الحوار المتمدن - موبايل



تأملات فلسفية - 8 -

شادي كسحو

2018 / 11 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع





1- فينومينولوجيا الشارع:
إن الشارع في عمقه الفينومينولوجي والانطولوجي رغبة في التخارج. تمرد على البيت. اعتراف بقيمة الحواس ومعمعان الحركة. ما الذي يعنيه الشارع إذا لم يكن احتفالاً بمتعة العين، واحتفاءاً بحاسة البصر؟..وما الذي يعنيه الشارع إذا لم يكن ضرباً من التمتع بـ الموسيقى التي يخلقها الزحام؟. بل ما الذي يعنيه الشارع إذا لم يكن أفقاً لرغبة منفلتة لا تخضع إلا لمنطق الصدفة المتحللة من كل تحديد؟. يمكن القول: إن الشارع هو منتهى الذات. أصلها وفصلها. لذا ظل النزول إلى الشارع والتماهي مع حركة الناس ممارسة مرموقة حتى في أكثر البيئات انغلاقاً. لا تمارس المعرفة تحت أسقف من الاسمنت المسلح. الشارع. شارع ديوجين أثينا. وحمراء بيروت، ورشيد بغداد، وبالطبع شوارع مجنونة كشوارع نيويورك، تحرر الحواس وتقد من صلابة العقل العقلاني المختبىء وراء متاريس تحجبه عن شجرة الحياة. من يجول بين الناس في الشوارع، فإنه يتحرى انتشاءاً أبدياً. ربما أبالغ في تقديري إذا قلت: الشارع هو الاسم الثاني للحياة وعبره يمكن أن نفهم شباب أمة من هرمها.

2- المهمة المتبقية:
المهمة الوحيدة المتبقية التي لم ينجزها الإنسان في العالم: هي الإنسان.

3- قلعة كافكا:
مثل قلعة كافكا التي لم يفهم القرويون سحرها وغموضها وسرها نقف مشدوهين أمام عالم خرج عن طوره وبات مزهوا بنفسه بلا رجعة. اللا معنى هو بيتنا الأخير. قلعتنا الأكثر انحطاطا وغموضا وتماسكا.

4- الرواية:
الرواية هي العدم في أقصى أشكاله. سكن نهلستي لعالم لم يعد يفهم ذاته. بعد عقدين من الآن سيبدو من المبتذل قراءة رواية، أتعلمون لماذا؟. لأن هذا العالم بات بحاجة إلى حقائق وليس إلى عزاء.

5- الشاشة كـ جريمة مرة أخرى:
عبر الشاشة نصل إلى مرحلة خاصة من مراحل تطورات الصورة. يتعلق الأمر بالسطح المشكل اصطناعياً. وجود مصاب بقشعريرة دائمة. هنا حيث تبلغ المغالاة في تزويق السطح وتجويف العمق، أو في تجويد الخارج وطرد الداخل، أو في تلميع البراني وتمييع الجواني، حداً يصل إلى نسف بنية الموجود ذاتها. هكذا تتناثر البنى من شدة التماسك، وتنهار كل الألعاب المعرفية والجمالية والانطولوجية في نهاية المطاف فوق قواعدها. أو هكذا، حيث تغدو الذات هي صورة الذات، وتغدو الإنسانية برمتها هي صورة الإنسانية. مجرد فائض بيولوجي أو زائدة لحمية لعمود فقري مصنوع من الكرستال الصقيل والمشع. كل ما نود أن نفعله هو أن نرى تعاقب صورنا. أن نواكب تتالي انعراضنا الكلي على شاشاتنا وشاشات العالم. أليست هذه ظلاميتنا الجديدة؟. أليست هذه غيبيتنا وغيبوبتنا الما ورائية المحلاة بالضوء وفائض السطوع والبروز؟.
بلا حرز، ولا جيوب، ولا طيات، ولا طمائر، ولا ظروف بريدية. لقد غدا العالم بلا ثنيات تدخر خلفها ولو جزءاً يسيراً من المعنى أو السر. هل بوسع عالم كهذا أن يرى شيئاً؟ هل بوسع مجرد اللعب الحر بالصور أن يحرر البشر ويفتح لهم أفقاً جديداً؟ ربما بات السؤال نفسه نوستالوجياً وطوباوياً في عالم بلغ من الغطرسة والشطط حداً أصبح فيه الأفق ذاته يحتاج إلى أفق. ربما في عالم خلا من الألعاب المقدسة لم نعد نحتاج إلى جسر للمرور إلى الضفة الأخرى فكل ما نحتاجه هو صورة للأفق، صورة للحب. صورة للذات. صورة للجنس. صورة للموت. صورة للجحيم. رب عالم بات يتطهر بالصور من الهاوية/الكارثة.
مؤثر وحزين ومخيف أن تعرف الدمية ذات يوم أنها كانت مجرد دمية تتحرك تبعا لخيوط تمسك بها وتتحكم بمجمل حركاتها وأشكال وجودها. المخيف أن على الدمية أن تقوم بقطع كل الحبال التي تصلها بالقوة التي تهبها الحركة وتمنحها الوجود. لكن المفزع بالفعل، هو أن تعلم الدمية أن إعلانها لحريتها هو في نفس الوقت إعلانها لموتها المحتم. هذا تماما حالنا مع الشاشة. أن نكون جزءا من لعبتها وغوايتها وسلطتها وخيوطها التي تتلاعب بنا. هذه السلطة التي تفرض على الجميع أن يكونوا في مركز الدوامة، دوامة الصور والبث الحي. كل واحد فينا يحاول العثور على خيط أو مكان يربطه بواقع كلي القدرة. إن كل واحد فينا يبحث عن شاشة تحركه وتدعم وجوده أو لا وجوده وتشل كل قدرة لديه على رؤية العالم من حيث هو. هنا تغدو الشاشة هي العالم. أو لأقل: هنا تغدو الشاشة صندوق باندورا الأسطوري حيث كل الشرور والآثام رهينة بفتح الصندوق/ صندوق الشاشة. لكن الرهان لن يكون هذه المرة غضبا للآلهة جراء فتح الصندوق، بل غضب ما فوق الواقع حيث سيتسرب الواقع من الصندوق رويدا رويدا ليحل محله غضب من نوع خاص. إنه غضب الصورة. سلطة الصورة. جهنمية الصورة. هذا هو الحنق الفعلي للآلهة الجديدة، حنق الهايبريالي الذي تحول إلى سلطة معممة وبات يدرج في الواقع ما كان يوجد فقط في الأحلام.

6- منزل يتهاوى:
عندما ينخر التعفن والتفسخ ذاتاً ما، فيجب إتلافها كلياً..نحن لا نرتب، ولا نزيّن منزلاً يتهاوى.

7- ما هو الموت:
الموت حيث لا يوجد درب يؤدي إلى الينبوع..

8- البشرية تغير جلدها:
إن كلمات من قبيل: بيت، أو كوخ، أو عمارة، أو منزل، أو مكان، أو أرض، أو حتى وطن، كلمات طمأنينة، ودفىء وتجذر. وكلمات كثيرة غيرها، صار مجرد تردادها مدعاة للسخرية والضحك في عالم اليوم. عالم المدن الرقمية، والافتراضية، عالم البنايات الشفافة، والصقيلة، عالم العمارة السائلة، هنا حيث يتم لأول مرة البحث عن نبتة الخلود بعيداً تماماً عن مكان وجودها. نحن شهود على إنسية مدهشة ومخيفة في آن. إنسية استطاعت القفز فوق ذاتها، وفوق تاريخها وعلومها عبر بضعة عقود من السنوات. الميتات في كل مكان. موت الإنسان، وموت التاريخ، وموت الفن، وموت الذات، وموت الواقع، وهلمجرا. نحن شهود عيان على إنسية وجدت نفسها على حين غرة مطالبة بتغيير جلدها بالكامل. من ثقافة الحراري، إلى ثقافة النووي. من ثقافة العظام إلى ثقافة الفضاء. من ثقافة المطرقة إلى ثقافة اللمس والتحكم عن بعد.

9- العادات السيئة:
فهم العالم هو أيضاً، عادة سيئة.







اخر الافلام

.. لبنان: مصالحة تاريخية بين جعجع وفرنجية خصمي الحرب الأهلية


.. سفيان جيلالي عن استقالة ولد عباس: دخلنا في مرحلة انهيار النظ


.. وزير المالية اللبناني يعلن استنفاد احتياطي الموازنة بشكل كام




.. محمد البخيتي: لا وساطة ولا اتفاق لتسليم ميناء الحديدة


.. إسرائيل: ما هي الأسباب الفعلية الكامنة وراء استقالة ليبرمان؟