الحوار المتمدن - موبايل



الجنس ودوره في حياة الإنسان ج9

عباس علي العلي

2018 / 11 / 5
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


صناعة الجنس
أنتقال الجنس من دائرة المقدس إلى دائرة المدنس مر عبر المعبد أولا ليكون أول تجارة خاضها الإنسان من خلال ما قدم المعبد من تبريرات ومحفزات له، هنا لا بد من ملاحظة مهمة أن فصل الجنس عن دائرة العبادة قد أوجد نوعا من الأتهام العام له لعدم قبول العقل الإنساني أن يكون طريق رضا الألهة والأرباب يتم عن طريق أرتكاب الخطيئة للوصول إليها، لذا فكان تخلص الكهنويته من هذا النوع من العبادة لم يكن ناجحا ولا يمكن أن ينجح في التطهير السلوكي للإنسان فقط من خلال هذا الفصل، فقد بدأت صناعة الجنس من نفس الأليات السابقة وبذات المبررات وإن كانت خارج أدوار المعبد وخارج رعايته.
ومع ذلك لم تغادر فكرة الجنس المقدس نهائيا أسوار معابد الكهنة واللاهتيون وقد تتحول من أطار ونمط معين إلى مفاهيم وأفكار تقترب أو تبتعد قليلا عن الصورة القديمة ، أما بربط الموضوع بالمعبد أو ضرورة أن يكون ضمن سيطرته وسطوته، لأنه يعرف تماما أن بسط فكرة الجنس الطبيعية تضعف من الكثير من مبررات وجوده، فشرع لهم الضوابط والقوانين والخيارات للأتباع ليكونوا دوما تحت مرجعيته وما مشروعية أو أطلاق مشروعية الجنس لوحدها من خلاله إلا نمط من هذه الصورة أو التصور،فمثلا الكنيسة وحتى في عالم الفكر الإسلامي يستمد مشروع التزويج وحليته من أشراف رجل الدين ورعايته له وبأذنه، ليؤشر بصورة جلية لهذا التدخل وحتى خلافا لأصل الشريعة وأصل الفكرة الدينية.
لم يكتفي المعبد بكل صوره التاريخية بهذا التحول بل مضى في الأستفادة من تصنيع الجنس ومحاولة تسخيره لمنافعه الخاصة أو للحفاظ على أسسه الفكرية التي قام عليها بالرغم مثلا من أن بعض الجنسانيات لا تجد لها واقع أو حيز مبرر في تلك الأدبيات الدينية، هناك مثل واضح حين حرمت الكنسية موضوع الطلاق بين الزوجين المسيحيين إلا بشرط حدوث الزنا، في حين أن السلف الفكري والعقيدي لها هو الدين العبراني الذي أباح الطلاق بأعتباره حالة طبيعية متأتية من فعل بشري لا علاقة لتدخل الرب فيه، لكنها أعتمدت أي الكنسية على مفهوم أخر وهو أن ما صنعه الرب (الزواج المقدس) لا يمكن أن يخرقة الإنسان بإرادته الخاصة أو وفق ما هو طبيعي عام بين البشر لأنه خروج عن إرادة الرب وقراره النهائي حسب ما تؤمن به الفكرة الكنسية وتريد تطبيقه على المؤمنين بها**.
قد يعتقد البعض أن هذا الأمر ليس من باب صناعة الجنس بل هو من جملة القضايا الأخلاقية المنظمة لشؤون المجتمع وأليات الربط بينه وبين المؤسسة الدينية، والجواب حقيقية لا يتعدى القول بأن ربط حياة الإنسان وقضاياه الداخلية والحساسة بالمعبد والكنيسة والمسجد وبقرارها وبمقابل إنما يكشف مشروع التصنيع، وليس فقط سن قوانين أخلاقية عامة للمجتمع، فكل القيم الأخلاقية الضرورية تتمتع في النتيجة بقدرتها على خلق عالم طبيعي مثالي يحرر الإنسان من هيمنة ما هو غير طبيعي وغير ضروري، فما قيمة الضوابط والروابط التي تحد وتقنن عبودية الإنسان للمعبد وتجره خلافا لحقيقة أن الإنسان حر في تصرفاته طالما أنها لا تنتهك حق الأخر في الحرية ولا تدعه يتجاوز بأنانيته أن يبقى حرا ومختارا للأسلوب الذي يضمن له القدرة على أتخاذ القرار السليم بما هو طبيعي وإنساني.
منع الإنسان مثلا من العيش مع من يختار أو أجباره بالقوة على البقاء بشخص لا ينتمي له ولا يرغب به شكلا من أشكال أستعباد الإنسان أولا ولا معنى لأي تبرير خلاف ذلك حتى لو أدعى القدسية أو المثالية الأخلاقية، وهو متناقض أيضا حتى لو سلمنا بحقيقة الدين أنه إرادة الله مع هذه الإرادة لأن نتائج ذلك تعني بالنهاية، أن البشر سيقعون من حيث أردنا أن نعمم الفضيلة سيجدون أنفسهم في مواقع الخطيئة للتعبير عن طبيعتهم البشرية التي أراد الدين أن لا نكون فيها، فالصناعة الجنسية التي تمارسها الأديان نهايتها دوما أن ترمي بنا في المتناقض النوعي لأهدافها كقيم تحرص على بناء الفضيلة.
تصنيع الجنس في المجتمعات الدينية أو التي تقع تحت تأثير المعبد لا تنفصل كظاهرة عن موضوع الأستغلال والأستعباد له، لذا فكلما كان تدخل المعبد وكهنته في هذا المجال ضاقت حدود الحرية الطبيعية، وتحول معها الكائن البشري إلى مسخرة تتلاقفها أيادي الأثم والمنجس الطبيعي الذي لا يتعدى في كل صوره مصلحة القائمين عليه، فليس من الضروري أن يكون التصنيع كما في الصورة المعتادة بتحويل السلوك البشري إلى صناعة حقيقية، ولكن يكفي أن تضع القواعد الأساسية له وتتركه في متناول الجميع وكأنه أمر في غاية ما هو معتاد.
لقد تفنن المعبد وأركانه في تشويه العلاقات الإنسانية وما هو ضروري للحياة وديموميتها بمختلف الوسائل الترغيبية والترهيبية ومنها موضوع الجنس تحديدا، كما شوه من قبل علاقة الإنسان بالقوى المهيمنة المحركة للوجود بتغييب العقل وقوانين الطبيعة لصالح ترهات ونظريات الغالب فيها عنوان الفضيلة وتحديد أطر متضايقة لها، في حين مارس الدعارة الفعلية والفكرية دون أكتراث بما في أصل الدين وأمر ديان الدين من خطاب عقلي تحرري يماهي حركة الوجود الطبيعية ويتسق معها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*تغلغلت العبادة العشتارية في قلب الديانة اليهودية وأثّرت فيها كثيراً فقد كان سليمان من معتنقي هذه العبادة وليس نشيد الأناشيد المنسوب إليه إلا تأكيد على مثل هذا التأثير. إلا أنّه لاحقاً تم إدانة هذه الطقوس من قبل الديانة اليهودية نفسها باعتبارها تمثّل طقوساً آثمة فاسدة وابتكر الكهنة اللاويون، مفهوم الأخلاق الجنسي: عذرية النساء قبل الزواج، السيطرة الكاملة على معرفة الأبوة…الخ، وهدف هذا التحريم، الذي ظهر جلياً في سفر اللاويين في الكتاب المقدس، هو تأسيس مؤسسة دينية أبوية ذكورية متسلطة على الأمة. هذا المفهوم الأخلاقي الجديد تم تبنيه من قبل الكنيسة ولاحقاً من قبل الديانة الإسلامية وتبدلت ظروف إتباعه بتبدل الأوضاع الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية، فكلما زادت تلك الأوضاع تخلفا و تراجعا أصبح تطبيق هذه المفهوم أشد صرامة.
**تطرق الرب يسوع إلى أخلاقيات العلاقة الزوجة أيضا بالعودة إلى أساس التركيبة البشرية ألا وهي الخليقة ودليلنا على ذلك ما جاء في وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ:«هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». قَالُوا لَهُ:«فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَق فَتُطَلَّقُ؟» قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي».(متى 3:19







اخر الافلام

.. وفاة أكثر من 100 شخص بمخيم الركبان في سوريا خلال شهر واحد |


.. أسبوع دبي للتصميم.. ثورة إبداعية عالمية


.. موجز أخبار العاشرة 17/11/2018




.. نافذة من واشنطن- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي


.. نافذة من إسطنبول- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي