الحوار المتمدن - موبايل



معضلة الوعي الطبقي - النموذج المصري

محمود رشيد

2018 / 11 / 8
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


إن أحد أهم المسائل التي يجب معالجتها بإستمرار هي علاقة المادة بالفكر أو الواقع الموضوعي بالوعي والسبب في ذلك أنه مع التغير الدائم لأي بنية إجتماعية وما يصاحبها في التغير في الوعي الطبقي لأي طبقة من الطبقات ( سواء كانت الطبقة الحاكمة أو الطبقات المنتجة أو المهمشة ) يحدث أن يُدرَك الواقع الموضوعي من خلال وعي طبقة ما في صورة تسلسل زمني أو ما يشبه السرد للأحداث المتعاقبة وفق تعاقب السبب والنتيجة أو بمعنى آخر يكتسب التسلسل الزمني للواقع الموضوعي صورة غائية تتسق مع وعي طبقة ما بذاتها وإنطلاقاً من تلك النقظة فإنه حين يتم محاولة تفسير علاقة المادة بالفكر - الواقع الموضوعي بالوعي فإن التفسيرات سواء أكانت ميتافيزيقية "ذاتية" أو ميكانيكية " شبه مادية" ستخرج في نفس صورة النمط التسلسلي الذي يحكم بأسبقية المادة على الفكر أو الفكر على المادة الأمر الذي يتوافق مع المنظور الذاتي الذي يفصل بين الذات والموضوع في الحالتين .
فإذا إنطلقنا من هذا المنظور الذاتي الذي أوضحناه وبالنسبة للحالة المتعلقة بالفلسفة الماركسية فإننا سنقف أمام القضية التالية " الوعي إنعكاس شرطي للمادة " بمعنى أن الوعي الطبقي ينتج الوعي الطبقي إلى ما لا نهاية وسيلزم عن القضية السابقة هذه القضية " الطبقة الثورية تمتلك وعياً ثورياً والطبقة الرجعية تمتلك وعياً رجعياً " .
حقيقةً أننا في مصر على سبيل المثال نجد أنفسنا أمام معضلة ناشئة عن التسليم بهذه القضايا دون القدرة على تفسيرها وبالتالي تجاوزها فبالضرورة كنا نبحث أن أكثر الطبقات ثورية داخل المجتمع المصري وربما بمعنى أدق أكثرها شبهاً - من الناحية الوصفية- بأكثر الطبقات الثورية في المجتمعات الأوروبية في القرن الـ 19 و في روسيا عشية ثورة 1917 وفي هذه الحالة وقع الإختيار على عمال المؤسسات الصناعية المملوكة للدولة في المقام الأول ( القطاع العام ) وعزز هذا الإختيار دور عمال هذه المؤسسات في إنتفاضة الخبز سنة 1977 لكي يكون الرهان على " تراكم " الوعي الطبقي لدى هذه " الطبقة " يؤدي في النهاية إلى الثورة - هذا إن جاز لنا أن نقترح أن تراكم الأحجار فوق بعضها يبنى قصراً –مما فتح الباب للإرتكان إلى العفوية والتركيز على المطالب الإقتصادية ظناً أن التركيز على المطالب الإقتصادية سيفرز وعياً طبقياً من الواضح أننا لم نحاول أن ندرك كنهه ومن الواضح أننا لم ندرك كنه " الوعي" و كنه " الطبقة " وعلاقتهما ببعضهما البعض ومن الواضح أن الطبيعة الجدلية للمنهج الماركسي نفسها تحكم بأن الخطأ النظري المتمثل في التصور الميكانيكي لعلاقة الذات بالموضوع يؤدي لأخطاء متراكمة في النظرية والممارسة للدرجة التي تدفعنا للقول أن التصور الميكانيكي لعلاقة الذات بالموضوع أو المادة بالفكر هي الأساس للكثير من الإنحرافات في النظرية والممارسة .
وبالعودة إلى ما ذكرناه في النموذج المصري فيما يتعلق بالـ " الوعي الطبقي " لدى " الطبقة العاملة " في مصر فإننا سنحتاج بداية لتحديد مانعنيه بالضبط بمفهوم " الوعي الطبقي "
إذا فككنا الوعي الطبقي
بالنسبة لمقولة الوعي : هل يمكن وضع وجود الفكر إزاء المادة وجوداً منفصلاً ؟ أم أن الوعي هو إنعكاس الواقع الموضوعي على دماغ الإنسان مروراً بمعالجة الدماغ نفسه لهذا الإنعكاس مما يشكل علاقة الإنسان بالواقع المادي ؟
الأقرب للصواب هو إعتبار أن الوعي ليس فقط إنعكاساً للمادة بل هو علاقة الإنسان بالواقع المادي تأثيراً وتاثراً واي فصل بين المادة والفكر قد يقودنا للمثالية
وبالنسبة لمقولة الطبقة : هل الطبقة فقط مجموعة من الأفراد يسألون عن نصيبهم من الناتج الإجتماعي ؟ هل يمكن وضع تعريف للطبقة المجردة بمعزل عن وضع طبقة ما في علاقة الإنتاج مع طبقة أخرى ؟ وتتأثر صورة هذة الطبقة بوضعها في علاقة الإنتاج
إذا سلمنا بأن الوعي هو علاقة الإنسان بالواقع المادي - أي أن اي فعل يتوسطه فكر - فإن وسائل الإنتاج التي يرتكز إليها نمط إنتاج ما هي ليست فقط أداة صماء بل إن الأداة وطريقة إستخدامها تتضمن الخبرات المكتسبة التي أدت إلى صنع هذه الأداة وتحديد كيفية إستخدامها .. فإستخدام أداة الإنتاج تتضمن إعادة إنتاج خبرات بشرية واعية وهذا ينطبق على أدوات الإنتاج من المحراث الى لوحات التحكم الإلكتروني بالمصانع
وإعادة إنتاج الخبرة المكتسبة هنا يساهم في تنميط وعي طبقة ما بالتضافر مع موقع الطبقة من علاقات الإنتاج وتناقضاتها مع الطبقات الأخرى
أي أن الوعي الطبقي : هو محصلة علاقة البشر - أفراد وجماعات - بعملية إعادة إنتاج البشر لواقعهم من حيث كون عملية إعادة الإنتاج هذه تتضمن إستخدام أدوات الإنتاج " الذي يعني إعادة إنتاج خبرات واعية " وذلك من خلال علاقات الجماعة البشرية ببعضها بحكم إختلاف المواقع داخل نمط الإنتاج والمبني على تقسيم العمل الإجتماعي ..
والآن إن أردنا الإنطلاق من التعريف الذي قمنا بصياغته للوعي الطبقي ككل إلى الجزئية المتعلقة بـ " الطبقة العاملة " المصرية و ما ينتظر منها من تطور " الوعي الطبقي الثوري " أو بالأدق العاملين بالمؤسسات الصناعية المملوكة للدولة هل هي طبقة عاملة بمعنى أنها مجبرة على بيع قوة عملها للبرجوازي الصناعي بنفس نمط العلاقة الكلاسيكية الأوروبية التي تربط البرجوازية والبروليتاريا بالصورة التي تدفع بها البروليتاريا إلى التناقض مع البرجوازية كما أشار كارل ماركس وذلك ليس فقط نتيجة تناقض المصالح الإقتصادية بل ناتج وعي البروليتاريا بأنها صاحبة المصلحة في تطور نمط وأدوات الإنتاج في حين تقف البرجوازية في طريق هذا التطور ؟
القطاع العام في مصر من جهة كونة يشتمل في الأغلب على مؤسسات إنتاجية مملوكة للدولة يمكن توصيف علاقات الإنتاج التي تحكمه بأنها أقرب لصيغة تقاسم التوزيع وفي حين أن هذه المؤسسات لم تقطع شوطاً طويلاً في فك الإرتباط مع المركز الراسمالي بل وإنخرطت في مزيد من التبعية للسوق العالمي وذلك بإستيراد التقنية فيمكننا كذلك أن نضيف أن إستيراد التقنية بدلاً من تطويرها قد أثر في الوعي الجمعي داخل هذه المؤسسات بالشكل الذي يرجح قوة رأس المال على حساب قوة العمل وذلك حتى في وعي " العامل " نفسه مما جعل " التناقض " بين العمال والإدارة منحصراً في كيفية التوزيع , بمعنى أدق في إنحصر التناقض في القضايا الجزئية المطلبية الأمر الذي أفسح المجال لصعود الإنتهازية النقابية في النقابات التابعة أصلاً وبتضافر الإنتهازية مع السماح لمؤسسات التمويل الخارجي التي تركز على المطالب الإقتصادية الجزئية لم نحصل إلا سوى على مزيد من الإنتهازية سواء في صفوف " الطبقة العاملة " أو " اليسار " " المتضامن " مع هذه الطبقة .
ولأن الطبقة ليست مجموعة متراصة من الأفراد لا يجمعهم سوى البحث عن نصيبهم من الدخل في الناتج الإجتماعي فلنأخذ مثلاً أي منشأة صناعية سواء كانت مما تبقى مملوكاً للدولة أو للقطاع الخاص ( مبدئياً سنلاحظ أنه على مدى العقود الماضية إنخفضت نسبة العمالة في المنشآت الصناعية بشكل واضح جداً ) فإن عمال منشأة ما لا يقيمون في أحياء عمالية مجاورة لأماكن عملهم بل أن على العامل بمنشأة ما أن يقيم في مدينة وإن كانت مقسمة سكانياً على أساس مستوى الدخل إلا أن الإنتماء لطبقة " بمعناها محصلة تضافر علاقات وأنماط وأدوات الإنتاج "ليس السمة المحددة التي تجمع سكان منطقة ما فمن الطبيعي جداً في الوقت الراهن أن يسكن العامل في منطقة تجمع الحرفيين والطبقة الوسطى وصغار التجار والمقاولين , في هذه الحالة ما إمكانية أن تتشكل هوية مشتركة للعاملين بمنشاة صناعية سيكون على كل فرد منهم أن يعود إلى منزله ليتأثر بكل أنماط الإستهلاك من حوله ؟ بالتأكيد الإمكانية بالغة الضعف حيث أنه بحكم تأثير الأنماط الإستهلاكية سيتعزز في وعيه التركيز على المطالب الإقتصادية الجزئية اليومية وبالضرورة تعزيز الإنتهازية وبالتالي إعاقة تطور الوعي الطبقي .
بالتأكيد لم يؤد " تراكم " الإحتجاجات المطلبية إلى تطور الوعي الطبقي – وهذا واضح في مصر بالعين المجردة – وكذلك لم يؤد الضغط الإقتصادي إلى الثورة . إذ كان الأولى أن تنفجر الثورة في هذه الحالة في أمريكا أثناء أزمة الكساد الكبير مثلاً أو الأزمة الإقتصادية التي عصفت بجمهورية فايمار في ألمانيا هل تطور الوعي – بصورة عفوية – إلى وعي طبقي ثوري أم إلى نقيضه ؟ الوعي الإنساني بصورة عامة بناء مركب بل ومتناقض لا يمكن إختزاله إلى خط تقدمي للامام أو خط رجعي للخلف , في الواقع ان الوعي في أبسط صوره من حيث كونه عملية يجريها الدماغ على كلاً من المؤثرات الحسية والخبرات لإخراج التصور عن الواقع الموضوعي المُدرَك وعن الذات المُدرِكة نفسها في آن واحد (أنا الآن وهنا أدرك الشيء) هي عملية تركيب لصفات الشيء وإستبعاد ما قد يماثل تناقضاً وصفياً أي ما يناقض صفات الشيء وذلك بناءً على الخبرة الواعية السابقة هذه العملية تناقض الصورة الميكانيكية المختزلة للوعي كونه إنعكاساً شرطياً للواقع المادي وبالتالي فإن فرضية أن الضغط الإقتصادي " الجوع" وحده يؤدي لصعود الوعي الطبقي هي فرضية غير سليمة إلى جانب سقوطها في حقل التجربة .
كذلك فإن الطبقة class هي مفهوم أو تصنيف ناتج عن محصلة تضافر علاقات وأنماط وقوى الإنتاج وليست layer شريحة أفقية أي كما ذكرنا ليست مجموعة من فرادى الناس متجاورين بشكل أفقي يبحثون عن نصيبهم في الناتج الإجتماعي ويطالبون به من هو في الشريحة الأعلى وبالتالي ليس ثمة مجال للحديث عن وعي بروليتالي أو ثوري خالص إزاي وعي برجوازي أو رجعي خالص لم يحدث هذا في الزمن الذي كان فيه البناء الفوقي مجرد أداه للسيطرة وبالتأكيد لا يمكن أن يكون هناك مجال للحديث عن وعي تقدمي خالص إزاي وعي رجعي خالص في زمن تحويل الوعي – الثقافة إلى سلعة بالصورة التي تديم أمد البناء الفوقي بالرغم من إنهياره وتفسخه فإن عملية تكوين تصور عن الوعي هي عملية تفكيكية يمكن القول أنه سيجب تفكيك العناصر التقدمية عن العناصر الرجعية داخل الخطاب الواحد .
بناءً على ذلك كله فإنه سيكون من المتعذر بل من شبه المستحيل إمكانية تطوير وعي طبقي لا ندرك كنهه لأننا ببساطة لا نعرف ماهي طبيعة الحامل الإجتماعي لهذا الوعي الطبقي أي أننا لا ندرك النقطة التي يقف عندها الوعي الطبقي حالياً وبالتأكيد لا ندرك النقطة التي نريد نقله إليها لأننا لا نحدد بوضوح القوى الإجتماعية التي نمثلها أي أن تصور الذات لنفسها هنا مشوش وربما غائب وبالطبع هذا التشوش منسحب على تصورنا لواقعنا الموضوعي .
قد يبدو هذا الإقتراح غامضاً وميتافيزيقياً لكن كما تم الإثبات فإن الخلل في إدارك الذات والموضوع وعلاقتهما ببعضهما البعض هو الأساس لكل الإنحرافات في النظرية والممارسة .







اخر الافلام

.. حركة نداء تونس..محاولة لرأب الصدع


.. 7 BONUS Kshama Sawant at Socialism 2018


.. إدانة مسؤولين سابقين اثنين من الخمير الحمر في كمبوديا بالإبا




.. المؤبد لأكبر زعيمين من الخمير الحمر بتهمة -الإبادة-


.. بعد 40 عاما.. إدانة مسؤولين سابقين بالخمير الحمر بتهمة الإبا