الحوار المتمدن - موبايل



تكامل وتلاقي المادية الجدلية والفرويدية

محسن البلاسي

2018 / 10 / 25
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


في عام 1959 كتب المحلل النفسي الدكتور إرنست جونز:

(إن أحد مبادئ التحليل النفسي هو أن الإنسان أولا وقبل كل شيء مخلوق اجتماعي، لذا فإن محاولات تقسيم علم النفس إلى علم نفس اجتماعي وعلم نفس فردي هي محاولات خيالية. بمعنى أن عقل الإنسان يتكون في مجموعة ابتداء من ردود فعل تنشأ بينه وبين أعضاء آخرين في المجتمع ولا يمكن تطور فرد مكون على نحو مختلف عن ذلك)

يرى فرويد أن التحليل النفسي لا يكون إلا في مساهمة في التصور العلمي المترابط للكون ويرى كارل ماركس أن الهدف من الفلسفة هو تكوين وجهة نظر تضم وتجمع الكون ومكان الإنسان فيه ويرى الاثنان أن ترابط العلوم هو الذي يحقق أهدافهما، وفي رأيي أن وجوب اهتمام مطوري الفلسفة المادية الجدلية بعلم التحليل النفسي ومجالات النفسية الذاتية لهو قضية مهمة في تطور الفلسفة بوجه عام وعدم تركها لكهنة الفلسفة المثالية الرجعيين والمشعوذين وبإنكار وجود نشاط نفسي ديالكتيكي داخلي فإننا نعطي الفرصة للرجعية الفلسفية المثالية بالانتشار الفيروسي في العقول. فالفلسفة دائما يجب أن تنشغل بالمشاكل التي يكون حلها في متناول يدها والتي تتعلق بتقدمها وتطورها الحاضر والمستقبلي. فالنظرية الماركسية توجه انتباه الإنسان إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تحدد السلوك البشري بينما يتجه علم التحليل النفسي الفرويدي إلى تحليل تعقد الحياة النفسية الشخصية المستقى من الوجود الاجتماعي لذلك فالمادية الجدلية والفرويدية يتكاملان ولا يتناقضان

وعلى مدار عشرات السنوات اشترك كل من المنهج الفرويدي في علم التحليل النفسي والمادية الجدلية كآلية للبحث الفلسفي في التأثير على الفكر المعاصر على العكس من آراء كثير من المحللين الذين يروا أنهما متضادتان ، فالتحليل النفسي الفرويدي يتركز طرحه على العناصر الشخصية والقوى والحاجات الدافعة للنشاط الإنساني والماركسية تركز طرحها الأولي على الاهتمام بالوجود الاجتماعي والنمط الاقتصادي الموجود فيه الإنسان.

وقد اشتركا في علاج أحوال الإنسان الاجتماعية وقدره المصنوع بيده وشقاؤه المنسوج بإرادته أو بإرادة البعض على حساب البعض الآخر، إلا أنهما انفردا بإلزامية توجيه هذه الإرادة توجيها يزيل عن الإنسانية شقائها التاريخي، ويفض الإبهام عن سبب هذا الشقاء، فقدم كارل ماركس طرحه الجذري في ميادين الاقتصاد السياسي والفلسفة وقدم سيجموند فرويد طرحه في ميادين النفس الإنسانية وتاريخ الحضارة الإنسانية وتطورها وما يعانيه الإنسان من ضيق واغتراب من جراء أوضاعه الاجتماعية، ولقد زاد وتضاعف هذا التلاقي بين الفلسفة الماركسية وبين علم التحليل النفسي بعد حكم ستالين الشمولي والديكتاتوري وأخطاؤه الشديدة في تطبيق الماركسية وخلقه لنظام لا يمت للماركسية في شيء ووضعه لبذرة انهيار الإتحاد السوفييتي وإجهاض منجزات ثورة أكتوبر العظيمة، ففي العهد الستاليني تم التجهيل عن قصد بالمعارف والعلوم النفسية ودراسة النفسية الذاتية، وينفرد كل من كارل ماركس وفرويد في أنهما لهما السبق الفلسفي والعلمي في زعزعة الجهل بالوعي الإنساني وتأثير زيفه وقدرته على التغيير، وأن ما يمر به الفرد من وعكات نفسية، إنما هي انعكاس لوجوده الاجتماعي ولأمراض المجتمع الإنساني الاجتماعية، وقد يذهب بعض المحللين إلى أن فرويد قد أتجه فلسفيا اتجاها مثاليا فيما يخص تفسيره للوعي ولللاوعي وهذا خطأ فادح فمنذ أعمال فرويد المبكرة وقد فسر العلاقة بين الوعي الإنساني والوجود الاجتماعي تفسيرا ماديا جدليا في كتبه المبكرة تفسير الأحلام والإبداع الأدبي وأحلام اليقظة والطوطم والتابو وخواطر عن الحرب والموت تلك الأعمال التي تحمل الكثير من الربط بين البناء التحتي للمجتمع ونمط وعلاقات إنتاجه والوجود الاجتماعي للفرد وبين البنى الفوقية كالثقافة والوعي والشعور والسلوك والإدراك الديني . وهو ما يتفق مع ما كتبه فردريك إنجلز عن طبيعة الأيديولوجيا حيث يقول: ( إن الأيديولوجيا عملية من نتاج مفكر يتوهم أنه مدرك واع لما أنتج، ولكنه في واقع الأمر لا يملك إلا وعيا (شعورا) زيفا. ذلك أن الدوافع الحقيقية التي حفزته تظل مجهولة منه، وإلا لما كان الأمر أيدلوجيا ومن ثم فهو يصطنع دوافع ظاهرية أو زائفة)

تلك الكلمات لو بدلنا فيها كلمة مجهولة بكلمة لا شعورية وكلمة ظاهرية بكلمة تبريرية سنجد أنفسنا نسير في اتجاه علم التحليل النفسي الفرويدي. ولقد كان رأي فرويد نفسه في نظريات كارل ماركس أن الأهمية الشديدة والحاسمة لها تكمن في إدراك ماركس الواضح للظروف الاقتصادية وتأثيرها الجذري في الإنتاج الفكري والفني والسلوكي والثقافي والديني. بالإضافة إلى أن فرويد قد أتبع المنهج المادي الجدلي الخالص في رؤاه حول الصراع بين الرغبة والدفاع كطاقات مادية بيولوجية فإذا تم التسوية بينهما يكون الفرد سوي صحيا وعقليا وإذا تم التضاد يكون المرض العقلي.

ويمكننا تأمل ما طرحه هربرت ماركيوزه في كتابه أيروس والحضارة القائم على الدمج بين المادية الجدلية والتحليل النفسي بالأخص في تفسيره للكبت الاجتماعي ومن ثم كبت الأفراد نفسيا بالرجوع إلى وجودهم الاجتماعي.

إن الفرويدية والماركسية تتكامل ولا تتناقض

فلو تأملنا طرح فرويد في فكرة الأنا الأدنى التي صاغها فرويد لتصوير الأوجه اللا شعورية من حياة الفرد النفسية والتي دائما تدخل في صراعات عنيفة مع الأفكار المتقبلة بسهولة في عقل كل فرد والتي تأتيه من أسرته ووسطه الاجتماعي المحيط به منذ مولده حتى مماته، وقد قصد بالأنا الأدنى هو ذلك الشعور ومن ثم الفعل التمردي الذي يغمرنا عندما نجد أنفسنا مجبرين على التصرف ضد الذوق السائد أو النظام السلوكي القائم، وهو ما قد يبرره الإنسان بأنه لم يستطع أن يكبح نفسه عن هذا الفعل، وهو ما يتفق مع المادية الجدلية عند ماركس في أن الوعي والشعور والسلوك هم نتاج للوجود الاجتماعي ولا مصدر آخر لهم، ويرى فرويد أن الأنا الأدنى هي الحاجات الغريزية المكبوتة للإنسان والتي تتلخص في الرغبة المطلقة في الحصول على الإشباع المضاد للقيم المجتمعية السائدة ويسيطر على الأنا الأدنى مبدأ الجوع للذة المفقودة التي تتطلب إشباعا مطلقا دون التقيد بالزمان أو المكان، لأن العالم الخارجي لا يعطي الإشباع المرجو من الإنسان

وهو ما تفسره المادية الجدلية وعلمائها بالشعور بالاغتراب نتيجة للقمع الطبقي والمجتمعي، ويرى فرويد أيضا أن نفسية أغلب البالغين قد تكونت وتشكلت في فترة الطفولة حيث التأثر الديالكتيكي بالسلطة الأبوية والتفاعل بين الأنا الأدنى والأنا التي يعرفها فرويد بالأنا المتفاعلة مع الواقع الخارجي.وهو ما تراه الماركسية بشكل جمعي بالنسبة لسيكولوجية الجماهير والأيدلوجية الحاكمة والسائدة.

وعلى صعيد آخر كان تلاقي لا يمكن أن نغفله بين رؤى فريدريك إنجلز وسيجموند فرويد فيما يخص الأساس الجنسي للتاريخ وللمجتمعات البدائية فلقد رأى إنجلز أن التطور المؤسس على الصلات الجنسية كان يسمح بالنمو التقدمي لإنتاجية العمل، فتتجه العلاقات الاقتصادية لتصبح الخاصية المسيطرة على النظام الاجتماعي بما لا يتنافى مع الدور الرئيسي لشكل العوامل الجنسية لتلك المجتمعات كمحرك لتقد النظم الاجتماعية، فتلك الطاقات الغريزية عملت كمحرك يتسامى بتسامي الشكل الاقتصادي لتلك المجتمعات بل أيضا كما رأى فرويد فإنها عملت كمطور للغة ووسائل التعبير فمنذ منشأ اللغة في بدايتها الجنينية كانت وسيلة لمناداة والرفيق الجنسي والتواصل معه والتعبير عن انفعالات تلك العلاقات ولقد كتب فرويد فيما يخص هذا الشأن نقلا ومكملا على ما توصل إليه الكثير من علماء اللغة:

(إن الأصوات الأولى المنطوق بها استخدمت لنقل أفكار وللنداء على الرفيق الجنسي، ولقد صاحب النمو التالي لجذور اللغة تنظيم العمل في الإنسانية البدائية. كانت الأعمال تنجز بطريقة مشتركة مصحوبة بكلمات وعبارات منظومة تتكرر. وهكذا انتقل الاهتمام الجنسي لينصب على العمل. كما لو كان الإنسان البدائي لم يلجأ للعمل إلا عن طريق جعله موازنا وبديلا عن النشاط الجنسي. لذا فإن الكلمة التي تنساب في أثناء العمل الجماعي كان لها معنيان، الأول يعبر عن العمل الجنسي والثاني العمل الإيجابي الشبيه بهذا العمل الجنسي. وشيئا فشيئا أخذت الكلمة تنفصل عن معناها الجنسي لتلتصق نهائيا بالعمل ).

وهذا نفس ما رآه إنجلز أيضا فلقد رأى أن ميكانيكية العمل تقدم مخرجا وملاذا للطاقة الجنسية المتنقلة، ومن ثم طرح مفهومه عن الكبت وعلاقته بشكل المجتمعات. فلقد اتفقت رؤية كل من فرويد وإنجلز أن للكبت دور مهم لتوفير الثبات للمجتمعات وقد كتب فرويد في هذا الشأن: (نعتقد أن الثقافة خلقت تحت دفع ضرورات حيوية على حساب إشباع الغرائز)

وهو نفس ما طرحه فريدريك أنجلز في مقابلته بين نمو ميكانيكية العمل ونهاية الخضوع للجنس.

ويقول فرويد أيضا فيما يخص هذا الأمر متفقا مع فريدريك إنجلز:

(إن الأساس الذي يرتكز عليه المجتمع الإنساني هو في النهاية من طبيعة اقتصادية، ذلك أن المجتمع أمام عجزه عن تقديم وسائل العيش لأعضائه دون عمل، يجد نفسه ملزما بالحد من عدد أعضائه وتحويل طاقتهم من النشاط الجنسي إلى العمل. ونحن هنا أمام الحاجة الحيوية الأبدية التي ولدت مع الإنسان ومازالت مستمرة حتى أيامنا هذه)

أما فيما يخص السلوك البشري ومفهوم الأخلاق والإدراك الديني فهناك العديد من نقاط التلاقي بين علم التحليل النفسي الفرويدي وبين المنهج المادي الجدلي كفلسفة وآلية للبحث العلمي.

أولا الدين: يقيم الدين بطبيعته في المجتمعات الطبقية قواعد سلوكية سائدة عما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون والترهيب بخصوص مالا يجب أن يكون عن طريق التهديد والوعيد بعقاب فوق إنساني، وهناك سؤالين بخصوص الإدراك الجمعي تجيب الأول الفرويدية وتجيب الماركسية على الثاني وهما: لماذا يبحث الكثيرون دائما عن إجابات ميتافيزيقية عن أسئلة مثل طبيعة خالق الكون والجنة والجحيم ويوم الحساب؟ وما هي طبيعة الدور الذي تلعبه تلك الإجابات الميتافيزيقية في التحكم في العلاقات الاجتماعية؟

ترى الماركسية أن الدين انعكاسا فوقيا في عقل ووعي الإنسان تخلقه علاقات ونمط الإنتاج التحتي للمجتمعات ويواجه به الإنسان المعاصر ما هو مجهول من مصيره المسحوق في المجتمعات الطبقية المعاصرة، مثلما كان الإنسان البدائي يواجه مخاطر الطبيعة بفرض وجود قوى فوق بشرية تتحكم في واقعه ويسعى إلى استرضاء هذه القوى من أجل سلامته وأمانه، ويقول فريدريك إنجلز في هذا الأمر:

(كل دين ما هو إلا انعكاس خيالي في عقل الإنسان للقوى الخارجية التي تسيطر على وجوده اليومي، انعكاس تأخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى غير أرضية… ولكن سرعان ما تدخل قوى اجتماعية إلى جانب القوى الطبيعية لتقف في وجه الإنسان وتبدو بنفس الغرابة ونفس الغموض وتسيطر بنفس الضرورة التي تبدو بها سيطرة قوى الطبيعة ذاتها ومن هنا تجد الشخصيات الخيالية التي لم تكن تعكس في البداية إلى قوى الطبيعة الغامضة، تجد سندا اجتماعيا فتصبح ممثلة لقوى تاريخية… رأينا في مناسبات عديدة كيف أن الإنسان في المجتمع البرجوازي المعاصر خاضع لعلاقات اقتصادية من صنع الإنسان نفسه ولوسائل إنتاج ناتجة بدورها عن الإنسان كما لو كانت نابعة من قوى غريبة. فالأساس الواقعي للنشاط الانعكاسي الديني موجود إذن ومعه الانعكاس الديني نفسه )

هذا هو تفسير انجلز للطابع الانعكاسي الجمعي للدين لكننا لا يمكننا تجاهل البحث في تفسير النشاط النفسي الذاتي للدين بمزيد من التدقيق وهو ما يميزه فرويد بثلاثة عوامل مشتركة للإدراك الديني للإنسان. أولا يرى فرويد أن الدين يحتوى على تصوير ميتافيزيقي ما لأصل العالم وهو سؤال راسخ في لا وعي الإنسان لا ينتهي، ثانيا تأثير الدين في مواساة الإنسان وتعويضه له عن الواقع القمعي في ظل المجتمعات المعاصرة وأخذه بعيدا في ملاذات تأمنه نفسيا أو تطمئنه طمأنه زائفة نحو مستقبله، ثالثا تنشيط شهوة الإنسان نحو الخلود وإبعاد فكرة الذهاب للعدم بعد الموت وهو ما يمثل واقع راسخ وحائر داخل الذات النفسية للإنسان.

فإذا ربطنا بين الماركسية والفرويدية في تلك المسألة فسنجدهما متكاملتين مع حفظ خصوصية كل منهما كنظرية اجتماعية اقتصادية وكنظرية في التحليل النفسي فهما يتفقان بأن العجز الذي يقود إلى الحاجة إلى الدين يخلق الحاجة لصناعة قوانين فوق طبيعية أو فوق بشرية لمواجهة صعوبات الواقع اليومي الخارجي وأن هذا العجز هو تكرار لتبعية الطفل الجاهل لطبيعة العالم لوالده وأقصد بالوالد هنا السلطة بكل أشكالها، فالطفل يرى الوالد هو الخالق الحامي الواهب الخارق وحين يكبر ويتكون وعيه يكتشف أن والده لا يملك تلك الصفات الخارقة فيبحث عن حماية ميتافيزيقية خارقة في خياله ويتم الإسقاط الدائم لصورة الأب على العالم الخارجي في بحث دائم عن مقتدر خارق، فالانعكاس الخيالي في عقل الإنسان لهذه الحاجات والقوى يقود الإنسان إلى إسقاط الأنا الأعلى ثم يلجأ إليه طالبا الحماية من الواقع الاجتماعي الظالم. ويرى فرويد أن الدين محاولة للسيطرة على الواقع الخارجي بمساعدة عالم مثالي وهو نفس منطلق كارل ماركس حين يقول:

(الدين هو التنهد، تنهد كائن محمل بالمشاغل، إنه قلب عالم لا قلب له، إنه روح ظروف معينة ولكن هذه الحياة مجردة من هذه الظروف). فالدين في الفرويدية والماركسية ينتسب إلى الطفولة، طفولة الإنسان الفرد وطفولة الجنس البشري. أما في علاقة فكر الإنسان بوجوده الاجتماعي والطبقي فقد كان هناك تلاقي جذري ما بين المادية الجدلية والفرويدية. يقول ماركس في كتابه نقد الاقتصاد السياسي:

(إن الهيكل الاقتصادي هو الأساس الحقيقي للمجتمع يشيد عليه بناء أو هيكل علوي قانوني وسياسي يقابل بعض الأشكال المحددة للضمير الاجتماعي. إن طرق الإنتاج للحياة المادية تؤثر في سير الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية.ليس ضمير الآدميين هو الذي يحدد وجودهم بالعكس إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد ضميرهم. ففي مرحلة معينة من مراحل النمو،تدخل القوى المادية للإنتاج في المجتمع في صراع مع علاقات الإنتاج أو تدخل في صراع مع علاقات الملكية التي تحكمت في طريقة سيرها السابقة. هذه العلاقات التي كانت في مرحلة سابقة التعبير عن نمو قوى الإنتاج،تصبح عائقا لهذا النمو. لذا تبدأ فترة ثورة اجتماعية ويؤدي تغير الأساس الاقتصادي إلى تغيير محدود في مجموع الهيكل العلوي الواسع. عند دراسة هذه التحولات، يجب ألا ننسى التمييز بين التحولات المادية للظروف الاقتصادية للإنتاج، التي يمكن تحديدها بنفس دقة تحديد أي علم فيزيائي، والتعبيرات القانونية والسياسية والدينية والفنية، والفلسفة، أي الإفصاح العقائدي (الأيدلوجي) الذي بواسطته يصبح الناس واعيين بهذا الصراع ويبدءون في حصاره والتخفيف منه)

أي أنه يجب الوصول إلى مستوى وشكل معين في الإنتاج المادي قبل أن تتمكن الحياة الثقافية من أن تأخذ طريقها إلى النمو وفقا لنمط هذا الإنتاج المادي أي أن الوجهة الثقافية في المجتمعات الطبقية تتحدد بواسطة الوجهة المادية للإنتاج طبقا لمصالح الطبقة المسيطرة فتتقدم المصالح والأفكار السائدة الخاصة بتلك الطبقة على أنها المصالح العامة للمجتمع وهو ما يطابق ما اكتشفه فرويد بالنسبة لفكرته عن الأنا الأعلى للنفس الذاتية وهو ما يطابق ما طرحه ماركس حول العلاقات الاجتماعية والطبقية والثقافية للمجتمع بأسره طبقا لنمط وعلاقات إنتاجه المادية، فيرى فرويد أن الأنا هو ذلك الجزء من الأنا الأدنى الذي يعدل ويشكل باحتكاكه بالعالم الخارجي أي يشكله وجوده الاجتماعي وهو ذلك الوجود الذي يعكس واقع اقتصادي واجتماعي أي أن تلك الأنا الأدنى تعكس واقعها وتسعى جاهدة لتحقيق وتحديد متطلباتها وحاجاتها طبقا لوجودها واحتكاكها الاجتماعي وتصنفها لتتفق مع واقعها الاجتماعي. لكن الفرويديون يتعمقون في هذا الأمر أكثر وأكثر لكونهم محللين نفسانيين وليسوا علماء اجتماع ومن الخطأ التعامل معهم كعلماء اجتماع. فيبحثون وفقا لنظريتهم في التحليل النفسي التي لا تتعارض بل تتكامل مع التفكير المادي الجدلي والنظرية الماركسية نحو أن العلاقة بين الأنا الشعوري والعالم الاقتصادي الخارجي ليست في اتجاه واحد، وأن الأمر لا يتعلق بصلة سلبية للأنا في مواجهة العالم الخارجي لكن بصلة أن الأنا يبحث دائما عن وسائل للتعبير عن دوافع الأنا الأدنى، أي أن الأنا في مواجهة الأنا الأدنى تسعى لإعادة تشكيل هذا الواقع ليخدم أهداف وحاجات الأنى الادنى، وهذا ما تؤكده الماركسية في طرحها بأن الواقع الاجتماعي يحدد الضميري، وتؤكد أيضا الفرويدية أن ما هو صحيح بالنسبة للنفس الفردية في علاقاتها بالعالم يبدو صحيحا على مستوى أكبر أي مستوى الكتل والطبقات الاجتماعية، أي أن الطبقة المسيطرة تبرر مصالحها بهدف جعلها مصالح المجتمع بأكمله وتشيد هيكلا أيدلوجيا معقدا من الحجج الفلسفية والدينية والسياسية يبرر امتيازاتها واحتفاظها بالسلطة وهو نفس ما يحدث في مفهوم العلاقة بين الأنا والأنا الأدنى عند فرويد.

وفي منحى آخر هناك ترابط جذري بين علم التحليل النفسي الفرويدي وبين الماركسية فيما يخص المادية الديالكتيكية التي ترتكز على الطبيعة المتغيرة للواقع ويقول إنجلز في هذا الأمر:

(كل الطبيعة ابتداء من أصغر شيء إلى أكبر شيء… من حبة الرمل إلى الشمس… يتطور بهدف أن يكون وأن يكف أن يكون، أن يوجد وأن يكف عن الوجود، فهو في حالة تغيير مستديم، في حالة حركة، في حالة تغير مستمر……….. ولا يوجد شيء يمكن فهمه منفصلا. يجب أن يدرس كل شيء في علاقته بالأشياء الأخرى )

نعم، فأهم مبدأ من مبادئ الفلسفة المادية الجدلية هو رؤية الأشياء من وجهها المتغير بالنسبة للأشياء الأخرى، أما بالنسبة للتحليل النفسي الفرويدي فهو يصف لنا الحياة العقلية الداخلية باعتبارها أثرا وانعكاسا يجمع القوى الملحة والقوى المكبوتة والصراع باعتباره عاملا ديناميكيا محركا للنفس البشرية ذلك الصراع ا الذي يكمن مصدره في الوجود الاجتماعي، ويرى التحليل النفسي الفرويدي الحياة النفسية وحدة للقوى المتناقضة تتكون من عناصر شعورية وأخرى غير شعورية يؤدي تداخلها ومن ثم صراعها إلى توليد التنوع المستمر في الفكر والمشاعر الإنسانية، فكل الرؤى الفرويدية عن الأنا الأدنى والأنا الأعلى والعالم الخارجي أي الوجود الاجتماعي تنطلق من منطلق ديالكتيكي، فالأنا الأدنى تتحول ميولها إلى النقيض عبر الصراع النفسي الداخلي وكذلك الأنا نتيجة الصراع مع العالم الخارجي أي الوجود الاجتماعي، الأنا معقول يتضاد معه الأنا الأدنى غير المعقول، والأنا منطقي والأنا الأدنى غير منطقي، والإشباع الذي يسعى إليه الأنا الأدنى يرتكز على مبدأ اللذة وكل يستقي وجوده من الوجود الاجتماعي وتناقضاته خالقين صورة لتطور كمي متغير دائما يصل دائما إلى التطور الكيفي فينتج الفعل، وهذا هو المبدأ الرئيسي للمادية الجدلية الماركسية.

وبالنسبة للغرائز في الرؤية الفرويدية تتمثل الأنا من توافق بين الغرائز المتناقضة (غريزة الحياة ممثلة في أيروس – غريزة الهدم والموت ممثلة في ثاناتوس) فتبحث غريزة الموت لإعادة حالة اللا حركة والموت بينما تميل غريزة الحياة إلى بناء وحماية الوضع القائم بكل قواها، ذلك الصراع بين الميكانيكيات البناءة والهدامة هو الذي يخلق الحياة النفسية في نظر فرويد وهو ما عبر عنه إنجلز في صورة أخرى بقوله: (كل كائن عضوي، في كل لحظة، هو نفسه وهو ليس لنفسه، في كل لحظة يجمع مواد غريبة ويبعد مواد أخرى، في كل لحظة تذبل خلايا الجسم وتتكون خلايا أخرى)

أما فيما يخص رؤية فرويد عن الكبت، فيرى فرويد الكبت أنه يمثل ميكانيكية فكرية ينتجها صراع الواقع مع إلحاح الأنا الأدنى، فيعوق الكبت الميول اللا شعورية حتى لا تتحول إلى أشكال من السلوك الشعوري الذي يمثل تحولا كيفيا لميول الأنا الأدنى حين يصل الكبت إلى نقطة تركيز حاسمة وهو ما وصفه فرويد كالتالي: (لا شك أنكم لاحظتم أنني قد أدخلت في تسلسل اقتصاص الأسباب عاملا جديدا هو الكم، أي مقدار الطاقات محل الاعتبار، وهنا عامل يجب أن نحسب حسابه، فالتحليل الكيفي البحت لشروط اقتصاص الأسباب ليس مبالغا فيه.. يجب أن نقول إن الصراع بين الميول لا ينفجر إلا ابتداء من لحظة تصل فيها الكثافة إلى مستوى معين.. لا يقل أهمية عن ذلك العامل الكمي من وجهة نظر مقاومة الإصابات العصابية. كل شيء يعتمد على كمية الليبيدو غير المستخدمة التي يكنها الشخص في حالة معلقة والكسر والليبيدو التي يمكن تحويلها عن الطريق الجنسي لتتجه نحو التسامي) وهي نفس آلية الحركة في المادية الجدلية الماركسية.

وبالنسبة لرؤية فرويد للأحلام فهي رؤية مادية ديالكتيكية بحتة على عكس ما يدعي البعض، فيرى فرويد في الأحلام أنها تحوي الرغبات المكبوتة التي تجد وسيلة للتعبير عن نفسها في عالم الأحلام وهي ما تقمعه الحياة اليقظة، وبهذا فالحلم هو نقيض والحياة اليقظة الذي يكون التفكير فيها عاما، وتتشكل الأفكار بواسطة التجريد المستقى من الواقع الذي يفهم بطريقة مجردة بينما في الحلم تأخذ الأفكار المجردة شكلا واقعيا واضحا،

وقد كتب فرويد في هذا الأمر وقال: (إن احد التأكيدات المثيرة للعجب هي تلك المتعلقة بالطريقة التي تتم بها صياغة المتضادات الموجودة داخل حلم كامن….. فالمتناقضات تعالج بنفس الطريقة التي تعالج بها المتشابهات ويفضل التعبير عنها بواسطة نفس العنصر الظاهر.. وهكذا فإن عنصرا من عناصر الحلم الظاهر الذي له نقيض يمكن أن يعني نفسه كما يمكن أن يعني بنقيضه كما يمكن أن يعنيهما معا)

وفي نهاية هذا المقال أود أن أوضح أن تجاهل إدراك العلاقة التكاملية بين المادية الجدلية الماركسية وبين علم التحليل النفسي الفرويدي يقود إلى مسارات خاطئة مثلما حدث في التطبيق الستاليني الشمولي الجاف واللا عقلاني للمادية الجدلية، وكان أحد الأسباب للسقوط التدريجي للاتحاد السوفيتي ومثلما يحدث من بعض المحللين الذين يتناولون الفرويدية بمنظور مثالي خاطئ ينفي ترابطها مع كل العلوم ويعطيها الصفة المثالية الذاتية الخاطئة والتي لا تمت لها بصلة وتعزل التصور عن النفسية البشرية عن مضمونه الاجتماعي.







اخر الافلام

.. شاهد: مئات المتظاهرين يطالبون ميركل بمغادرة مدينتهم


.. حركة نداء تونس..محاولة لرأب الصدع


.. 7 BONUS Kshama Sawant at Socialism 2018




.. إدانة مسؤولين سابقين اثنين من الخمير الحمر في كمبوديا بالإبا


.. المؤبد لأكبر زعيمين من الخمير الحمر بتهمة -الإبادة-