الحوار المتمدن - موبايل



بلفور بأي حال جئت يا بلفور

حاتم الجوهرى

2018 / 11 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


تمر علينا هذه الأيام ذكرى مرور 101 عاما على تصريح وزير الخارجية البريطاني بلفور بإقامة وطن وكيان سياسي مستقل ليهود أوربا والعالم في أرض فلسطين العربية، والذي عرف عربيا بـ "وعد بلفور"، ويقارن البعض بين بداية المنحنى الذي وضع لبنته بلفور، وقمة المنحنى وذروة عنفوانه الذي وصل له الأمر بما سمى صفقة القرن مع الرئيس الأمريكي ترامب.

بيانان فلسطينيان

ومن جانبها أعلنت حركة التحرير الوطنى الفلسطينى "فتح" في بيان لها يوم الخميس 1 نوفمبر؛ اعتبارها وعد بلفور جناية تاريخية وجريمة اغتيال فى وضح النهار للحقوق السياسية والإنسانية للشعب الفلسطينى، وطالبت بريطانيا بالاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، كبادرة اعتذار عملية عن الجريمة التى ارتكبتها قبل قرن.
أما حركة المقاومة الإسلامية “حماس” فقد دعت بريطانيا يوم الجمعة 2 نوفمبر في بيان لها، للاعتذار العملي عن وعد بلفور الذي مهد لإقامة الكيان الاسرائيلي الغاصب على أرض فلسطين، وذلك بعودة اللاجئين الذين هُجروا من أرض فلسطين التاريخية موطنهم الأصلي، وتعويضهم عما لحق بهم، ودعم حقهم في الحرية والاستقلال.
بيان من جامعة الدول العربية
كما أكدت جامعة الدول العربية في بيان صدر الجمعة 2 نوفمبر، أن ذكرى وعد بلفور ستبقى جرحاً غائراً بالذاكرة والوعي والضمير الإنساني كعنوان لمظلمة القرن، تتجدد بذكراها مشاعر الألم وتنبعث إرادة التضامن مع الشعب الفلسطيني ونضاله العادل، واليقين بحتمية رفع الظلم عنه وإنهاء مُعاناته واستعادته لكافة حقوقه المشروعة الثابتة في أرضه ووطنه بتقرير مصيره وإقامة دولته المُستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
وتأتي هذه الذكرى ولسان حال العرب يقول؛ من مظلمة القرن التي أكد عليها بيان جامعة الدول العربية إلى صفقة القرن التي يريد الرئيس ترامب فرضها على الفلسطينين والعرب بالقوة، يا قلبي لا تحزن. فالمنطقة العربية بالإضافة لمحاولة وأد الحق الفلسطيني في القدس وفي عودة اللاجئين وفي دولة ذات سيادة على حدود ما قبل حرب 1967، تتعرض بمجملها لمحاولة إعادة فك وتركيب وتحديدا في الجزء الآسيوي من المنطقة العربية، حيث بلاد الشام وسوريا وفلسطين وحيث العراق وشبه الجزيرة العربية.

العودة للجغرافيا السياسية
في آسيا العربية

وإذا قارنا بين الجغرافيا السياسية التي شكلت المنطقة وفق الهوى الغربي، وقواه الاستعمارية منذ مائة عام أثناء وعد بلفور في بدايات القرن الماضي، سنجد أن الأضواء مسلطة الآن على المنطقة نفسها، وكأن التاريخ يعيد نفسه بدقة متناهية وغريبة للغاية.
في تلك الفترة ومنذ مائة عام تقريبا قدمت بريطانيا ثلاثة تصورات لتشكيل الجغرافيا السياسية في الجانب الأسيوي من المنطقة العربية، وحتى هذه اللحظة نلمح أثر هذه التقسيمات الجغرافية في بناء الصراع والاستقطابات خاصة في المناطق العراقية والسورية واللبنانية، التي أكدت على فكرة الطائفية والتفكيك مبكرا.
لكننا في البداية يجب أن نوضح هذه التصورات البريطانية الثلاثة التي شكلت الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية في آسيا، والتي قد يحلو للبعض تسميتها بالوعود البريطانية الثلاثة وليس وعدا بريطانيا واحدا كما اشتهر الأمر.

وعد أول

أول هذه الخطط أو الوعود البريطانية الثلاثة التي شكلت جغرافية البلدان العربية في آسيا؛ كانت من مكامهون المندوب السامي البريطاني في مصر لعرب الحجاز وشبه الجزيرة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي، لبناء جيش عربي موالٍ لبريطانيا في مقابل وعد بإنشاء دولة عربية مستقلة تحت قيادته، حيث استغلت بريطانيا التناقض الناتج عن تبني كمال أتاتورك للقومية التركية ومظلة الحداثة، ومحاولة فرضه اللغة والثقافة التركية على العرب المسلمين، لتستميل عرب الجزيرة لجانبها في الحرب العالمية الأولى، من خلال وعد أول شكل المملكة العربية السعودية فيما بعد.

وعد ثاني

أما الوعد الثاني فكان وعدا لفرنسا أو الأصح كان اتفاقية بريطانية-فرنسية باقتسام السيطرة والنفوذ على بلدان المنطقة العربية الآسيوية فيما عرف فيما بعد باتفاقية "سايكس – بيكو".، وهذه الاتفاقية او الوعد البريطاني الثاني هى التي شكلت ملامح الجغرافيا السياسية في العراق والشام حتى يوما هذا، وأكدت هذه الاتفاقية على الجغرافيا الطائفية فيهما حيث كان من نصيب فرنسا الشام الشمالي في سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق، أما بريطانيا فسيطرت على جنوب الشام (الأردن فيما بعد وفلسطين في شكل خاص) وبغداد والبصرة، وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا، حيث لم تكن الأهمية الاستراتيجية للبترول قد ظهرت بعد في منطقة الخليج.

وعد ثالث

والوعد الثالث الذي تمم مخططات بريطانيا للسيطرة على الجانب الأسيوي من البلاد العربية، وتوظيفها لصالح وجودها الامبراطوري ودعمه في العالم، فكان من بلفور وزير الخارجية البريطاني ليهود أوربا ممثلين في آل روتشيلد، بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، يفصل الجانب الآسيوي من الدول العربية عن الأفريقي منها، وهو كان ذروة إدارة التناقضات التي تتقنها الدبلوماسية البريطانية العجوز، حيث تخلصت من ضغط الرأسمال اليهودي عليها في أوربا، وخلقت من خلاله كيانا يستهدف ضرب مشروع العرب في الوحدة بأي شكل قومي أو ديني أو أيا كان.

إرهاصات وإعادة تشكيل

والمدقق في الأمر سيجد أن أمريكا تلعب الآن دور بريطانيا العظمي؛ وتعبث في الجغرافيا السياسية للجانب العربي نفسه في آسيا الذي شكلته بريطانيا منذ قرن من الزمان، في العراق والشام وشبه الجزيرة العربية وفلسطين، في العراق أمريكا تترك الأمور السياسية سائلة لأنها لم تجد وظيفة ملحة حالية له في مواجهة تركيا أو إيران أو في تناقض عربي جديد توظفه لصالحها.
وفي الشام وسوريا تحديدا وجدت أمريكا الفرصة سانحة لتحقق المزيد من النفوذ والتمدد هناك في خضم الثورة السورية، لكن دخول روسيا وإيران على الخطط عرقل المخططات الأمريكية، وما تزال التدافعات قائمة انتظارا لحصول تفاهم بين روسيا وأمريكا. وفي السعودية تتعرض المملكة لضغوظ عنيفة لابتزازها من أمريكا بشكل مباشر، وحتى قبل أن يثار ملف جمال خاشقجي.
وفي فلسطين يكمن الجرح العربي الكبير، بوصول ترامب لسدة الحكم في أمريكا اعتمدت أمريكا مشروع تركيع الفلسطينيين، وفرض كل المخططات الصهيونية عليهم، بإعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كعاصمة لإسرائيل، ورفض حق العودة، ودشنت إسرائيل قانون القومية اليهودية، ليصبح حل الدولة الواحدة تكتيكا بعيد المنال، ويصبح حل الدولتين مجرد حبر على ورق لا يجد أقدام يمشي عليها في أرض الواقع.

لكن يظل للجماهير العربية الكلمة الأخيرة داخل فلسطين وخارجها؛ فرغم أنها تبدو المكون الغائب عن المعادلة طوال الوقت، إلا أن حضورها الموسمي كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بشدة، ويشي بأنه سيأتي اليوم الذي تشق فيه طريقها الدائم والمستمر، لاستعادة روح مستودع الهوية العربية ومتطلبات الدفاع عنه.







اخر الافلام

.. لبنان: مصالحة تاريخية بين جعجع وفرنجية خصمي الحرب الأهلية


.. سفيان جيلالي عن استقالة ولد عباس: دخلنا في مرحلة انهيار النظ


.. وزير المالية اللبناني يعلن استنفاد احتياطي الموازنة بشكل كام




.. محمد البخيتي: لا وساطة ولا اتفاق لتسليم ميناء الحديدة


.. إسرائيل: ما هي الأسباب الفعلية الكامنة وراء استقالة ليبرمان؟