الحوار المتمدن - موبايل



العلاقة بين المثقف والسلطة (1)

طلعت رضوان

2018 / 11 / 3
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


العلاقة بين المثقف والسلطة (1)
طلعت رضوان
أعتقد من أخطرالمُـعوّقات المُـهـدّدة لتقدم وتطورأى مجتمع، خطرأنْ يكون المثقف (أديب أوشاعرأوباحث أومفكرإلخ) قد رضخ لسلطة الحكم..وبالتالى (ضبط) جهازعقله وقدراته على كتابة كل ما يـُـرضى الحاكم، بغض النظرعن تأثيركتاباته على القاعدة العريضة من جماهيرشعبه..وإلى أى مدى ستؤثركتاباته بالسلب على تقدم وطنه وتخلف شعبه.
هذا الخطر(تبعية المثقف للسلطة) شاهدته المجتمعات الإنسانية فى العصور القديمة والعصرالوسيط..ولكنه استفحل بعد اختراع المطبعة وانتشارالصحف والمجلات، ثـمّ الراديو والتليفزيون..إلخ.
وتكون المشكلة أكبرعندما يستغل المثقف موهبته فى ابتزازالحاكم الطاغى المستبد ، فيمدحه عندما يجزل له العطاء..ويهجوه عندما يحرمه من هبات السلطة، ويمنع عنه عطاياها..وكان المثال الشهيرفى التاريخ العربى الشاعرالمُـتنبى، الذى نال إعجاب معظم (المثقفين العرب) والمصريين، بالرغم من سيرته الذاتية مع الحكام..وما شابها من مطاعن أخلاقية، كما ذكرالمُـفكرالسعودى عبدالله القصيمى فى كتابه (العرب ظاهرة صوتية)
المفكرالسعودى عبدالله القصيمى (1907- 1996) سعودى الجنسية. بدأ حياته بالدراسة فى الأزهر، ولكنه لم يستمرطويلا، حيث تـمّ فصله. ويرى بعض من أرّخوا لحياته أنه ترك القاهرة وتوجـّـه إلى لبنان، بعد أنْ أصدركتابه (البروق النجدية) وبعد ذلك عاش مُـتنقلا بين القاهرة ولبنان..وقد هاجمه خصومه واتهموه بالإلحاد..كما أنه تعرّض للاغتيال مرة فى لبنان ومرة فى مصر..وسُـجن فى مصربضغط من الحكومة اليمنية، بحجة أنّ الطلبة اليمنيين التفوا حوله وتأثروا بأفكاره..وقال البعض أنه فى نهاية حياته عكف على قراءة القرآن، بينما صديقه ومرافقه (إبراهيم عبدالرحمن) نفى ذلك وأقرّأنّ القصيمى ظلّ متمسكــًـا بآرائه حتى لحظة وفاته.
والقصيمى له عدة مؤلفات مهمة مثل كتابه (هذه هى الأغلال) الذى قال فيه ((إنّ المسلمين (والعرب) يقفون أمام خياريْن لاثالث لهما: إما أنْ يستفيدوا من التراث العلمى للبشرية، أوأنْ يبقوا متخلفين جهلة..ولكى يتخلــّـصوا من الركود الذى هـُـمْ فيه، عليهم أنْ يعرفوا أنه لاتوجد معرفة ضارة، ولاجهل نافع، وأنّ كل الشرورمصدرها الجهل.
والقصيمى رغم جنسيته السعودية، أى رغم أنه (كما هومُـفترض) رضع من التراث العربى/ الإسلامى، فإنه- عندما أراد التعبيرعن إرادته الحرة- تمرّد على ذاك التراث، ورآه لايصلح للعصرالحديث، بل إنّ نظرته شملتْ الأنبياء واللغة العربية، وخصـّـص لذلك أحد أهم كتبه (العرب ظاهرة صوتية) الصادرعن منشورات الجمل– ط عام 2000.
امتلك المؤلف جرأة الدخول إلى حقول الألغام العروبية/ الإسلامية فنصّ على ((أنه فى كل التاريخ العربى لم يحدث ولن يحدث أنْ يعلومن فوق كل منبرإلاّ الصوت الجاهل أوالمنافق أو الأبله أوالفاجر)) (ص5) والسبب كما يرى أنّ العرب تبنوا إلهًا عربيًا ((وإله العرب لن يجيىء مثل آلهة غيرهم لأنهم– أى العرب– لم يجيئوا مثل غيرهم فى المزايا والنماذج..والإله العربى كالسلطان العربى كالإنسان العربى يُجزى على الهوان والاستسلام له)) (ص8)
وعقلية الطاعة المطلقة التى أدّتْ إلى (أمية العقل) هى التى أنتجتْ الشعرالذى خجلتْ منه المطابع وهى تنشرهذا القبح..وضرب مثالابهذه الأبيات ((وحتى الذباب فوق أنف نبينا / نراه جمالا يُبهرالعقل والقلبا / لأنــّـا رأينا ما اعتقدنا كماله / وصغناه مكتوبًا بأخلاقنا الغضبى/ لذا عزّ من شئنا له العزوحده/ لذا ذلّ من شئنا له الذل والكربا / لذا نال ما يبغى المُطيع لأمرنا / لذا نال من يعصوننا السلب والصلبا)) لهذه الدرجة يُكرّس الشعرللانحطاط الأخلاقى: المُطيع ينال كل ما (يبغى) أى كل ما يتمنى، أما المُختلف (يُسميه الشاعر(العاصى) فليس له إلاّ السلب (السرقة) والصلب (القتل الوحشى عن طريق صلب الإنسان لعدة أيام حتى يموت) لهذا كما كتب القصيمى (( لقد أصبح العرب عارًا وهوانـًا وسبابًا لكل العالم لعنف افتضاحه. والنفط هوالذى خلق لهم مجدهم وشهرتهم. فهل وُجد خالق مثل النفط العربى؟)) (ص394) لذا فإنّ الإنسان العربى لم تتخلق فيه مواهب الإنسان المتحضر)) (ص405)
وخصّص أكثرمن فصل للشاعرالمتنبى الذى سجدتْ له الثقافة العربية ودافعتْ عنه باعتباره أشعرشعراء العرب رغم أنّ المُتنبى ((كان فـُحشـًا نفسيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا ولغويًا. كان بلا ضميروبلا رحمة أوحب أوعاطفة. كان وقاحة بقدرما كان قباحة. وأشعاره هى ((كلمات وصولى انتهازى منافق مفضوح بلا كرامة ولاحياء. لعلّ جميع اللغات لاتجد كلمة رديئة لتكون على مقاسه. لعلّ قبحه معجزلجميع اللغات. فلن يُضيف أى قبح إليه قبحًا))
وأضاف المفكرالسعودى عبدالله القصيمى: إنّ تاريخ وحياة المُتنبى انعكاس لتاريخ وحياة العرب..وارتفاع شأن المُتنبى عند العرب دليل الانحطاط الثقافى والأخلاقى، بمراعاة أنّ من يقرأ حياة وشعرالمُتنبى لابد أنْ يتفجرغضبًا واشمئزازًا. إنه لعارلقوم لايزالون ((حتى اليوم، فى عصرالمواجهة العربية/ الإسرائيلية يقرأون ويُنشدون أشعارالمتنبى الذى كان عاهة فادحة تحوّلتْ إلى غثيان تاريخى)) فهل الشعريصل لدرجة الانحطاط والغروركما فعل المتنبى الذى كتب ((أى محل أرتقى/ أى عظيم أتقى/ وكل ما قد خلق الله/ وما لم يخلق/ مُحتقرفى همتى/ كشعرة مفرقى)) وفى عدائه السافرضد الشعوب، مقابل تمجيده للملوك، كتب قصيدة ضد حقوق الإنسان وضد كل البشرإذْ قال ((وإنما الناس بالملوك ولا / يفلح عرب ملوكهم عجم/ لا أدب عندهم ولاحسب/ ولاعهود لهم ولاذمم)) واحتقاره للشعوب يتضح أكثرعندما كتب قصيدة كـرّس فيها لنظام العبودية. فبعد أنْ كتب عدة قصائد فى مدح (كافور) انقلب عليه بسبب مقدارالمال الذى يحصل عليه مقابل المديح، فهجاه قائلا ((لاتشترالعبد إلاّوالعصا معه/ إنّ العبيد لأنجاس مناكيد)) فى إشارة إلى أصل (كافور) الذى كان عبدًا قبل أنْ يُعتق ويتولى الحكم. فإذا كان المُتنبى اختلف مع الحاكم، فهل هذا يُبر له احتقاركل إنسان فرضتْ عليه الظروف الاجتماعية والسياسية أنْ يكون ضمن منظومة (العبيد) العربية. وأنه لابد من (العصا) للتأديب بل أكثرمن ذلك أنّ العبيد (أنجاس مناكيد) فهل هذا شعرأم (ردح) وبذاءة وأقصى درجة من الانحطاط الأخلاقى؟ ولأنّ المُتنبى يتسم بالانتهازية نراه وهو يغازل كافورقائلا له ((أبا المسك هل فى الكأس فضل أناله / فإنى أغنى منذ حين وتشرب/ فإنْ لم تنط بى ضيعة أو ولاية/ فجودك يكسونى وفضلك أرحب))
وكيف يوصف المُتنبى بالكبرياء فى زعم أتباعه وهوالذى قال عن كافوأيضًا ((أنا اليوم من غلمانه فى عشيرة/ لنا والد منه.. يفديه ولده))؟ ونقل القصيمى قصيدة للمُتنبى كلها إشادة بالبداوة فكان تعليقه ((قف أيها الهمجى الرؤية والحس والمنطق والموهبة. المُتنبى يستقبح كل أعمال الحضارة والتمدن. يرفض الاغتسال ووجود الحمّام أى يرفض أنْ يكون الجسم نظيفـًا. إنّ نموذج (الجمال) الذى اختاره المتنبى ((مُـخجل ومهين لكل طموح حضارى وفنى فى أى مجتمع إنسانى)) وهذا الموقف يجب ربطه بعداء المُتنبى لقيمة (الكتابة) ووقوفه إلى جانب العنف فى تبنيه الصريح للسيف فى بيته المشهور((حتى رجعتُ وأقلامى قوائل لى/ المجد للسيف.. ليس المجد للقلم)) وهذا الموقف يجب ربطه (أيضًا) بموقفه المآزرلنظام سبى أسرى الحروب، فبعد انتصارالعرب على الروم كتب (ونحن فى جذل والروم فى وجل/ والبرفى شغل والبحرفى خجل/ وكلما حلمتْ عذراء عندهمو/ فإنما حلمتْ بالسبى والإبل) وهكذا يتصوّر(وفق خياله اللا إنسانى) أنّ الأسيرات سوف تحلمن بالسبى، فمن أين أتاه هذا التصورالمريض؟ ومن أين أتاه خبرأنّ البحريشعربالخجل؟ لذا فإنّ القصيمى من شدة اختلافه مع هذا التراث المُعادى للبشركتب ((موتى أيتها الأذن والعيون لئلا تسمعى أوتقرئى ما يقوله فارس الصهيل العربى)) (من ص 471- 523)
000
وعند المقارنة بين المتنبى وأبى حيان التوحيدى (922م- 1023) يتبيـّـن الفرق بين الإثنين. وعن سيرة حياة التوحيدى فإنه وُلد فى بغداد وعاش فيها أطول مدة من حياته..وذكربعض المؤرخين أنّ أصوله تعود إلى شيراز..وقال آخرون بل من نيسابور..ولكن المؤكد أنه مات ودفن فى شيراز..وعن سبب تسميته بالتوحيدى قال البعض إنّ السبب يرجع إلى نوع من البلح (تمربالعربى) أطلق العراقيون عليه (التوحيد) بينما يرى آخرون أنّ اللقب أطلقه التوحيدى على نفسه، لأنه كان ((معتزلى والمعتزلة يلقبون أنفسهم بأهل العدل والتوحيد)) وعن الاحتمال الأول (نوع من البلح/ التمر) قال المتنبى ((يترشفنَ من فمى رشفات.. هنّ فيه أحلى من التوحيد))
عاش التوحيدى حياة البؤس منذ طفولته..وذاق مرارة الحرمان والفقر، فكان يضطرإلى نسخ بعض المخطوطات لمن يطلب منه مقابل الأجر..ولكنه لم يتملق ويمدح السلاطين إلا قليلا..ولم يهجوهم بهدف ابتزازهم، كما فعل المتنبى..ولكن أبا حيان التوحيدى ((واتته السعادة فجأة بوصوله لمجلس ابن سعدان، الذى تظلله بحمايته، بعد أنْ توسط له أبوالوفاء المهندس..ولكن سرعان مازالتْ عنه السعادة..وعاد لأيام بؤسه ونحسه وشقائه، وذلك بعد أنْ أزيح الوزيرمن وزارته، إثرمكيدة سياسية دُبرتْ له..وحُـبس وقــُـتل..ومن ثمّ فإنّ تجربة التوحيدى مع رموزالسلطة، علمته الدرس جيدًا، فظلّ ينطوى على هواجس الخوف والشعوربعدم الأمان، تجاه الدنيا وأحوالها، شديدة التقلب والزوال)) (د. هالة أحمد فؤاد- فى كتابها عن التوحيدى- هيئة الكتاب المصرية- عام2017- ص58)
وذكرتْ د. هالة: ودون الخوض فى تفاصيل هذه الاشكالية الوعرة، حول علاقة المثقف بالسلطة، فإنّ ما يعنينا هنا، ليس إبرازالتهمة المضمرة التى وجهتها الذات الشاكية، لمن تشكوإليه فحسب..وإنما الكشف عن مساحات الوحشية المؤسية..واللا تواصل التى طالتْ الكل من السلطة (وشملت مثقفيها وندمائها وغيرهم من المثقفين المهمشين المستبعدين (ص59، 60)
وكتبتْ: ومن الملاحظ أنه فى سياق ما يفعله الحاكم مع المثقفين (سياق المنح/ المنع، المدح/ الذم) كما فعل المتنبى وغيره، فإنّ مثقفى القرن العاشرالميلادى، الرابع الهجرى، ونموذجهم التوحيدى، فلم يكن لديهم أدنى غضاضة فى مسألة مقايضة العلم بالمال، فهم (عمال) لدى السلطة، يؤدون أدوارهم المحددة لهم سلفـًـا..ولابد أنْ يؤجروا عليها..ولعلّ المفارقة تكمن (فقط) فى الجدارة والشرف.. شرف أداء الدورالمطلوب من المثقفين، دون نفاق أومهانة..وربما كان هذا التصورسببـًـا فى جعل معظم مثقفى هذا العصرلايتطلعون لأبعد من دورالنديم المُـسلى للحاكم، أوالمستشارالناصح على أقصى تقدير..وبالطبع لم يكن هؤلاء المثقفون أرستقراطىّ النزعة كأفلاطون..ومن ثـمّ فقد كان النموذج المُـبتغى هوذلك المثقف الجامع بين العلم والمال، دون أنْ يـُـقدم تنازلات مهينة أويبتذل ذاته وعلمه..ولكن هذا لم يحدث، ثـمّ ذكرتْ واقعة كتبها أبوحيان التوحيدى جاء بها:
حكى بعض أصحابنا أنّ الرشيد قال لإسحاق الموصلى : كيف حالك مع الفضل بن يحيى وجعفربن يحيى؟ فقال: يا أميرالمؤمنين ، أما جعفرفإنى لا أصل إليه إلاعلى عسر، فإذا وصلتُ إليه قبــّـلتُ يده، فلا يلتفت إلىّ بطرف ولاينعم لى بحرف، فأصيرإلى منزلى فأجد هداياه وبره وتحفه قد سبقتنى، فأبقى حيران فى أمره..إلخ (المصدرالسابق ص193)
000
ومن خلال السرد السابق (وهوقليل جدًا قياسـًـا على ما ورد فى أمهات الكتب التراثية) يتبيـّـن أنّ الظاهرة العامة فى الأنظمة الاستبدادية ، هى تبعية المثقفين لسلطة الحكم، باستثناء من يرفضون تلك التبعية، فتكون نهايتهم المأساوية، إما بالقتل أو- فى أفضل الحالات السجن.
***







اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. قتلى مدنيون بقصف لميليشيا أسد على كفرنبودة وقرية الشريعة شما


.. ترامب وأردوغان يتفقان على التنسيق بشأن مناطق آمنة بسوريا




.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. سعوديتان مرتدتان عن الإسلام تعلقان في هونغ كونغ أثناء الهرب