الحوار المتمدن - موبايل



الجيش سور للوطن

سلام محمد المزوغي

2018 / 11 / 5
الادب والفن


في أول لقاء افتراضي بينهما، منذ أشهر، قال أنه يريد أن يراها عارية مثلما تكون عندما تستحم، عارية من كل خجل أو وجس أو نفاق.. بعد سماعها لفظ العري توجست لكن ما إن أكمل الجملة حتى فهمت، راقها قوله وعندما فهمت أنه يطلب كل شيء في ذلك اللقاء توجست.. كيف ستمنح ثقتها لغريب لا تعرف عنه أي شيء؟ الناس تمضي اللقاءات والسنوات لتمنح الثقة لأحد فكيف ستفعل هي في لقاء؟
أول لقاء واقعي انطلق العاشرة صباحا..
استقلت القطار لتصل إلى المكان المحدد الذي يبعد عنها أقل مما عنه..
عندما سألها "أين نلتقي؟" أجابته ببداهة "أنت تأتي"، فرد أن ذلك لا يقلقه في شيء لكن لم عليه هو الذهاب إليها؟ فقالت "هكذا يجب أن يكون فالرجل هو من يأخذ المبادرة عادة"، فذكرها بأول أقوالها أنها تريد الخروج عن العادة وملت من الرجال "العاديين" وسألها "هل يحق لعادي أن يطلب غير العادي؟" فأجابت "سآتي أنا إليك إذن"، رد أن لا قيمة لقدومها بعد كل ما قالت وسخر منها قائلا "مرماك بدأ يهتز أرجو ألا تكون النتيجة عريضة".. قالت أنها لن تسمح بذلك وستتدارك واقترحت اقتسام المسافة فوافق على اقتراحها....

منذ فصل "أين نلتقي؟" قال أنها ستكون كسابقاتها؛ مجرد غبية قذرة تطلب ما لا تستحق، مأساة جديدة ستضيف إلى أرشيفه المزيد من الوحدة والاغتراب عن العالم الذي يحيط به ويخنقه كل يوم أكثر، كلهن سواسية ولا فرق أكانت من الشمال من الجنوب من الغرب أم من الشرق، كلهن لحظات أسى وألم.. سم.. لقاءات سفه ونفاق وعقم..

في القطار، بقت على اتصال به، أرسلت رسائل كثيرة واستقبلت رسائل كثيرة، كانت تقرأ وتعيد كل ما كتب لها محاولة فهم قصده من وراء كل حرف، قبل الوصول قررت إزالة الماكياج الذي على وجهها، فكرت في قص أظافرها لكنها عدلت.. كانت تحب أظافرها كثيرا علاوة على أنها قد كلفتها الكثير ولم يكن معها مقص.... لم تعتد على حمل مقص معها، ليست ممن يمكن أن يخطر ببالهم بصفة فجائية قص شيء؛ أظافر، شعر، أو أي شيء آخر.. لذلك لم يكن معها مقص.
في القطار، بقى على اتصال بها، كان يقرأ لها فيتذكر غيرها، كل جملة قرأها ذكرته بلحظة بؤس وأمل ضائع مع أخرى، فكر في أن ينزل في محطة قبل وجهته لكنه عدل.. كان يرغب في لقائها، لم يكن ممن يهربون، كان ممن يتبعون اللص حتى جحره ليتسنى لهم الحكم، الحكم بالإعدام صعب جدا ويلزمه كل الأدلة التي لا يطالها شك..
قطارها قادم من الشرق، وقطاره قادم من الغرب، واللقاء في مدينة يقال عنها "العاصمة".. الأخيرة قبل هذه كانت عنابية، من بلد يقال عنه "شقيق"، أبوها عنابي وأمها قسنطينية..
وصل قطارها نصف ساعة قبل وصول قطاره، وبالرغم من ضجرها من الانتظار قالت في نفسها لعل في ذلك علامة خير.. اعتادت طوال حياتها أن تنتظر فلتجرب انتظار أحدهم..

قبل وصوله فكرت في هيأته كيف ستكون، لم تصدق كلامه عندما قال أنه ضخم الجثة، بطنه كبير ومشيته مضحكة طالما جلبت له التهكم، لحيته طويلة كلحى السلفيين ولا يستعمل العطور، كثير الشعر كأنه قرد وسكير كثير التدخين.. لم تصدق كلامه لأنه ذكر أيضا اكتشافه أن المرأة الجميلة ذوقها رديء لأن كل من عرف قبلها كن جميلات.. لم تصدق أقواله لكنها تساءلت ماذا لو رأته غير جميل؟ هل ستسقط كل تلك الأوقات التي أمضتها معه؟ وكيف سيكون موقفها وهي التي قالت له أنها تحبه؟ تذكرت رده عند إعلان حبها "قلت لك أن المرأة الجميلة ذوقها رديء، أضيف أنها غبية أيضا".. لكنها طمأنت نفسها بكلام رأته منطقيا؛ يستحيل أن يكون قبيح الشكل، فمنذ أن عرفته وهو يهاجمها، معارفه كثيرة، واثق من نفسه حد الغرور.. ربطت سؤالها عن كيف سيكون شكله بمستواه التعليمي، قال أنه لم يحصل على الباكالوريا لكنها كانت على ثقة أنه يدرس في الجامعة إما التاريخ أو أحد اللغات الأجنبية.. ضحكت عند تذكرها جوابه لما سألته كيف أتقن تلك اللغات، فقال لها أنه كان يبيع المنتوجات التقليدية للسياح في الصيف وفي أوقات أخرى يعمل دليلا سياحيا؛ العمل الذي فتح له أبواب وشبابيك سرقة الآثار وبيعها فكل شيء في البلد موضوع للسرقة وللبيع حتى البشر.. قال الكثير مازحا، وكلما سألته عن هيأته وعمله كان يعيد نفس الأجوبة.. رفض مواقع التواصل واتصالات الفيديو مقترحا العودة إلى الوراء كما عاش الأسلاف مع نهاية الألفية الثانية، فقبلت.. الأسلاف عاشوا بالرسائل الورقية والالكترونية وبالاتصالات الصوتية فقط.... هي قالت له كل شيء، اسمها لقبها عنوانها عملها جمالها عائلتها أصدقاؤها وكان جوابه أنه لم يطلب منها شيئا من كل ذلك..

بعد انتهاء النصف ساعة، وصل قطاره، اتصل بها وقال لها أنه عرفها وقد رآها وأن عليها أن تتعرف عليه بمفردها وأمهلها خمس دقائق..
بعد اتصاله شرعت في البحث عنه نادمة عن وصفها له في رسائلها ماذا كانت ترتدي.. خمس دقائق.. ولم تتعرف عليه، في الأثناء اتصلت به لكنه لم يرد..
بعد دقائق اتصل بها، وصف لها أين يقف وطلب منها التعرف عليه دون أن تقترب.. عندما نظرت رأت أربعة رجال كل بجانب الآخر، كل بيده اليمنى موبايل يتكلم وينظر إليها.... ابتسمت وأشارت إليه....
طلب منها ألا تقطع الاتصال وأن تسمع ما سيقولون لها.. اقترب الأول قال "الحب في محطة قطار يجعل الانسان يصير حمار".. الثاني "يا جميلا من الخارج ما حالك من الداخل".. الثالث "لم يقل لي أي شيء".. قال كل ما قيل له وذهب حال سبيله.
سألته هل هم أصدقاؤه؟ فقال أنه عرفهم للتو، قال لها "أقترب أم تقتربين؟"، ردت "سأقطع الاتصال، أعطني ثواني للتفكير وسأعاود الاتصال بك، لكن لا تتحرك من مكانك رجاء"..
قطعت الاتصال، أخذت نفسا عميقا وهي تنظر إليه، قالت "نعم الحب في محطة قطار يجعل الانسان يصير حمار"، ثم جرت نحوه وارتمت عليه..
لم تتكلم، لم يتكلم، لم تشعر بأي شيء من حولهما، عيناها مغمضتان، يداها وساقاها تضغطان بكل قوة على رقبته وخصره.. لم تشعر بيديه في البدء، لكنها ضغطت أكثر عندما شعرت بهما خلف ظهرها.. لم تفكر في شيء وهو يحضنها ويحملها كصغيرة عاد أبوها للتو بعد سنين طويلة من الحرب، كانت فقط تقول في نفسها "إنه هو، إنه هو، إنه هو..."....
لكن، قطع عليها خلوتها صوت ودفعة؛ الصوت صرخ "يا محترم، يا بنت الأصول أين تظنان نفسيكما؟" والدفعة كادت أن تسقطهما على الأرض..
الصوت والدفعة مصدرهما عسكري لباسه أخضر، لم يكن شرطيا لباسه أسود، لم يكن شرطيا بلباس مدني، كان عسكريا لباسه أخضر وعلى كتفه نجوم..

بعد أن غادرا محطة القطار، سألته عن قول الثالث الذي لم تفهمه فقال أنه لم يقل له شيئا.. سألها عن قول الكابتن الأخضر فقالت "كان الأجدر بنا شكره وإجابته عن سؤاله.. محترم وبنت أصول في محطة قطار جعلت من كل منهما.. حمار.".. فأجابها "أنثى الحمار أتان".. قالت "محترم وبنت أصول في محطة قطار جعلت من بنت الأصول أتانا ومن المحترم حمار".. فأجابها "ورائي إذن يا ابنة الأصول واحذري أن تكسري كعبك، اتبعي خطواتي وغني ورائي"

((الجيش سور للوطن
يحميه أيام المحن
أرواحنا
أموالنا
تهدى له بلا ثمن
الجيش سور للوطن))*
............
* أغنية عسكرية تونسية







اخر الافلام

.. تعرف على رضا فضل.. فنان يرسم بفمه وقدميه


.. الشروق| «البروفة».. المسرحية الثانية لفريق 1980 وانت طالع عل


.. هذه الأداة وراء أصوات أفلام الرعب المفضلة لديك




.. روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه


.. أفلام بدقيقة واحدة عن حقوق الإنسان في مهرجان -موبايل فيلم في