الحوار المتمدن - موبايل



تأملات فلسفية - 7 -

شادي كسحو

2018 / 11 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع






1- الكتابة بالمدن:
يتأسس المنعطف على المفاجأة، ويتأسس الحقل على الانغلاق، و يتأسس الشارع أو الطريق على الانفتاح، كما تتأسس المتاهة على الضياع. لكل درب حكايته مع المعنى. يحكي الناس من خلال مدنهم وشوارعهم وعماراتهم قصتهم مع العالم. أساليب جلبهم للوجود، وطرق تسخيرهم للطبيعة، وأشكال فهمهم لمسالك الحقيقة. المدن لا تولد، بل تشيد في علاقة خاصة مع الفراغ والسرعة والزمان والمكان. المدن نصوص. إنها حكايات تتكلم وتبوح بمعنى الوجود الذي وصل إليه شعب أو حضارة ما. ثمة إضافة للقلم، والفرشاة، واللوحة، والكتاب، طرق أخرى في كتابة الذات. إنها الكتابة بالمدن، أو التدويين بالشوارع والعمارات والقصور والأنفاق وناطحات السحاب. هذه هي فتنة الكتابة في نص العالم. ثمة متسع أبدي لاختراع وتدوين نصوص لا نهاية لها، وثمة دائماً من لديه القدرة على القراءة والتأويل. قد يكون النص صغيراً بحجم شذرة سيورانية، وقد يكون عملاقاً بحجم فندق بونافانتورا. إن مشيدي المدن هم أيضاً صناع مفاهيم ومجازات.
2- فينومينولوجيا الشارع:
إن الشارع في عمقه الفينومينولوجي والانطولوجي رغبة في التخارج. تمرد على البيت. اعتراف بقيمة الحواس ومعمعان الحركة. ما الذي يعنيه الشارع إذا لم يكن احتفالاً بمتعة العين، واحتفاءاً بحاسة البصر؟..وما الذي يعنيه الشارع إذا لم يكن ضرباً من التمتع بـ الموسيقى التي يخلقها الزحام؟. بل ما الذي يعنيه الشارع إذا لم يكن أفقاً لرغبة منفلتة لا تخضع إلا لمنطق الصدفة المتحللة من كل تحديد؟. يمكن القول: إن الشارع هو منتهى الذات. أصلها وفصلها. لذا ظل النزول إلى الشارع والتماهي مع حركة الناس ممارسة مرموقة حتى في أكثر البيئات انغلاقاً. لا تمارس المعرفة تحت أسقف من الاسمنت المسلح. الشارع. شارع ديوجين أثينا. وحمراء بيروت، ورشيد بغداد، وبالطبع شوارع مجنونة كشوارع نيويورك، تحرر الحواس وتقد من صلابة العقل العقلاني المختبىء وراء متاريس تحجبه عن شجرة الحياة. من يجول بين الناس في الشوارع، فإنه يتحرى انتشاءاً أبدياً. ربما أبالغ في تقديري إذا قلت: الشارع هو الاسم الثاني للحياة وعبره يمكن أن نفهم شباب أمة من هرمها.
3- نفايات وهوامش:
هذا الفحش المسموم غير المفهوم الذي نسميه في كتبنا بالعقل الغربي روح ترتبط بالاستبعاد والتحريف والفشل.
لا أدري كيف نستمتع، بل كيف نبالغ في استمتاعنا، بما يتأسس ماهوياً على تعميق اللا مفكر فيه؟. كيف نباشر التفكير على أرضية فكر قائم على تحويل كل شيء إلى نفايات وهوامش؟. حذف الطارىء، واللا متوقع، والمقصي يحطم إمكانية فعل التفكير نفسه. الوجود المضطرب هو كل ما يتبقى للهوامش المنفية بعيداً..ربما في أحسن الأحوال فسحة لإنتاج ذهن خيالي، أو نهلستي يحول بؤسه الشخصي إلى نظرية في البؤس. أو يطور عدمه الكوميدي إلى نظرية في العدم.
4- حفظ العالم:
تحفظ الكلمات العالم.
تحفظه، كما تحفظ الرمال النار عندما تقوم بخنقه.
5- الفيلسوف والجمهور:
لا يطلب الفيلسوف اعترافاً من جمهور يصفق للشيء ونقيضه في ذات الوقت. تعترف الجموع بشاعر. بسياسي. بصحفي. بروائي يكتب لها ويزيف أو يزوق أوهامها، أما الفيلسوف فيطلب اعترافاً من نوع مختلف كلياً. إنه يطلب الاعتراف من اللغة ذاتها. من سراديبها ودهاليزها وصدوعها وشقوقها اللا مرئية. هناك حيث يقيم الفيلسوف قرب النبع ويصغي لفورانات الصيرورة واندلاعات الكينونة.
6- سوق الفكر السوداء:
أن تنتمي إلى سوق الفكر السوداء حيث الثمن الحقيقي للمعنى. نيتشه، سيوران، باتاي، ميشو، كارل كراوس، بلانشو، بودلير، رامبو، زيميل، أبو حيان التحيدي، وأنا طبعاً.
7- عن الجنس كـ انفصال:
يرمم الحب الاتلاف الناجم عن الإتصال الجنسي..أقول ذلك وأنا علی علم بأن هذا قد يبدو غريباً؛ غريباً لأننا اعتدنا علی النظر للفعل الجنسي كـ " اتصال حاد" في حين أنه "لحظة انفصال قصوی"، تتحری فيه الذات الوصول إلی النشوة عبر عملية اندماج تبدو للوهلة الأولی كأنها عملية اتصال. عبر الحب ننزلق إلی ما وراء أنفسنا، أبعد من تلك "اللحظة الأنوية المزمنة" المميزة للتجربة الجنسية. أما عبر الجنس فنحن نعيش لحظة انفصال جذرية، لأن اللذة التي تُقدم للذات، إنما تتم عبر توسط الآخر وليس لأجله. وحده الحب ما يشكل نقيض الذات. بكلمات أخری: في الحب فقط، يتخللنا الآخر كـ قيمة في ذاته، وليس كتوسط من أجل لذة، أو متعة، أو شهوة. بكلمة واحدة: نحن لا نمارس الجنس معاً لكننا نحب معاً. أو بطريقة مقلوبة: نحن نحب معاً، ونمارس الجنس كل على حدة.
أنا لا أقول على أية حال: إن الحب قناع للجنس كما كان يدعي شوبنهور علی نحو غريب، بل أقول: إن الآخر في - اللحظة الجنسية - يظل محجوباً عن الكينونة إلی أن يأتي الحب فيعوض ذاك الاتصال الزائف الذي ندعوه جنساً. اللذة هي دائما لذتك أنت..شهوتك أنت، حتی لو امتلكت من الدماثة ما يكفي لإرضاء شريكك الآخر. اللذة دائماً هناك. إنها ضرب من التمتع عبر توسط ما، وحده الحب هنا والآن. وهذا ما أدعوه "الحب كـ حدث". إنه حدث event لأنه ليس نتيجة لـ شيء قبله أو بعده. إنه بكلمات أخرى: لا يعمل كـ توسط أو نتيجة، بل يعمل كـ ضرب من "الإتحاف" حيث الوجود هو لقاء دائم بلا تكرار.
الجنس ك انفصال أو الجنس كـ اتصال تم محوه. هو احتفال، وليس مراسم لإبراز الأعضاء التناسلية. السقف التوهمي للجنس اتصالي ويعبر عنه عادة بلغة كيميائية من قبيل: الامتزاج، والاختلاط، حيث الرغبة بجعل الآخر ممرا للمتعة. على النقيض من كل هذا، أعتقد أن الحب يشّفر الجنس، يرمزه، يلغزه، وينقله من نمط الحيواني المتصل، إلی نمط الانساني المنفصل. إنه حرفياً - literally- يقوم بـ تطبيع الجنساني وجعله انسانياً بلا توسط ولا أدنى أداتية.
8- أن تحب لغة:
اللغة مثلنا تمل وتسأم. تضحك وتبكي، تتعب و تذوي، لكنها أبداً لا تموت. أن تحب لغة يعني أن تترجل من سيارة فارهة لتصحيح خطأ بسيط مكتوب علی أحد الجدران في شارع فرعي.
9- المنتصرون في الحرب:
المنتصرون في الحرب ليسوا من يقتلون أكبر قدر من الأشخاص، بل من يغتالون أكبر قدر من الأحلام.
10- الطاغية، السياسي، النبي:
هؤلاء ليسوا أغبياء. بل يعرفون تماماً كيف يأتون في الموعد لتصيد فراغات التاريخ وملیء ثقوب المجتمعات.
كيف تستطيع حفنة قليلة من البشر أن تفعل كل هذا بالعالم؟. الجواب ببساطة: الغباء. لا استفراد في المعنی، أو احتكار للقوة، أو استئثار بالثروة، مالم نتوفر علی كتل مكومة ومكدسة من البشر البليدين بلا حول ولا قوة. قلبوا التاريخ صفحة صفحة فلن تجدوا سوی حفنة من الآلهة وأنصاف الآلهة والساسة والأنبياء والطغاة وتلالاً لا تحصی من شهداء أغبياء.
11- موعد الفجر:
أشعر بلذة عظيمة عندما يقهر الأقوياء الضعفاء. أحب أن أری حزن الضعفاء. ألمهم، بؤسهم، صراخهم، أنينهم، عويلهم. في تلك اللحظة بالذات، أعرف أن الفجر بات وشيكاً.
12- لص الكلمات:
تستطيع أن تسرق الكلمات، لكنك لا تستطيع أن تسرق القلق الكامن وراء تدفقها.
13- بدون كاتالوك:
يولد الإنسان حرا، بدون (كاتلوك) أو تعليمات مرفقة عن طريقة الاستخدام.
14- وقاحة البرهان:
البرهان أيضاً جريمة. لكنه قتل بطريقة أنيقة، إعدام بدون دم.







اخر الافلام

.. لبنان: مصالحة تاريخية بين جعجع وفرنجية خصمي الحرب الأهلية


.. سفيان جيلالي عن استقالة ولد عباس: دخلنا في مرحلة انهيار النظ


.. وزير المالية اللبناني يعلن استنفاد احتياطي الموازنة بشكل كام




.. محمد البخيتي: لا وساطة ولا اتفاق لتسليم ميناء الحديدة


.. إسرائيل: ما هي الأسباب الفعلية الكامنة وراء استقالة ليبرمان؟