الحوار المتمدن - موبايل



الجنس ودوره في حياة الإنسان ج8

عباس علي العلي

2018 / 11 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الجنس المقدس

من التراث الإنساني والذي تطور من مفهوم المقدس الديني إلى مفهوم المقدس الأخلاقي ثم المقدس التنظيمي الضروري تطورت النظره التقديرية للجنس من كونه محدد فوقي إلى كونية المحدد الواقعي، لا نقول أن الجنس في اول معرفة الإنسان به كان في دائرة القداسة ولكنه جعل بعض أوجه المفهوم بهذا الوصف بأعتقاده أن ذلك من أسباب رضا السماء وقواها عنه، حتى أنه جعل ذلك في دائرة الوجوب العبادي، وظهرت مفاهيم وصور متعددة للتعبير عن هذه الفكرة وتجسيدها.
في الأساطير القديمة كان موضوع الجنس والعلاقات التي نشأت عنه محور حركة الألهة وصراع بيني بينها لغرض أما لضبط حركة الوجود أو لتبرير بعض التحولات أو القرارات التي غيرت مجرى الوجود بحسب ما جاءت في النصوص الأسطورية، حتى في قضية آدم والخليقة كان محور العلاقة جنسية أبتداء حين أشار النص من خلال التعبير أو اللفظ (زوجك) إلى تلك القداسة، وإن كانت في الحقيقة تؤشر معنى الجنسانية أو التصنيف النوعي أكثر مما تشير لفحوى كلمة زوجك بمعنى المقارنة والمصاحبة، فمثلا نجد في الأساطير العراقية القديمة ما يؤكد أن الجنس كعبادة أو وجه من وجوهه كان واحدة من وسائل التقرب أو التعبد الديني الذي يمنح البركة أو يجلب الرضا الألهوي لشعب المعبد *.
لم يكن ربط الجنس بالألهة أو بالمعبد أعتباطيا فهو قائمة على فلسفات متعددة التصورات كل منها تذهب لمنحى مختلف في التبرير أو التجسيد، لذلك لا يمكن جمع هذه التصورات والرؤى الفكرية تحت صورة واحدة، ولكن يمكن جمعها في أتجاه البحث عن رضا الألهة ومحاولة الدفاع عن الوجود الإنساني ضد الأخطار المحدقة به من خلال (رشة الألهة وتلبية رغباتها الجنسية) فمثلا عندما غزا الفرس روما كانت عاهرات المعبد هن من أقمن الصلوات للألهة كي ينصر شعب روما على الشر القادم من الشرق، والأمثلة كثيرة قد لا تقف عن أداء الصلوات بل أحيانا تصل إلى ما يعرف بالتجسيد والتوحد بين السلطة والألهة في موضوع منح البركة وأختيار أبناء الألهة من صلب الإنسان **.
قد يكون الإنسان القديم الذي أمن بهذه الأفكار وجسدها عن إيمان حقيقي بقدر في ذات الوقت قيمة الجنس كونه محور وجودي أساسي في حياته، لكن المفارقة في نظرتنا نحن الآن لتلك الصور أنه كانت العلة في ذلك ليست إرضاء الألهة أو التفسيرات التي منحت ولكن الحقيقة كما نراها اليوم، أن الفكرة ومؤدياتها ومعطياتها كانت نوعا من الأستغلال السلطوي للمعبد تجاه المؤمنين من خلال زج مفهوم الجنس المقدس لتحقيق منافع شخصية أو مالية أو حتى لتعزيز مفاهيم أستعبادية الغرض منها ربط الإنسان بالمعبد وحصر الأمر تحت سطوته وسلطته وتفسيراته وتعاليمه، لقد بدأ الدين من تلك اللحظات يتدخل وبقوة في رسم الصورة الملغزة للجنس وتأطيرها بموضوع القداسة وتحويل ما هو طبيعي كوني إلى ما هو تحت قانون إشائوي وضعي يقيد مرة ويمنح الإباحة مرة أخرى وفقا لمصلحة المعبد ولبس مصلحة الإنسان ووجوب تحقيق الفرض الوجوبي للجنس في حياته.
في هذا الصدد لا يهمنا دراسة أشكال الجنس المقدس ولا البحث في الصور التي مارستها الشعوب القديمة التي أمنت بالجنس على أنه أحد الرسائل المتبادلة بينها وبين الألهة، بقدر ما نعطي فكرة عامة عن إيمان الإنسان وتصوراته في مراحل تاريخية عن كينونة الجنس، فهي لا تتعدى ثلاثة أنماط رئيسية، الأولى إرضاء الألهة أو طلب المعونة منها، والثانية محاولة كسب الخصوبة أو مواصلة النماء والبقاء من خلال ربط الجنس بما يعرف بالبركة أو التدخل الغيبي لزيادة القدرة على البقاء، والموضوع الثالث وهو الأهم والمقدم كانت الممارسة طريقا سلطويا تشاركت في السلطة الدنيوية والدينية لضمان بقاء القوة والقدرة الماسكة لحركة المجتمع بيد النخبة من خلال مفهوم تداخل العالمين العلوي والسفلي في تنصيب أو خلع رمز السلطة ومفتاحها.
لقد سخر المعبد والدين من الإنسان في كل الأحوال عندما ربط مفهوم الجنس على أنه رغبة من الله لدوام البشريةأو لأن الله منحنا هذه الهبة ولا بد من جزاء للرب يعادل هذه الهبة ويقابلها بالعبادة أو العبودية، في الوقت الذي نجد فيه الكتب الدينية والثقافة التعبدية عموما مليئة بالقصص الجنسية أو بالتعبيرات الرمزية عن قصدية الجنس نؤكد أن هذه الأديان والثقافات التعبدية كانت تخاطب الإنسان وتجذبه من خلال هذه الإيحات العلنية والمبطنة لتعيده دوما إلى دائرة سطوة الكهنوت ورجال الدين وأستغلاله بالسلطة التي أبتدعها المعبد لأعضائه ***.
في الواقع الطبيعي ودون تدخل الدين والمعبد لا يمكن للعلم أن يفسر ما يجري في العالم الوجودي بما يفسره المتدين أو المؤمن ، لسبب بسيط جدا أن العلم يفهم علاقة الجنس بالإنسان من خلال قوانين المادة ومن خلال حقائق الوجود، قد تكون هذه النظرة واحدة من أسباب الشقاق الدائم بين رجال الدين وعموم الفكر الديني مع العلم ونظرياته، لا نريد أن ندخل في نقاشات جانبية حول هذه النقطة بالذات ولكن جل ما نريد أن نقوله أن المزاعم الدينية عن قدسية الجنس وعلاقتها بالألهة أو الرب لم تكن إلا مرحلة أولية من مراحل التطور البشري، وعلى الإنسان المعاصروبعد أن عرف الكثير وأكتشف الأكثر أن يخرج نفسه ومفاهيمه من هذه الدائرة المغلقة، وأن يمنح العقل حرية الفهم بما هو حقيقي بعيدا عن الخيالات والتأملات التي كانت تبرر أكثر من كونها تفسر الحدث والفكرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تشير الموروثات عن حضارات ما بين النهرين، إلى وجود ما يسمى "العاهرات المقدسات" أو "عاهرات المعبد". فأسطورة جلجامش السومرية، تتحدث عن أن مسخاً اسمه أنكيدو كان يهاجم الرعاة والمزارعين، فأراد جلجامش إضعافه، لذا أرسل إليه "عاهرة من معبد الحب" لتروضه بحبها. ومعبد الإلهة العراقية القديمة عشتار كان فيه نساء نذرن أنفسهن للوساطة بين المتعبدين والإلهة، هن "العاهرات المقدسات". فكن يمارسن الجنس مع زوار المعبد الراغبين في التقرب لعشتار، مقابل مبالغ مالية تستخدم في تمويل المعبد. وكانت "العاهرات المقدسات" مقسمات إلى رتب ودرجات، فطبقة "الحريماتو" كن يؤدين "المهمة" لإشباع المتعة الدنيوية عند الزوار، وطبقة "القادشتو" هي العاهرة المقدسة التي تنام مرة واحدة مع الكهنة، أما "العشتارتو" هن المنذورات للآلهة، فلا يقربهن أحد.

**في مصر القديمة، حين ساد معتقد ألوهية، أو نصف ألوهية، السلالة الفرعونية الحاكمة، كانت عملية "تلقيح" الفرعون لزوجته الملكية تجري في ظل معتقد أن من يجامعها حقاً هو الإله نفسه، ليزرع في رحمها النطفة الملكية المقدسة. فكان اعتقادهم أن الإله يتخذ شكل زوجها أو يتحد معه ليمنحها الابن الملكي المنتظر. وفي أوروبا القديمة، كان المتعبدون للإلهة ديانا يكررون تمثيل زواجها المقدس، بأن يقيموا كل عام زواجاً تمثيلياً بين ذكر وأنثى منهما تجديداً لزواج معبودتهم.

***كانت مواقف قدماء العبرانيين من الحياة في وجه عام ومن الجنس طبيعية على الفطرة، وكانت دينية من ناحية قبول الجنس في وصفه من عند الله. واعتبرت أن الله دائما فوق البشرية بطريقة غير تقليدية. فبدلا من أن تنظر إلى الإنسان في وصفه مقياسا لكل الأشياء، صورته هو نفسه في حضرة الإله. كانت الغاية من الاتصال الجنسي عند اليهود وسيلة للحفاظ على النوع. نجد في الدين اليهودي ميتولوجيات جنسية غريبة، من الختان إلى قصة زليخة ويوسف وصولا إلى العبادة القضيبية، وبيّن فيلم قادش ما يكتنف الأصولية اليهودية حيال الجنس. تبدو الأمور معقدة ولا تحتمل، فأنبياء اليهود، على ما تقول الحكايات، لهم فحشهم في النوازع الجنسية. فرح جبر - جريدة النهار - حرر في: Mar 18 2007, 10:17 PM







اخر الافلام

.. سر الغموض المرافق للبحث عن الحقيقة في الفيلم


.. كيف تمزق الصين عائلات الإيغور في شينجيانغ


.. الأخبار الكاذبة.. واللقاحات المضادة لها




.. المغرب: ما احتمال تخفيف الأحكام الصادرة بحق قادة حراك الريف؟


.. لماذا أمر التحالف بقيادة السعودية بوقف الهجوم على الحديدة ال