الحوار المتمدن - موبايل



الغضب المقدس

عبد الغني سلامه

2018 / 11 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في حياة المواطن العربي ما لا حصر له من أسباب الغضب والسخط..

في طفولته قد ينشأ في أسرة تمارس كل أنواع العنف: أبوه يضربه، وقد يضرب أمه أيضا، وشقيقه الأكبر يضرب شقيقته الصغرى.. وقد ينشأ في أسرة لا تمارس العنف الجسدي، لكنها تمارس العنف اللفظي، فأمه تصرخ في وجهه لأتفه الأسباب، وفي كل يوم يسمع كل أنواع الشتائم، وإذا لم تكن أسرة تمارس العنف بأشكاله، فقد تكون من النوع الذي تغيب عنها أجواء المحبة والعطف والحنان.. فينشأ الطفل بعواطف جافة وقلب متحجر..

في المدرسة، قد يضربه أقرانه المتنمرون، فيفهم أن العنف ضروري لمواجهة الحياة.. وقد يضربه الأستاذ إذا تحدث مع زميله، أو إذا ضحك، أو إذا أخطأ في مسألة ما.. فيفهم أن عقوبة الضرب هي الحل الصحيح.. وقد يُضرب بلا ذنب، إذا قام المدير بفرض عقوبة جماعية على كل الصف، فيما لو عجز عن اكتشاف المشاغب الحقيقي. فيفهم أن العقاب الجماعي مشروع.

وبسبب وجود معلم متزمت، ومناهج متخلفة قد يتعلم التعصب، وكراهية الآخرين، وكيف يميز بين الناس على أسس عنصرية وطائفية.. وقد ينقل معه كل هذه المفاهيم السلبية إلى الجامعة، حيث نظام التعليم لا يختلف كثيرا عن المدرسة..

في الجامعة، سيستنزف أهله بالمصاريف والأقساط، وبعد الجامعة سيطول بحثه عن عمل، وسيواجه شبح البطالة، وستتسرب إليه مشاعر الإحباط والخوف من المستقبل، وسيرى الفساد في مرافق الدولة ومؤسساتها، والواسطات والمحسوبيات في نظام التوظيف.. وإذا وجد عملا، سيستغله صاحب العمل، بأجور زهيدة، وشروط عمل مجحفة.. وقد يقبل بأي عمل، لا يتناسب مع شهاداته، ولا مع رغبته، ولكن سيكون مجبرا عليه.. قد يحب فتاة، لكن أهلها سيرفضونه، لأنه بلا عمل، أو غير مقتدر..

وعندها سيواجه الحياة الحقيقية، وسيرى أن الظلم الذي تلقاه في البيت والمدرسة، موجود في كل مكان، وربما بصورة أشد.. سيقمعه الشرطي، ورجل المخابرات.. وسيضربه المجتمع، وأزماته المتعددة، وستنهكه متطلبات الحياة، وتكاليفها الباهظة..

ربما هذا ما يتعرض له المواطن العربي بشكل عام، وبالتأكيد ثمة استثناءات هنا وهناك، وبالتأكيد أيضا، أن الجميع لا يتصرفون بنفس الطريقة.. عموما، قسم كبير من الشبان يكافح في الحياة بطريقة إيجابية، قد يفشل، لكنه يعاود المحاولة، فهو لا يسمح لليأس أن يتملكه، ولا لمشاعر الكراهية أن تغمر قلبه، لا يعرف التعصب، ولا يدع الغضب يستولي على روحه.. يظل متوازنا ومتفائلا رغم كل الصعاب.. وهؤلاء عادة ينجحون..

آخرون قد تدفعهم ظروفهم الصعبة نحو حافة اليأس، فيصابون بالإحباط، ويتقوقعون على ذواتهم، لكنهم لا ينقلون مشاعرهم السلبية للمجتمع، لا يكرهونه، لا يرغبون بالانتقام منه، ربما بعضهم ينتقم من نفسه وينتحر.. وآخرون قد يتغلبون على ظروفهم بعد حين، ولكن ليس للدرجة التي يحلمون بها..

والقسم الأخير وهو الأخطر؛ هؤلاء بسبب تعرضهم المبكر للعنف والتعنيف فقدوا تقديرهم لذواتهم، وتعلموا أن الضرب هو الحل الوحيد لحل الخلافات، والعنف هو الطريقة المثلى لمواجهة المشاكل.. شعورهم بالتهميش أفقدهم ثقتهم بأنفسهم.. فشلهم في الدراسة أو في العمل نمّا في دواخلهم مشاعر الحقد والرغبة بالانتقام.. عجزهم عن تحقيق حلمهم، أو حتى توفير متطلبات حياة عادية عزز فيهم إحساسهم بالدونية.. إدراكهم بأنّ لا أحد من المسؤولين مهتم بهم وبمشاكلهم، سيزيد من سلبيتهم تجاه المجتمع..

شعورهم بالتعب من الحياة، وغضبهم المكبوت، ومشاكلهم الكثيرة ستدفعهم للتفكير بالهجرة.. ومن هنا ستبدأ معاناة من نوع آخر..

ستبدأ مع سماسرة التهريب، الذين سيستغلون حاجتهم بصورة بشعة، قد ينجح البعض بالوصول إلى بلد أوروبي، لكن طلبه اللجوء قد يجابه بالرفض، وقد يجد صعوبة في الحصول على أذونات الإقامة، سيلجأ حينها إلى كل الحيل والألاعيب، سيجد نفسه ضمن ظروف صعبة وقاسية في مخيمات اللجوء، أو قد يضطر للاختباء بصورة مهينة، والعمل بأجر زهيد، لأن إقامته غير شرعية، سيعاني من الشعور بالغربة، ومن صعوبات التكيف مع المجتمع الجديد المختلف عن مجتمعه الأصلي بالمأكل، والملبس وطريقة التعامل والثقافة والعادات.. سيعاني من ضغوطات مادية وأسرية واجتماعية، ومن الكبت الجنسي، وقد يدخل بعلاقات جنسية غير شرعية، سيترتب عليها شعور بالذنب والخوف.. وسيواجه عنصرية الأوروبيين، وحملات اليمين المتطرف المسعورة ضد المسلمين، وضد اللاجئين..

كل هذا سيزيد لديه أسباب الغضب..

هؤلاء الذين ضاقت بهم الحياة، سواء من بقي في بلده، أو من هاجر منها.. والحديث هنا عن القسم الثالث من الشبان، الذين امتلأت قلوبهم بالغضب والسخط، ووصلوا حائطا مسدودا (أو هكذا هيأ لهم شعورهم بالقنوط).. هؤلاء بالذات، سيبدؤون بالبحث عن خلاص فردي، عن حل سريع وهين.. حل فيه الخلاص الدنيوي والأخروي في آن معا.. خلاص ينقذهم من بؤس الدنيا، وينقلهم دفعة واحدة إلى الجنة.. إذْ تساوت عندهم الحياة مع الموت..

هؤلاء سيلجؤون إلى المنظمات المتطرفة، سيجدون فيها الحل الأمثل، سيجدون في أيديولوجياتها المتشددة العزاء والسلوى، وكل ما يحتاجونه من مبررات لتفجير غضبهم، سيخدعون أنفسهم بدايةً؛ سيقنعون أنفسهم أن لهم الحق في الانتقام، سيسمّون مشاعر الغضب جهادا مقدسا، وسيسمّون نزعات العنف التي تضطرم في سريرتهم قتالا في سبيل الله، وسيعتبرون جرائمهم فضيلة، سيقنعنهم أميرهم أن سبب بؤسهم وبؤس العالم الإسلامي كله هو جارهم المسيحي، أو الشيعي، أو السني، أو الأوروبي الكافر.. وكل ما عليهم أن يفجروا أنفسهم فيهم..

قد نتفهم أسباب غضبهم، لكنه في الحقيقة غضب داخلي، وليس غضب الله، وتلك مشاكلهم الخاصة وليست مشكلة الإسلام، إنه هروب من صعوبات الحياة، وليس جهادا، وهذه خدمة أحزاب سياسية، وليست خدمة للدين.. وما عدى ذلك مبررات واهية..

ثمة قائد محرض، لا يفكر أساسا بإيجاد حل، لأنه أصلا غير مهتم، كل ما يريده توظيف غضب الشبان المحبط، والمتاجرة بمشاعرهم، وسوقهم إلى موت رخيص، فيه دمار لهم ولعوائلهم، وللمجتمع، ولعموم المسلمين، لخدمة أهدافه السياسية والمصلحية..

الغضب بحد ذاته شعور طبيعي، يعني أنك لم تتجاهل مشاكلك، وأنك استجبت لانفعالاتك. كبت الغضب وكبت الشعور هو المشكلة التي تؤدي للانفجار، لذلك، اعترف بالغضب واعرف أسبابه، قبل أن تمنحه أسماء خادعة.







اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تقصف عدة مدن وبلدات في محافظة إدلب


.. الوجه الآخر للارهاب الاسلامي #الدروشة وتدمير الشباب ...


.. استمع لما قاله تركي الحمد عن السادات والإخوان المسلمين!.




.. آخر المستجدات من قصف لميليشيا أسد الطائفية على عدة مدن وبلدا


.. قتلى وجرحى بقصف لميليشيا أسد الطائفية على جنوب غرب إدلب