الحوار المتمدن - موبايل



حين أخفى تاكاهيرو ذاكرة الرجل المسكين

محمد عبد القادر الفار

2018 / 11 / 2
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هل تتذكر أول مرة رأيت فيها وجه أمك؟

الذاكرة بدأت مبكّراً جداً، بل لعلك حملت إلى اللحظة الحالية شيئاً من ذاكرنك الجنينية، بل والجينية (وهذا مبحث آخر).

الأرشفة التي توائم العالم الظاهر هي ما تجعل البدايات تبدو في طي النسيان، وهي مطوية ولكنها ليست منسية.

أنت لم تنس شيئاً ولن تنسى شيئاً، بل يمكن -بتأمّلٍ ما، وباستدعاءٍ محفّزٍ ما، ومستقبلاً بتقنيات طبيّةٍ ما- أن تستعيد كل شيء. ولكن هل ستحتمل أنت كل ذلك التدفق من المعلومات؟

لقد تحطّم مركز ذاكرة رجلٍ ما إثر ضربة أصابت جمجمته، وظننا جميعاً أن ذاكرته تلاشت، ولكنّنا تفاجأنا، أو على الأقل بعضنا، بما قيل في تلك الحضرة.

. لم يكن بين الحضور رجل متدين واحد. كانت في الحضرة امرأة واحدة فقط، وكانت تقرأ في الثيوصوفيا. قالت لنا بثقة: ذاكرته ليست هنا الآن، ولكنها لم تتلاش. كان ذلك مدعاة سخرية الجميع، خاصة شاب وسيم بين الحضور كان مقيم جراحة أعصاب، ولكنه كان مهذباً في الحقيقة ونصحها أن لا تتمسك بالأوهام. الرجل الفاقد للذاكرة كان يستمع للجميع وكانت لغته سليمة. أصابها شيءٌ ما، ولكنها كانت حاضرة. التفت إليها وقال: أريد أن أبحث عن ذاكرتي. ولكنها حذرته أنه حين يجد ذاكرته فهو لن يتفاعل معها كالسابق، من موقع الذي يخوض الشيء، بل من موقع الشاهد على الشيء. وشبهت الأمر بالاطلاع على محتويات فلاش ميموري.

هناك قاعدة بيانات ما، طبيعته ليست مادية بحيث يصيبها تحول وتلف الإنتروبي. من المغري تصوّر أن لفظ "اللوح المحفوظ" ينطبق عليها. هذه القاعدة تسحب المعلومات أولاً بأول من المادة إلى شيء لا يتحول. كل شيء يتخزن. ولكن إلى متى. هل سعتها غير محدودة؟

ثقة المرأة كانت مستفزة، ولهفة الرجل الفاقد لذاكرته كانت محزنة، وارتياب الطبيب كان محبطاً. فقط لا مبالاة تاكاهيرو كانت مريحة بالنسبة لي. وتاكاهيرو هو ماستر زن، راهب بوذي تقريباً، هو أشبه بنسخة إيجابية من عم ضياء الذي شاهدناه في مسلسل الوصية، فهو متكيّف مع الإنتروبي على نحو مبهج وعجيب.

أما أنا فلم أكن مدعوّاً، بل متطفّلا. ولما كان الطرد من الحضرة ممنوعاً بقانونها، فكان عقابهم لي عدم النظر إلي. تاكاهيرو كان أفضل، فقد ساوى بيني وبين الجميع. ولعل شاعراً يابانياً قال شعرا يحمل نفس كلام الإمام علي حين قال:

إني لأفتحُ عيني حين أفتحها .......على كثيرٍ ولكن لا أرى أحداً

تاكاهيرو كان ينظر إلينا ولكن بصره يتجاوزنا. وبصراحة شككت أن تاكاهيرو كان يعرف مكان ذاكرة الرجل المسكين ويخفي ذلك. ولكنني بالطبع لم أقل شيئاً. فلا أملك أن أكون متطفلاً وفوق ذلك مثيراً للمشاكل.

أيام لحسن الحظ أذكرها وأقاوم أرشفتها.







اخر الافلام

.. موجز أخبار العاشرة 17/11/2018


.. نافذة من واشنطن- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي


.. نافذة من إسطنبول- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي




.. مصرع متظاهرة فرنسية خلال احتجاجات شعبية


.. الإسباني مافريك فيناليس أول المنطلقين في جائزة فالنسيا الكبر