دافع نظري بحثي ليس عملي الذي يهدف إلى السيطرة والاضطهاد قد تؤدي إلى قطيعة الأنثربولوجي عن الجنس الأبيض الأوروبي لأسباب منهجية ومختلفة عن الأسباب الرومنطيقية التي يراها مالينوفسكي.

ولا أدل على صدق أن الأنثربولوجيون الأمريكيون يوظفون مفهوم التثاقف كظاهرة عامة من الظواهر التي تنشأ عن احتكاك مباشر ومتواصل، إذ يرون أن الاستعمار ليس إلا حالة من حالات التثاقف المختلفة، وقد يكون التغيير الثقافي هو العملية التي يتحول فيها النظام الموجود في مجتمع ما حسب تعبير مالينوفسكي، وفي أغلب الحالات تكون السيطرة الاستعمارية هي العامل المساعد للانثربولوجي من أجل القيام بتجربة التغيير الاستعماري وخصوصية موقع الأنثربولوجيا، وأن الاستعمار ليس إلا حالة خاصة من سيرورات التغيير، بحيث يكون لزاما علينا أن ندرك حيثياته وفهم أسبابه وعوامل انتشاره لئلا يحاول الباحثين رفض النظرية التطورية التي تقف جنبا إلى جنب ودوافع المحركات الاستعمارية.

وحين يختفي الاستعمار يظهر ذلك كنظام سري تابع للتطورية، هذا إن دل على شيء إنما يدل على اعتبار الاستعمار كظاهرة انتشار وصدمة ثقافية واحتكاك ثقافي، لكن مع تنامي أهدافه واتساع استراتجياته الإمبريالية التي تغرو شعوب فيما وراء البحار، تحت غرس بذور التبشير والتمهيد لاحتلال منطقة شاسعة كانت موطن السكان الأصليين، مقارنا بذلك لاحتلال الأنغلوساكسون للشعوب البدائية في أمريكا، ودور الإمبريالية الفرنكفونية القرن الإفريقي، هذا يعني أن وضع الشعوب المستعمرة كأداة طيعة وخدمة لأهداف الرأسمال الإمبريالي، للقضاء على هاته الشعوب دينيا وثقافيا واقتصاديا، وفي أغلب الحالات تبقى الفروقات والتفاهات حول دواعي الاستعمار وأصوله وجذوره في الأنثربولوجيا يأخذ بين ماهو عيني وبين التعميم العلمي وفي الأخير غرق الأنثربولوجي في خصوصيات الموقف التاريخي.

الهوامش :
1- جيرار لكرلك، الأنثربولوجيا والإستعمار، ترجمة جورج كتورة، منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، لبنان 1990.
2- ملاحظات حول مختلف الطرث التي يجب اتباعها في دراسة الشعوب البدائية سنة 1880.
3- آدم كوبر، الثقافة التفسير الأنثربولوجي، سلسلة عالم المعرفة، العدد349، مارس 2008، ص11.
4- نفسه، ص15.
5- نفسه، ص29.







اخر الافلام

.. سر الغموض المرافق للبحث عن الحقيقة في الفيلم


.. كيف تمزق الصين عائلات الإيغور في شينجيانغ


.. الأخبار الكاذبة.. واللقاحات المضادة لها




.. المغرب: ما احتمال تخفيف الأحكام الصادرة بحق قادة حراك الريف؟


.. لماذا أمر التحالف بقيادة السعودية بوقف الهجوم على الحديدة ال