الحوار المتمدن - موبايل



لمحات من التاريخ السياسي للأزهر (الجزء الثاني)

سمير زين العابدين

2018 / 11 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


الأزهر في عصر مبارك :-

في عام 1982 عيّن الرئيس مبارك الشيخ (جاد الحق علي جاد الجق) شيخا للأزهر, الرجل كان علي علاقة طيبة بالرئيس, فهو من توسّط له في دخول الكلية الحربية قبل 34 عاما, ورغم حالة الانفتاح الديني وتعدد الجهات التي تتحدث باسم الدين الا أن الأزهر كمؤسسة رسمية ظل تحت سيطرة النظام, ومن خلاله يتحدد دوره السياسي.
وبالفعل كان الأزهر داعما للنظام, الا في بعض القضايا الفرعية التي لم تشكل إزعاجا, مثل معارضة فتوى المفتي التي أجازت أرباح (فوائد) شهادات الاستثمار البنكية, وأصدار بعض الفتاوى المحافظة فيما يتعلق بوضع المرأة.
وفي إطار سعيه للإستقلال, سمح جاد الحق لمجمع البحوث الإسلامية بممارسة الرقابة على الفكر العلماني, وبدأ (حرباً ضد العلمانية), كما كانت هناك حربا خفية بين شيخ الأزهر والمفتي (الشيخ محمد سيد طنطاوي) في حينها, وأصدر بنفسه فتاوى تعارض فتاوى طنطاوي, التي اعتبرها تلبي رغبة الحكومة معارضة للشرع, مثل فتوي فوائد البنوك, ولم تنته هذه الحرب إلا مع وفاة الشيخ جاد الحق في 1996.

شهدت الثمانينات والتسعينات عدة ظواهر رئيسية هامة كان لها أكبر الأثر علي الدور والأداء السياسي للأزهر.
الظاهرة الأولي: هي توسع وانتشار الحركات الإسلامية والقنوات التليفزيونية الدينية ( بدأت من منتصف السبعينات), وتحدي هؤلاء (الإسلامويون) من غير الأزهريين الشرعية الدينية للأزهر بطريقة مباشرة وعلنية, وأصبحت لهم شعبية لا يمكن إغفالها.
الظاهرة الثانية: كانت تصاعد العمليات المسلحة التي تقوم بها الحركات الاسلامية المتطرفة (بدأت أيضا من منتصف السبعينات) ودخول النظام في مواجهة أمنية شديدة ضدهم, والحاجة الي مواجهتهم فكريا ودفعهم الي التراجع أو (المراجعات)
الظاهرة الثالثة: هو تنامي الدور السياسي للإخوان المسلمين منذ أن أطلقت أياديهم بواسطة السادات, وانتشارهم داخل المؤسسات الدستورية, والنقابات المهنية, والجامعات بما فيها جامعة الأزهر, وتطوير التركيب التنظيمي للجماعة والتوسع فيه حتي مستوي القرية والمدينة.
الظاهرة الرابعة: كانت بدء الصحوة التنويرية والعلمانية, علي يد عدد محدود من المثقفين, أصحاب الفكر الحداثي المتطور, ونقدهم للتفسيرات الفقهية القديمة, والدعوة لفصل الدين عن السياسة, وهو ما اعتبره الأزهر تهديدا مباشرا لسلطته السياسية الدينية التي مارسها عبر عدة قرون, بدعم من الأنظمة الحاكمة.

وكنتيجة لهذه الظواهر فقد الأزهر الطبيعة الاحتكارية للدين, وتحوّل إلى هيئة تعددية متنوعة, تتنافس الآن مع علماء دين آخرين في (السوق الدينية), وأصبحت فكرة احتكار الأزهر للتفسير الديني محل جدل.
انعكس ذلك بشكل مباشر علي رجال الأزهر وبدلا من التوحد في مواجهة تلك التحديات, انقسموا فيما بينهم واختلفت أهدافهم وتوجهاتهم.

حاول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق إستعادة الاستقلال المسلوب, فقامت السلطة السياسية باستخدام دار الإفتاء كثقل موازن لشيخ الأزهر, وبعد وفاته في 1996, شرعت الدولة في إحتواء الأزهر على نحو أكبر, عبر اختيار شخصية تتماشى مع سياستها العامة, وتعيين شيخ للأزهر يعبر عن مواقف السلطة السياسية, فعيّن المفتى محمد سيد طنطاوي شيخا للأزهر، وهو المعروف عنه مواقفه المؤيدة للنظام, فضلا عن القيام بتحييد الأصوات المعارضة داخل المؤسسة الدينية, وفي مقدمتها جبهة علماء الأزهر حيث تمكن النظام من تقليص دورها إلى مجرد موقع على شبكة الإنترنت
استخدم الأزهر من أجل محاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة, وهو ما وجده علماء الأزهر فرصة جيدة للعودة مرة أخري للساحة العامة, وأصدرت البيانات للدفاع عن ممارسات الحكم, يدافعون فيها عن موقف النظام, والموقف من إقامة الحدود الإسلامية, ويقومون بانتقاد الجماعات الإسلامية المتطرفة, مقابل المزيد من المساحة والحركة في المجال العام, ويذكر أن دوره في ذلك كان هامشيا وغير ذي تأثير فعّال, حيث كان الدور الرئيسي لأمن الدولة, وأجهزة الأمن.

كما قام الأزهر بمهاجمة كل من يدعوا إلى العلمانية والليبرالية وتكفيره, مثلما حدث مع الدكتور فرج فودة, في الندوة التي عقدت بينه وبين الشيخ الغزالي عام 1992, والتي على أثرها تم إغتيال الدكتور فرج فودة بدعوي أنه كافر يريد فصل الدين عن الدولة والسياسة.
وفي معرض الكتاب 1992 قامت لجنة من مجمع البحوث الإسلامية بالتفتيش, وصادرت بنفسها, خمسة كتب لمحمد سعيد العشماوي, وكتاب (قنابل ومصاحف) لعادل حمودة, وكتاب (خلف الحجاب) - موقف الجماعات الإسلامية من قضية المرأة - لسناء المصري.
كما تعرض كتاب (الخطاب والتأويل) لنصر حامد أبوزيد للمصادرة, بقرار من مجمع البحوث الإسلامية في 27/11/2003, وكان قد صدر حكم قضائى بتكفيره وتفريقه عن زوجته ابتهال يونس فى منتصف التسعينيات من القرن الماضى, بدعوي أقامها المحامى نبيه الوحش والشيخ يوسف البدرى, ومنذ ذلك التاريخ ظل منفيّا فى جامعات هولندا, وعجزت أية جامعة عربية عن استقباله عضوا فى كادرها التدريسى.

تغير حال مشيخة الأزهر إلى النقيض في عهد الشيخ محمد سيد طنطاوي, فعرف بمجاراته للسلطة السياسية في مواقفها, وتراجعه عن أي رأي أو فتوى كان قد أصدرها, إذا لم تلق قبولا لدى السلطة وكثيراً ما كان يصرّح (طنطاوي) أنه موظف في الدولة.
وجهت للشيخ طنطاوي انتقادات شديدة -خاصة من وسائل الإعلام- وصلت إلى حد المطالبة بعزله, لإتخاذه مواقف أعادت طرح سؤال استقلالية مشيخة الأزهر عن السلطة, ومن أبرز تلك المواقف:

إصداره فتوى تدعو لـ"جلد صحفيين" في 8 أكتوبر 2007 بسبب نشرهم أخبارا تتحدث عن مرض الرئيس حسني مبارك..
وسكوته عن تزوير الانتخابات والتعذيب في أقسام الشرطة وقضايا أخري
وفي يوليو 2009 شارك شيخ الأزهر في مؤتمر حوار الأديان الذي عقد بكازاخستان وشاركه الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الجلوس علي المنصة بعد أن تبادلا التحية مصافحة مما أثار موجة غضب داخل مصر وصلة لحد المطالبة بعزله.
وقد اطلق عليه معارضيه "إنه ارتدى قبعة الأمن وخلع ثياب المشيخة".

بوفاة الشيخ محمد سيد طنطاوي في 19 مارس 2010، اختير الدكتور أحمد الطيب، الذي كان عضواً في لجنة سياسات الحزب الوطني, شيخاً للأزهر خلفاً لطنطاوي, وقد حث (الطيب) الخطي نحو لمّ شمل المؤسسات الدينية تحت قيادة مشيخة الأزهر.



الأزهر وثورة 25 يناير :-


مع اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011, تلخص الموقف الأزهري في الدعوة لوجوب سلمية المظاهرات, مع تأكيد الثقة في القيادة الحكيمة للرئيس مبارك والقيادات الأمنية, كما كان موقف شيخ الأزهر معارضا للثورة, وقد حرّم العديد من علماء الأزهر ما أسموه (الخروج على الحاكم) وطالبوا شباب الثورة بالرجوع إلى منازلهم, غير أن أعدادا كبيرة من علماء وطلاب الأزهر شاركوا فيها حتى نجحت في إسقاط النظام.

رأي الأزهر أن هذه الفرصة ربما تكون الأفضل لفك قيود تحرره من قبضة النظام الذي ظل مهيمنًا عليه منذ 1952, ففي يونيو 2011 شارك الشيخ أحمد الطيب مع عدد من المثقفين والسياسين في أصدار ورقة من إحدى عشرة نقطة حول مستقبل مصر أطلق عليها (وثيقة الأزهر), والتي كانت تضع رؤية تلك المجموعة في خارطة الطريق والمبادئ التي يرون أنها سوف تعيد بناء مصر قوية, وضغطت الوثيقة أيضاً من أجل استقلال الأزهر عن سيطرة الدولة.

وفي يناير 2012 قام المجلس الأعلي للقوات المسلحة بتعديل قانون اختيار شيخ الأزهر ليصبح بالانتخاب بدلا من تعيينه من قبل رئيس الجمهورية.

كما نجح الأزهر في اقناع الجمعية التأسيسية لوضع دستور 2012 ليحقق بعض الاستقلال السياسي فنص الدستور علي أن الأزهر هيئة إسلامية مستقلة قائمة بذاتها تختص وحدها بالقيام على كافة شئونها, مجالها الأمة الإسلامية والعالم كله, وتقوم على أمور الدين والدعوة ونشرها, ويكون رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر مرجعاً للدولة فى كافة الأمور المتعلقة بالشريعة طبقاً لمذاهب أهل السنة والجماعة.

وفي دستور 2014 نجح الأزهر في تحقيق المزيد من الاستقلال السياسي ودعم مركزه الديني, فنصت المادة الرابعة علي أن الأزهر هيئة إسلامية علمية مستقلة, يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه, وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية, ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم, وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه, وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل, وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء.

وهكذا نجح الأزهر في استغلال حالة الفراغ السياسي في أعقاب ثورة يناير, لإستعادة استقلاله السياسي الذي حرم منه بواسطة عبد الناصر, الا أنه لم يحقق استقلاله المالي.

ولما تولى الإخوان الحكم كان الأزهر مثله مثل بقية عناصر ومقومات الدولة يشعر بالقلق حيال حكم الإخوان المسلمين, حيث كان يرى فيهم مصدرا لتهديده, خاصة وأن الكثير من العاملين بالأزهر وأساتذته كانوا أعضاءا في الجماعة أو موالين لها ومتعاطفين معها.

كان هؤلاء الموالين ضيوفا دائمين علي القنوات الدينية ذات الاتجاه السلفي مثل "الناس" و"الرحمة", والتي كانت تدعم حكم الأخوان, وكثيرا ما سببوا احراجا للأزهر ووسطيته, في ظل فوضي الإفتاءات الشائعة في هذا الوقت, ومثال ذلك فتوي الأستاذ في جامعة الأزهر محمود شعبان, الداعية إلى اغتيال قادة المعارضة في "جبهة الإنقاذ الوطني".

وبالفعل حاول الأخوان السيطرة على الأزهر من خلال تعيين الموالين لهم فى المناصب المركزية والأساسية فى الأزهر, جامعا وجامعة, وبدأت رحلة الصراع مع شيخ الأزهر نفسه رغبة فى إزاحته, لكن مثقفين وحركات مدنية شكلت جبهات للدفاع عن الأزهر فى وجه الإخوان, حتى تم إسقاطهم عن الحكم قبل أن يتحقق لهم ما أرادوا.


دور الأزهر في ثورة 30 يونيو 2013 وما بعدها :-


حاول الأخوان المسلمين زعزعة الاستقرار داخل جامعة الأزهر بكل الطرق, من خلال إثارة الفتن والاعتصامات داخل الجامعة وفي محيطها, كما حاولوا إلحاق الأذى بالطلاب عن طريق دس السم لهم في الطعام الذي كانوا يتناولونه داخل الجامعة لإحراج الأزهر.

ولهذا جاءت مواقف الأزهر تجاه الأخوان مغايرة فإبّان عهد مبارك أفتى الأزهر بعدم جواز الخروج على الحاكم في التظاهرات وغيرها, وتبدلت الفتوى في عهد الإخوان بجواز الخروج بسلمية, وهو ما مهد الطريق لثورة الثالث من يونيو والذي كان فيها الأزهر أحد أبرز أضلاعها.

كان حضور شيخ الأزهر ومشاركته في بيان 3 يوليو 2013 الذي ألقاه الفريق أول عبدالفتاح السيسي حينها، بجانب بعض ممثلي القوى المدنية والسلفية وبابا الكنيسة, يعكس توافق ودعم المؤسسة للتوجه السياسي الجديد, وبرر الطيب هذا التصرف بأنه اختار أخف الضررين.

اصبح الأزهر الآن يتمتع بإستقلالية سياسية وأصبح شيخ الأزهر محصنا من العزل بنص الدستور, ويستطيع البقاء في السلطة طويلا, وهو ما سينعكس علي مواقفه فيما بعد وفي ظل ظروف وأحداث مؤثرة.

تحول الأزهر, الجامع والجامعة, الي ساحة جديدة للصراع, مع سعي الاخوان للإبقاء على قضيتهم حيّة بعد تنحيتهم, استنادا علي غضب أعضائها وداعميها من الطلبة والأساتذة والإداريين في الأزهر, وذلك من خلال المظاهرات والإضطرابات التي دارت في فنائه, حين فشل الاخوان في حشد التأييد لهم عن طريق احتجاجات الشوارع.
ورشّ الطلاب جدران المباني برسوم الجرافيتي, تشمل عبارات مهينة للطيب والسيسي, وما أسموه حكم العسكر, واغلقوا مداخل الكليات, وبدأوا الاعتصامات, مما دفع رئيس الجامعة إلى طلب تدخل الشرطة, مشعلا غضب الطلاب والأساتذة الإخوانيين الذين يتحدثون عن حرمة الأزهر والمقر الجامعي, وعلت أصوات بعض الاساتذة الذين كانوا يتعاطفون مع الاخوان في صمت من قبل, لكن لم يكونوا يجرؤوا على تحدي قيادة الازهر.

مع تصاعد الأعمال الإرهابية المسلحة تحت ستار الدين وحلم الدولة الإسلامية, وتذرع الإرهابيين بعدد من النصوص المقدسة, توجهت الأنظار تجاه الأزهر بصفته المؤسسة المنوطة بمواجهة هذا الفكر المتطرف, وملء الفجوة العقائدية والدينية.
كان النظرالي إجراءات الأزهر علي أنها ليست علي المستوي المطلوب, فلقد شملت شجب وإدانة هذه الأعمال, واتهامها بأنها لا تمثل الإسلام, وأن مرتكبيها لا يطبقون صحيح الدين, وقد رفض شيخ الأزهر تكفير الإرهابيين, في نفس الوقت الذي واصل فيه رجاله تكفير المسيحيين ووصفهم بالذميين علي وسائل الاعلام.

في 3 يونيو 2015 افتتح شيخ الأزهر (مرصد الأزهر باللغات الأجنبية) لمتابعة ما يحدث فى العالم من مستجدات وقضايا وتحليلها والرد عليها لنشر الفهم الصحيح لتعاليم الإسلام كإجراء مضاد للفكر التكفيري, كما أنشأ لاحقا مركز الترجمة لمخاطبة الرأي العام العالمي, بالإضافة إلى مركز بيت العائلة المصري, وصفت جميعها بأنها محدودة التأثير وغير ذات جدوي بالنظر الي إرهاب مدمر يهدم الدول ويقطع الرؤوس.

أثار موقف الأزهر, الكثير من المفكرين ودعاة التنوير والمطالبين بالتجديد, وانهالت الإتهامات مشيرة الي مناهج الأزهر التي تحض علي التطرف, والقاصرة عن متابعة التطور والتحديث, وغموض موقف علمائه فيما يختص بجديّة محاربة الإرهاب, وفي المقابل كان موقف الأزهر وأساتذته هجوميا منددا بناقديه مهددا بمقاضاتهم, رافضا للتجديد, وانتشر علماؤه في الإعلام يدافعون عن أنفسهم ومناهجهم وفكرهم, ويحتكرون التفسير الديني لأنفسهم, وهو ما تسبب بشكل أو بآخر في إحداث شرخ في الصورة الذهنية للأزهر ورجاله في عقول المصريين.
ثم بدأ الصدام الذي بدا واضحا بين الأزهر المنتشي بإستقلاله, وبين الرئيس السيسي.


الأزهر والسيسي:-


منذ تولي الرئيس السيسي للمسؤولية في 2013 ارتفع معدل الأعمال الإرهابية, وقادت القوات المسلحة والشرطة المدنية حربا قوية ضد المنظمات الإرهابية, راح ضحيتها الكثير من الشباب المقاتلين, والمدنيين من المسيحيين أو المسلمين علي السواء, واتجهت الأنظار نحو الأزهر, فهو الجهة المسؤولة عن ملء الفراغ العقائدي والديني, والمنوط بقيادة معركة فكرية حاسمة لمحاربة الفكر الديني المتطرف, بصفته حامل لواء الإسلام السني في العالم, والموصوف بالوسطية, وفي ذات الوقت هناك من ينظر اليه بعين الشك من المثقفين والتنويريين, لما تحويه مناهجه من أفكار متطرفة, ولما يتسم به علماؤه من المحافظة وعدم التجديد.

تجلي ذلك في توجه السيسي الي الأزهر بطريقة مباشرة يطالبه بتجديد الخطاب الديني, والتصدّي للتفسيرات المتطرّفة للدين الإسلامي, وقطع الطريق علي الأئمة المتشددين المنتشرين في بعض المساجد والتجمعات.

الّا أن الأمور سارت علي نحو يشبه العناد, واحتمي شيخ الأزهر بكبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية, فكلما طلب الرئيس طلبا, اجتمع المجلس وأصدر بيانا يكون جوهره الرفض.

بدأ الأمر أولا بتجديد الخطاب الديني, وكان مطلبا للجميع كما هو مطلب للرئيس في ذكري المولد النبوي 2015, تلقفته وسائل الإعلام, وتجاوزت حد نقد المناهج الدراسية, الي نقد الأزهر ذاته, فغضب رجال الأزهر, وخرج ممثلوه علي الشاشات يدافعون عن أنفسهم, ومناهجهم, وفكرهم, بصور بلاغية كلامية, لم تتطرق لنية التجديد, باعتبار أن الموجود صالح ومجدد, وبشعار جديد (الأزهر باق), وهو ما تسبب بصورة أو بأخرى, في إحداث شرخ في الصورة الذهنية للأزهر ورجاله في عقول المصريين.

ثم جاء ثانيا اقتراح وزير الأوقاف في يوليو 2016 بتوحيد خطبة الجمعة في جميع المساجد وأيدته مؤسسة الرئاسة في إطار الحديث عن تجديد الخطاب الديني, إلا أن هذا المقترح أشعل الخلاف بين الأزهر من جانب, والأوقاف كممثلة عن النظام من جانب أخر, فلقد اعترض شيخ الأزهر على هذا المقترح وهو ما أعتبره المحللون معارضة أزهرية للسيسي ونظامه.

ثم جاءت ثالثا مسألة الطلاق الشفوي والذي طلبه السيسي خلال كلمته في احتفالية عيد الشرطة في يناير 2017, بضرورة إصدار قانون يمنع الطلاق, إلا أمام المأذون, لإعطاء الفرصة للزوجين لمراجعة الأمر مرة أخرى, داعيا شيخ الأزهر للبحث عن حل فقهي, لتقليل حالات الطلاق المرتفعة في مصر والتي تعدت 40%, وهو أيضا ما اعترض عليه الأزهر وأصدر مجمع البحوث رفضا للفكرة, ودعا لإتخاذ التوعية الإجتماعية بديلا لذلك.

يري البعض أن العلاقة بين مؤسسة الرئاسة المصرية والأزهر ليست علي ما يرام, استنادا الي تعبيرات الرئيس حيث قال في حديثه في احتفالات ليلة القدر عام 2016: "فضيلة الإمام كل ما أشوفه اقول له إنت بتعذبني ... يقولّي إنت بتحبني ولا حكايتك إيه؟", بينما في احتفالات عيد الشرطة عام 2017 وجه الحديث لشيخ الأزهر قائلا: "تعبتني يا مولانا", رغم تأكيد الرئيس الدائم علي احترام وتقدير الأزهر.
والجدير بالذكر أنه رغم مواقف الأزهر الرافضة للتجديد الا أنه يدعّم النظام, حيث دائما ما نسمع شيخ الأزهر "الطيب" يشير الي ذلك عبر كلماته, ويتحدث عن النهضة الاقتصادية والصناعية والزراعية والمشاريع الوطنية, ويركز على قضية مطاردة الكيانات الإرهابية, وتأمين مصر في الداخل والخارج من شر هذه الكيانات.

الخاتمة:-

يحاول الأزهر منذ نشأته أن يجمع بين الديني والدنيوي, بين العقيدة والسياسة, حقيقة تنزوي أحيانا, وتظهر واضحة أحيانا أخري, استنادا علي رؤية النظم السياسية, وطبيعة قياداتها, ومنذ 25 يناير 2015 والأزهر يحاول استعادة دوره المؤثر بقوة, بعد أن شهد تقويضا لعدة عقود, وهذا يقودنا الي نتيجة مفادها أن الأزهر يمثل أحد مراكز التأثير علي المسرح المصري, وعلي أصعدة مختلفة وهو ما يدفع الأنظمة الحاكمة المتعاقبة الي استخدامه.







اخر الافلام

.. العراق.. أزمة الحكومة وشراء الوزارات


.. عقوبات إيران.. الزيارة البريطانية والتحذير الأميركي


.. اليمن.. الحل السياسي ومناورات الميليشيات




.. تحالف الأديان لأمن المجتمعات..كرامة الطفل في العالم الرقمي


.. نافذة من إسطنبول- متابعة لآخر تطورات قضية اغتيال خاشقجي