الحوار المتمدن - موبايل



صورة من التدني الفكري في المراكز البحثية.. مجلة(المحقق) انموذجاً

عبد الرضا عوض

2018 / 10 / 28
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


صدر عن مركز العلامة الحلي في الحلة ، عدد جديد من مجلة (المحقق) العدد (4) /المجلد الثالث ،السنة الثالثة ، بطبعة انيقة راقية ، وإذ نبارك لإدارة المركز هذا الإنجاز ، لا بدَّ لنا أن نشير الى أهمية الدقة فيما يدون في المجلات المحكمة ، فقد أهدى لي مشكوراً الشيخ عقيل الكرعاوي مدير مركز العلامة الحلي في الحلة نسخة من المجلة وطلب مني الرأي في موضوعاتها ، وحاولت أن أنأى بنفسي عن الخوض في مثل هذه الترهات لكن الواجب العلمي افضى عليَّ أن أقول ما هو مناسب .
بعد تصفحها وجدت من المناسب ان أتناول ما كتبه السيد محمد باقر ملكيان من مدينة قم المقدسة عن (علم الرجال في مدرسة الحلة) ، فقد شغل الموضوع (50) صفحة من المجلة 87-136 بعنوان (جهود مدرسة الحلة العلمية في علم الرجال (ق1)) ، وآسفت كثيراً عن معاناة مؤسساتنا العلمية !!، فقد سبق ان كتبنا عن اصدار جامعة بابل (المحور الشعري) الصادر عن مركز الدراسات الحضارية والتاريخية جامعة بابل بداية عام 2017م ؛ وما حدث في موضوع (مدرسة الحلة وعلماؤها) الصادر عن مركز تراث الحلة التابع الى العتبة العباسية المقدسة حيث خيب آمالنا في مستواه الفكري والعلمي ، وفي تقدير العديد من الباحثين والنقاد أن أهم سبب لحدوث مثل هذا الانحدار الفكري هو (المحاباة) و(المجاملة النفعية) و(اظهار المولاة) ، ويكون ذلك على حساب سمعة ومكانة المركز ، وهذا مؤشر خطير يجب التوقف عنده والتصدي له بشجاعة والتعاون مع كل المستويات لغرض تصحيح المسيرة العلمية وأرجاعها الى جادتها جهد الإمكان.
فمجلة مثل (المحقق) علمية ، محكمة، لها هيأة استشارية من كبار الأساتذة جلهم لا يعرفون شيئاً عنها ، وهيأة تحرير منتخبة ؛ فهي تابعة لمركز دراسات يرتبط ادارياً ومالياً وعقائدياً بالعتبة الحسينية المقدسة من المستحسن ان تعرض موضوعاتها على هيأة علمية قبل النشر – واعتقد انها موجودة فعلاً- وفق ما معمول به في المؤسسات الرصينة المعتمدة إذ تمر بمراحل عديدة تخضع الى مراجعة وتنقية من الشوائب مضافاً اليها الشيء المفيد ، بل كان على المركز أن يُسكت الأصوات التي تنبعث من هنا وهناك والتي تقلل من أهميته وذلك بإخراج عمل افضل من الذي سنتناوله كأن يكون نابعاً من قلب المركز بدلاً من استكتاب الأخرين من خارج الحدود مقابل ثمن وهو جزء من ظاهرة تبديد الأموال ، فالمركز فيه بما يكفي من الكوادر العلمية.
وبنظرة سريعة على ما جاء في موضوع (جهود مدرسة الحلة العلمية في علم الرجال...) ، نبين مايلي:
1- كان على الكاتب ان يفرز بين علم الرجال ، وعلم التراجم ، فعلم الرجال يُعد من العلوم التي أسسها المسلمون؛ للتعرف على رواة آثار الرسول  والأئمة (عليهم السلام) من بعده ، حتى يصح الركون إليها في مجال العمل والعقيدة ، ولولا لزوم التعرف عليها في ذاك المجال لم يؤسس ولم يُدون ، ويبحث علم الرجال عن سند الحديث والدراية عن متنها ، وبذلك يفترق كل عن الآخر ، افتراق كل علم عن العلم الآخر بموضوعاته(1) ، وهناك ضوابط كلية وقواعد عامة ينتفع منها المستنبط في استنباطه وعند مراجعته إلى الكتب الرجالية ، وتوجب بصيرة وافرة للعالم الرجالي ، وقد سطرها الرجاليون في مقدمات كتبهم .(2)
أما علم التراجم ، فهو التعرف على أحوال الأشخاص والأحداث التي مروا بها ، لا من حيث الوثاقة والضعف ، بل من حيث دورهم في حقل العلم والأدب والفن والصناعة وفي مجال السياسة والاجتماع ، وتأثيره في الأحداث والوقائع ، إلى غير ذلك مما يطلب من علم التراجم.(3)
وقد خلط السيد ملكيان علينا الأمر فأورد ما مدون في علم الرجال مخلوطاً بما دون من تراجم وأحداث، ثم جاء علينا بالكتب النسبية العشائرية ، وجعل له (ثلاثة أمور):
- الأمر الأول:الرجاليون من علماء الحلة ، واستغرق اربع صفحات ،أورد فيها (17) رجالياً وفق تصنيفه.!
- الأمر الثاني:مصنفات الحليين الرجالية ، استغرق صفحتين فقط ، وجاء لنا بـ(31) مصنفاً ، بعضها لايمت الى علم الرجال ولا التراجم ولا الى الفهرسة بصلة.!
- الأمر الثالث:أورد أهم مصنفات الحليين واشهرها وأورد لنا ستة كتب رجالية لأعلام الحلة واستغرق (40) صفحةّ في قسمه الأول!!؟ وقد يطول ليصل الى القسم الثاني.!
وهذه العناوين الفرعية أو (الأوامر) كما بوبها الكاتب تدور في فلك واحد وأسهب وبذل جهداً فيما لا جدوى منه.!
2- كان على الكاتب ان يحدد عهد مدرسة الحلة (من والى) ، فقد خلط علينا المعاصر بالقديم ،حينما ذكر اعلام من القرن السادس الهجري ثم اردفهم بأعلام القرن الرابع عشر الهجري، والمعروف ان مدرسة الحلة بدأت سنة 562هـ بحضور ابن شهريار الى الحلة ، واستمرت الى وفاة الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي عام 951هـ ، بعدها أصبح المركز العلمي في مدينة النجف الأشرف على عهد المقدس الأردبيلي (ت993هـ).(4)
3- يبدأ الكاتب بتعريف علم الرجال،ص90 مستشهداً بقول الملا علي الكني (ت1306هـ)،فقال: (علم الرجال : انه ما وضع [إلاّ] لتشخيص رواة الحديث ذاتاً ووصفاً ومدحاً وقدحاً)، وهذا تشخيص جيد لعلم الرجال ، وأكد ذلك السيد علي البروجردي (ت1313هـ) ، في كتابه: (طراف المقال في معرفة علم الرجال) ،(5) لكن كيف تسنى للكاتب ان يضع كتاب السيد محمد مهدي القزويني (ت1300هـ) (أسماء القبائل والعشائر) مع كتب الرجال،ص94 ، وهذا الكتاب لا علاقة له من قريب أو بعيد بعلم الرجال وقد حققه الدكتور كامل سلمان الجبوري، وأعاد تحقيقه الدكتور علي عباس الأعرجي التدريسي في جامعة الكوفة سنة 2017م ، وهذا الخلط يحدث اضطراباً في تبويبات بقية العلوم.!!
5- إنَّ أول من تطرق الى علم الرجال في الحلة هو الشيخ علي بن حمزة بن محمد بن شهريار ، إذ ذُكر انه أنجز نسخ وتعليق على كتاب الشيخ الطوسي (اختيار معرفة الرجال) للكشي في الحلة سنة 562هـ /1167م ، وعد المؤرخون ان انتقال ابن شهريار الى الحلة وبقاءه فيها حتى وفاته سنة 573هـ هي السبب الرئيس لإنتقال المرجعية الدينية الى الحلة ثم انتقالها الى الشيخ محمد بن إدريس (ت598هـ). وهذا مالم يتطرق اليه الكاتب.!(6)
6- حسب ما ذكره الكاتب انه أورد ما جاء به أغا بزرك الطهراني ولم يرجع الى الاستدراكات التي حصلت فيما بعد ، ولا الى لب الموضوع ومن ضمنها مخطوطة السيد فاضل كمال الدين الموسومة(نشر الخزامى في معرفة علماء الحلة القدامى)، التي اخرجها الى الوجود بجزئها الأول حفيده السيد هادي كمال الدين بكتاب مطبوع سنة 1962م ، حمل عنوان (فقهاء الفيحاء أو تطور الحركة الفكرية في الحلة)، وتناولنا الجزء الثاني دراسة وتحقيق وقد طبع ايضاً وصدر عن دار الفرات في الحلة مؤخراً(7).
7- ورد في الأمر الثالث ص96 ، تحت عنوان (أهم مصنفات الحليين الرجالية وأشهرها) وهي فعلاً الكتب الرجالية الصرفة لمدرسة الحلة ،لكنه راح يعدد النسخ المخطوطة في المكتبات مستغلاً الصفحات من 113-127 ، وهذا أمر لا علاقة له بالعنوان الأصل ، ويعُد من باب الحشو ، فالموضوع ليس جرداً ولا فهرسةً للمخطوطات وإنما الكلام ينصب على تطور علم الرجال.(8)
8- ص93 ، فقرة(12) علي بن الحسين بن عوض ذكر وفاته سنة (1355هـ) والصحيح (1325هـ)،(9) وهذا من المتأخرين ؛ والشيخ عبد الحسين قاسم هليل الحلي(ت1375هـ) من المتأخرين ايضاً ، وهما من اعلام القرن الرابع عشر الهجري ، وعملهما لايدخل ضمن مصنفات علم الرجال وإنما ضمن التراجم والسير ، والفرق بين الأثنان واضح.
9- ص95 فقرة (9) أورد الكاتب كتاب: (تراجم جمٌ غفير من علماء الحلة)، ولا نعرف ما هو (الجم الغفير)؟؟ ، فالرسالة مخطوطة صغيرة لاتتجاوز (15) صفحة وبحوزتنا نسخة منها حققها الأستاذ حيدر عبد الرسول عوض سنة 2014م ، ونشرت عن طريق العتبة العباسية المقدسة سنة 2014م ، وفيها تراجم لخمسة شعراء فقط ، هم: صالح الكواز ، حمادي الكواز ، محمد الملا ، محمد التبريزي ،وومضة من حياة المصنف علي عوض.!!!(10) ، وهذا العمل لايدخل ضمن علم الرجال الذي اشير اليه في ص90 وفق رأي العلماء ومنهم السيد علي الكني الذي استشهد به الكاتب.
10- ص95 الفقرة (10) أورد الكاتب (كتاب السيد داود بن سليمان(ت1232هـ)) وعده من الكتب الرجالية ، ونقول : هو من كتب التراجم أو الأنساب والمخطوطة مستلة من كتاب الحصون المنيعة للشيخ علي كاشف الغطاء ، وقد صدر عن دار التراث في النجف الأشرف سنة 1435هـ بتحقيق الدكتور مضر سليمان الحلي ، وعلى صيغة مثل هذا المنجز هناك العشرات ، مثل كتاب (العقد المفصل في قبيلة المجد المؤثل) للسيد حيدر الحلي(ت1304هـ)، وهو من تحقيق الدكتور مضر الحلي ايضاً ، وغيرها من المدونات.(11)
11-ص96 الفقرة(21) اورد مخطوطة (نهاية الآمال) للسيد محمد رضا الاستربادي(ت1346هـ) وهذه ارجوزة نسبية الأفضل ان تكون ضمن محور الأدب ، لا علاقة لها بعلم الرجال.
نتمنى ان يطلع الكاتب بصدر رحب على ملاحظاتنا هذه والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآل بيته الطاهرين..

الهوامش:
(1) حسن الحكيم ، الشيخ الطوسي :372 0
(2) حسين0 الشاكري ، تدوين الحديث وتاريخ الفقه ، مطبعة ستاره، قم ، 1418 :45 .
(3) كليات في علم الرجال ، جعفر سبحاني :16 0
(4) حازم سليمان الحلي ، الحلة وأثرها العلمي والأدبي:33 .
(5) علي البروجردي ، طرائف المقال، تحقيق مهدي الرجائي: 35 .
(6) أغا بزرك الطهراني ، طبقات أعلام الشيعة : / القرن السادس : 89 ؛ ماضي النجف وحاضرها :2/105 ؛ حسن الحكيم ، المفصل في تاريخ النجف :4/72 ؛ عبد الرضا عوض ، الحوزة العلمية في الحلة :20 .
(7) هادي كمال الدين ، فقهاء الفيحاء ، 1/34 .
(8) أحمد كاظم الأكوش ، علم الرجال الشيعي وأثره في تمزيق حديث أهل البيت (ع) ، دار الانتشار العربي ، بيروت ، 2014م:25 .
(9) جواد عبد الكاظم محسن ، الشيخ علي عوض الحلي حياته وأدبه:43 .
(10) حيدر عبد الرسول، تراجم بعض شعراء الحلة ،منشورات العتبة العباسية المقدسة ، كربلاء ،2014هـ :22 .
(11) مضر سليمان الحلي ، السيد داود بن سليمان الكبير وكتابه (ت1232هـ) ، دار التراث ، النجف الأشرف ،1435هـ :20 .

المصادر

- أحمد كاظم الأكوش ، علم الرجال الشيعي وأثره في تمزيق حديث أهل البيت (ع) ، دار الانتشار العربي ، بيروت ، 2014م .
- أغا بزرك الطهراني ، طبقات أعلام الشيعة : / القرن السادس ، إحياء الداثر من القرن العاشر، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 2009م .
- جعفر باقر محبوبة (ت1377هـ) ، ماضي النجف وحاضرها، المطبعة العلمية ، النجف الأشرف، 1955م0
- جعفر سبحاني ، كليات في علم الرجال ، مؤسسة الصادق (ع) ، قم ، 1437هـ.
- جواد عبد الكاظم محسن ، الشيخ علي عوض الحلي حياته وأدبه ، مكتب الدباغ ، بغداد ، 2002م .
- حازم سليمان الحلي ، الحلة وأثرها العلمي والأدبي ، المكتبة التخصصية التاريخية ، قم ، 1432هـ .
- حسن الحكيم ، الشيخ الطوسي ابو جعفر محمد بن الحسن (385-460هـ) مطبعة الآداب ، النجف الأشرف ، 1395هـ/ 1975م 0
- حسن الحكيم ، المفصل في تاريخ النجف ، المطبعة الحيدرية ، قم ، 1428هـ .
- حسن الحكيم ،مذاهب الإسلاميين في علوم الحديث ، المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف ، 2010م 0
- حسين الشاكري ، تدوين الحديث وتاريخ الفقه ، مطبعة ستاره، قم ، 1418 0
- حيدر عبد الرسول، تراجم بعض شعراء الحلة ،منشورات العتبة العباسية المقدسة ، كربلاء ،2014هـ :22 .
- عبد الرضا عوض ، الحوزة العلمية في الحلة ، دار الفرات للثقافة والإعلام ، الحلة ،2013م .
- علي البروجردي (ت1313هـ)، طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال، تحقيق مهدي الرجائي ،مكتبة المرعشي ، قم المقدسة ، 1410هـ .
- مضر سليمان الحلي ، السيد داود بن سليمان الكبير وكتابه (ت1232هـ) ، دار التراث ، النجف الأشرف ،1435هـ .
- هادي كمال الدين ، فقهاء الفيحاء ج1 ، مطبعة المعارف ، بغداد ، 1962م .







اخر الافلام

.. مرا?ة الصحافة الا?ولى 2018/11/17


.. كاميرا -يورونيوز- تسجّل صوراً مؤلمة لأزمة السكن في روسيا…


.. 1000 مفقود جراء حرائق الغابات في كاليفورنيا




.. 1000 مفقود جراء حرائق الغابات في كاليفورنيا


.. رئيس أمازون: شركتنا ستعلن إفلاسها يوما ما