الحوار المتمدن - موبايل



التونسي (عربي مسلم بزندقة)

سلام محمد المزوغي

2018 / 11 / 8
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


الجزء الثالث من الحوار مع صديقتي اللاأدرية.. النقطة الأولى؛ بعض مما يتعلق بالدين..

مشكلة بلدي عويصة جدا أرجو أن يتفطن لها مثقفو دول الجوار لكي لا تقع فيها شعوبهم مستقبلا، التونسي ليس متدينا بالفطرة كما يقال عن المصري، التونسي أقرب لزندقة أبي نواس منه لتدين ابن تيمية، التونسي يرفض سماعك عند نقد دينه لكنه عندما يتكلم يقول دون أن يعي كل ما أردت تبليغه له؛ عن الإسلام يقول لك التونسي مثلا دون أي حرج ودون أن يشعر، أن من يفكر في الزواج من صغيرة منحرف مكانه السجن، تعدد الزوجات ممارسة عصور الجهل، الشريعة لا يمارسها إلا المتخلفون كأفغانستان ودول الخليج.. لكنه لن يقبل أن يحذف بند دين الدولة من الدستور ولا نقاش معه في ذلك. التونسي يتهكم كثيرا على اللغة العربية ولن يقبل بأن تصبح لغة التعليم كما يحلم الاخوانجية والعروبيون لأنه يعي جيدا أنها ليست لغة علم ومعرفة ويقارن المستويات الجامعية التونسية مع كل من يدرسون باللغة العربية في بلدان أخرى فيرى الفرق الشاسع، لكنه لن يقبل بحذف التنصيص في الدستور على أن العربية لغة الدولة أو أن لا يرى لافتات باللغة العربية في مدنه.. التونسي يسخر ويتهكم بل ويحتقر دول الخليج لكنه لن يقبل بأن يقال له أنه ليس عربيا..
تقرؤون كثيرا في هذا الموقع وغيره أن الاخوانجية قد تراجعوا عن مطلب الشريعة وتعريب التعليم إلخ، وكثير من الكتاب يحمدون ذلك للغنوشي وعصابته الإرهابية بل وقد منح الجوائز ومنها نفس الجائزة التي يفتخر بها المسؤولون عن موقع الحوار.. فلتعلموا أن ذلك لا علاقة له بالحقيقة، لأن الاخوانجية قبل أن يكونوا اخوانجية هم توانسة ويعرفون جيدا كيف يفكر التونسي.. هم لم يتنازلوا، هم ليسوا منافقين متقين بل هم يعرفون جيدا أن التونسي لا ولن يقبل بكل ما يقال أنهم تراجعوا عنه، وفي هذا الإطار جمد الغنوشي الكثيرين من "الأغبياء" في عصابته أو من يقال عنهم "متشددين".. التونسي اليوم لن يقبل بأن يمنع الآذان مثلا وأول من سيرفض هو ذلك المنحرف الذي يسكر أو ينشل تحت سور الجامع..
التونسي الذي أكلمكم عنه هو أغلب التونسيين فلا تنخدعوا بانتخابات لم يشارك فيها أحد يقال أن أغلب التوانسة صوتوا فيها للغنوشي والسبسي أو بحفنة صعاليك جعلت من تونس المصدر الأكبر للإرهابيين أو بكمشة غوغاء مخرفة تزعم أن التوانسة شيوعيون أو يمكن أن يهتموا لهرائهم وشعاراتهم الزائفة..
أغلب هذا الشعب صامت، أغلبه "عربي" مسلم بزندقة والزندقة تخص العروبة مثلما تخص الإسلام، أغلبه لا يقبل أي كلام عن الدين ويعيش بثقافة "شبه علمانية" أخطر من ثقافة داعش؛ الداعشي عندك معه أمل أن يسمع ويصدم فيستيقظ أما التونسي فلا أمل معه لأنه أولا لا يسمع وإن سمع فسيقول لك أنه يجمع بين الأصالة والحداثة فهو مسلم معاصر متحضر وليس كغيره من بلدان العروبة إسلام "المتخلفة"؛ فهو قد يصلي وقد لا، وقد يحج وقد لا حتى عندما يستطيع، وقد يصوم وقد لا ولا مشكلة عنده في ذلك لكنه سيقول لك أنه يجب احترام مشاعر غالبية الشعب الصائمة وسيرفض فتح المطاعم والمقاهي في رمضان الذي لا يعني له إلا الشربة والبريكة و "صحة شريبتك" واللمة مع العائلة أو مع الرفاق.. التونسي لا يشرب في رمضان لكنه لا ولن يقبل أن يمنع بيع الخمر طوال السنة لذلك نسي الاخوانجية أسطورة منع الخمور أو حكرها على النزل..
لماذا هي ثقافة أخطر من داعش؟ لأنها ثقافة شيزوفرينية تجمع بين متناقضات لا يمكن التقدم خطوة بوجودها، هي ثقافة معتدة بذاتها ولا يمكن أن تقبل النقد أو أن تعترف بضعفها، فالتونسي يستطيع محاورة الغربيين اليوم في علمانيتهم فيقول أنه اليوم ديمقراطي وعنده انتخابات حرة ونزيهة عكس مصر مثلا، وأنه علماني وقانونه مدني عكس لبنان وسوريا والعراق أين المحاكم الشرعية المتخلفة، وأنه وبالرغم من كل النقائص والصعوبات لم يصل للحرب الأهلية كليبيا وسوريا واليمن ولم يعد لحكم الدكتاتور الواحد كمصر.. التونسي عند محاورته للغربي سيعي جيدا مدى الانحطاط الذي يعيش فيه مقارنة بهذا الغربي، لكنه لن يتراجع عن اعتداده بنفسه بل سيواصل وسيلقي باللوم على ذلك الغربي وعلى نهب رأسماليته ولبراليته وبنوكه وبذلك يعود إلى حضن "إخوته" العربان المسلمين مناديا معهم بنظرية المؤامرة دون أن يرى نفسه مخطئا بل يعتد بنفسه أكثر لأنه استطاع التوفيق بين الأصالة والحداثة عكس غيره من العربان الذين يرفضون الحداثة جملة وتفصيلا؛ التونسي هنا معتد بأصالته والأصالة عنده تعني العروبة-إسلام وأيضا بحداثته التي يفتخر بها على "إخوانه" العربان فيكون بذلك "مسخا" لا يصلح إلا لحياة شيزوفرينية تبعده عن الحداثة التي لم يأخذ منها إلا القشور وتجذبه أكثر فأكثر لأصالته سبب تخلفه وعنجهيته واعتداده الزائف بنفسه..
لطالما تساءلت عن الفرق بين التوانسة وغيرهم من شعوب العروبة إسلام وكان الجواب دائما صادما والحقيقة دائما مرة كما يقال، من يقولون بالهوية الأمازيغية لتونس يرجعون ذلك إلى جيناتنا الغير عربية؛ العروبة-إسلام دمرا أغلب هويتنا لكن القليل الذي لم ينقرض هو الذي صنع الفارق وجعل التونسي أكثر تسامحا في فهمه للدين وأقل اندفاعا وراء القضايا الزائفة للعروبة بالرغم من اقتناعه بأغلبها، ذلك القليل الذي بقى هو دليل على مدى تجذر أصولنا وقوة ثقافتنا الحقيقية بالرغم من الغزو الجرادي والقضاء الكامل على كل ما له علاقة بالأمازيغية من ثنائي العروبة-إسلام بما أن بلدنا كان في مقدمة النحر والتدمير منذ بداية الاستعمار العربي.. هذا الكلام له ما له لكن عليه الكثير، والكثير الذي عليه أرجعه شخصيا إلى بورقيبة الذي فرض بالقوة ما أصبح عند التونسي اليوم ثقافة يفتخر بها على غيره، بورقيبة الذي دق المسمار الأخير في نعش الهوية الحقيقية لشعبنا كان أحسن مثال يمكن أن يفهم به القارئ حقيقة التونسي "المسلم بزندقة"؛ بورقيبة كان يمقت أصولنا الأمازيغية وفي نفس الوقت يترفع عن الهوية العربية المستحدثة دون أن يتبرأ منها أو يحاربها كما فعل مع الأمازيغية، بورقيبة كان يمقت الكثير من الأمور في الدين بل قال عنه الكثيرون أنه كان ملحدا وذلك محال أقلهن لو كان ملحدا ما كان أمر بأن تشيد له تلك القباب الإسلامية التي دفن فيها..
ذلك هو التونسي الذي لا أرى إلا الفناء ينتظره؛ لا هو أمازيغي لا هو عربي لا هو مسلم كغيره من المعربين لا هو حداثي لا هو سلفي لا هو علماني، عيناه عين على شمال المتوسط والأخرى في صحراء نجد والعجيب أنه ينظر لها باحتقار لكنه لا يستطيع عدم النظر إليها.. عبث أن تدعوه إلى فكر أو أيديولوجيا معينة لأنه لن يلتزم..
عليكم أن تفهموا جيدا عقلية التونسي لكي تستطيعوا الحكم على من يشاطركم نفس الفكر وتعدلوا في حكمكم إخوانجية كنتم أم شيوعيين أم عروبيين.. أم ملحدين أم مسيحيين أم .. أم ....







اخر الافلام

.. مأزق سياسي ينتظر قطر بسبب العقوبات الأميركية ضد إيران


.. إيران ولبنان.. عقوبات المطار وتوتر الأجواء


.. ليبيا.. بين فوضى الولاءات وطريق الحل




.. مصر.. خطط التعليم وخطر الدروس الخصوصية


.. تركيا.. فقر الضواحي والقصر الطائر