الحوار المتمدن - موبايل



يقظة الرجعية الكردية

صالح بوزان

2018 / 11 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


كتبت عدة مرات أن ليس كل الذين ينتقدون حزب الاتحاد الديمقراطي والادارة الذاتية مخطئون. سواء في المجال الفكري أو السياسي أو الاداري، وحتى العسكري. وأكرر أن أغلب أخطائه حدثت في مجال إدارة المنطقة التي يسيطرون عليها. والسبب في ذلك يعود أولاً إلى عدم امتلاك الخبرة. وثانياً غياب الكادر المهني في هذا المجال. وثالثاً ارتجالية العديد من القرارات غير المدروسة. ورابعاً عدم الفصل بين المهام الحزبية والمهام الادارية. وخامساً، وهو الأهم، شراسة المعارك ضد داعش والكتائب الاسلامية الأخرى ومواجهة عدو بوزن تركيا. هذه المعارك المصيرية وضعت أولويات لا مفر منها. وكما نعرف فإن أغلب الحكومات في العالم تقوم بوضع قوانين استثنائية في حالة الحرب. ومن الطبيعي أن يصدر عن قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب والأسايش قرارات وتصرفات لها علاقة بظرف الحرب، ولا تعجبنا في الظروف العادية. السلطة التي لا تكرس كل شيء في حالة الحرب للمعركة هي سلطة غير مسؤولة ولا تستحق أن يحترمها الشعب.
لكنني أريد تناول المسألة من جانب آخر. صرح قائد وحدات حماية الشعب أننا قدمنا 8000 شهيد وشهيدة خلال معاركنا ضد الأعداء. هل استشهد هؤلاء نتيجة أخطاء القيادة؟ أم أنهم استشهدوا لبسالتهم النادرة في أشرس المعارك مع عدو استهدف الوجود الكردي. ولا سيما أن عقيدة هذا العدو تعتبر الموت طريقاً إلى جناة النعيم.
ماذا يعني هذا العدد من الشهداء؟
إنه يعني انقلاباً في ذاكرة الشعب الكردي. فهؤلاء لم يستشهدوا نتيجة المجازر التي ارتكبها العدو ضد المدنيين، ولم يستشهدوا في سجونه تحت التعذيب، ولا خلال الفرار من أمامه كما حدث في شنكال. بل استشهدوا وجهاً لوجه مع العدو. لقد حطموا سردية الانكسارات الكردية التاريخية. غيروا تلك الذاكرة التي تآلفت مع المراثي الحزينة كما يرويها المغنون الكرد في أغانيهم الشعبية.
ماذا كنا نسمع في تلك الأغاني؟ كنا نسمع: "فعل الروم (الترك) بنا كذا، وفعل الفرس بنا كذا، وفعل العرب بنا كذا". استبدل هؤلاء الشهداء تلك الذاكرة المتوارثة بذاكرة التحدي وعدم الانحناء أمام العدو. سمعنا على لسانهم كلمات لم نأتلفها: "الطلقة الأخيرة أحتفظ بها لنفسي حتى لا يشعر العدو بنشوة أسري". هل يستطيع أي شاعر أن يجسد هذه الارادة شعراً؟
لم نكن نعلم يوماً أن ثمة كرد موجودين بيننا بهذه الارادة. لأننا، وبكل بساطة، لم نكن كذلك. كان أغلبهم من عامة الناس؛ من المعدومين، ومن ماسحي الأحذية وكراسين المطاعم الذين عيرونا بهم أنذل الشوفينيين العرب. كانوا عمال الطورنو والحفارات وبائعي الخضرة. ومن فتيات احتجزتهن العقول الذكورية الكردية الرجعية حبيسات بين الجدران الأربعة بختم ديني لتبيعهن في يوم ما بالمال لعقل ذكوري رجعي آخر. من فتيات قال الأنذال الشوفينيون العرب أنهن كن خادمات لديهم. لم يكونوا أولاد الاقطاعيين والبرجوازيين، والمقتاتين على موائد النظام السوري. كانوا أولاد الكادحين.
رسم هؤلاء الأبطال والبطلات لنا جميعاً؛ نحن الكتاب والمثقفون والساسة ورجال الدين، رسموا لنا طريق الحرية بين أنياب أعداء لم يكن لديهم أية رحمة. لم يكتبوا لنا مقالات كما نكتب، ولا أشعاراً ولا روايات. لكنهم كتب بدمائهم أعظم رواية كتبها الكردي في العصر الحديث. هل سيقرأ المذَلّون الكرد هذه الرواية؟ شتان بين من يستشهد واقفاً وبين من يموت ذليلاً أمام أقدام العدو.
ثمة حقيقة سيعترف بها يوماً ما كل السوريين، والعالم أجمع بأن المقاتلة والمقاتل الكردي خلال كل معاركه بقي نظيف اليد. لم تلطخ سمعتها/سمعته بتلك الجرائم التي ارتكبها النظام السوري وكافة الكتائب المسلحة، والجيش التركي ومرتزقته السوريين في عفرين. لم ينهبوا بيتاً. لم يغتصبوا امرأة، بما فيهن من نساء قادة داعش. لم يقطعوا رأس أحد بالسكين كما قطع داعش رأس الشهم محمد، وجرّوا جسده في شوارع الشيوخ. لم يمثّلوا بجسد مقتول من أعدائهم كما مثّل مرتزقة الجيش الحر بجسد القديسة بارين. من ينكر هذه الحقائق إما أعمى، وإما خارج الحس الانساني.
ما سر هذا التحالف الأسود في الهجوم على الوحدات الكردية، والاستخفاف بشهدائها، وجعل نقد الادارة الذاتية وسيلة للقضاء عليها؟ ندرك أن النقد الأصيل واجب وطني وقومي مهما كان قاسياً. فالسلطة التي لا تجد من ينتقدها ستنزلق بالسهولة إلى التفرد والاستبداد والاستهتار بالرأي العام. هذه حقيقة الشرق. وهذا ما يجب أن يستوعبه مسؤولي الادارة الذاتية وكافة النخب الثقافية والسياسية والمدنية في مجتمعنا الكردي.
لكنني أرى أن ثمة انتقادات وراءها خلفية رجعية. رجعية فكرية ورجعية سياسية وسلوكية. بعضهم ينتقدون الوضع في الادارة الذاتية خوفاً من انهيار العقل العشائري. فهو غير راض عن السيرورة التقدمية التي تجري في المجتمع الكردي. وبعضهم مازال يتحصّن بعائلته وليس بفكر ادعى يوماً أنه يعتنقها. البعض الآخر يشعر بالاستفزاز النفسي لبداية تفكك البنية الاجتماعية الرجعية والصعود المتميز لدور المرأة في الحركة الوطنية والاجتماعية.
لماذا استيقظت هذه الرجعية الكردية من خلف انتقاداتهم؟
كان أغلب هؤلاء المنتقدين يدّعون يوماً أنهم ماركسيون، وفي أضعف الأحوال أنهم تقدميون. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي خلعوا هذا القميص بحثاً عن قميص آخر. لم تكن انتقاداتهم ضد حزب العمال الكردستاني وفيما بعد ضد حزب الاتحاد الديمقراطي بهذا الصخب قبل الثورة السورية. فلماذا اشتد هذا الانتقاد عندما بدأ الحزب الأخير يسيطر على المناطق الكردية ويحميها بالدم . ما هو السر في ذلك؟ يكمن السر في أن هذا الحزب يقوم بنسف المفاهيم الرجعية والمراتبية الكلاسيكية في المجتمع الكردي. لاحظنا كيف رحبت بعض العقول العشائرية والعائلياتية الكردية بدخول داعش إلى المنطقة. لأنهم يحملون نفس الفكر الرجعي الذي يحمله داعش.
ارتعب الرجعيون الكرد عندما وجدوا أن حزب الاتحاد الديمقراطي حول الفقراء والمهمشين إلى طليعة الشعب الكردي في الكفاح الوطني، مقابل تلك النخب الكردية السياسية والثقافية والعشائرية والعائلاتية المتخاذلة. عندما كان هؤلاء الساسة والمثقفون يدّعون تبني الفكر التقدمي، كان ذلك مجرد ميدالة علقوها على صدورهم للزينة والتباهي. لكنهم في واقع الأمر كانوا يتصرفون مثل أي انسان رجعي.
ثمة عائلات كردية في سوريا تغنت بأنها وقفت منذ البداية مع البرزاني الأب والابن، وأنها عائلات وطنية وقومية تاريخياً. أما حقيقة الأمر فكان شيء آخر. كانت هذه العائلات تستغل الشعور القومي لدى بسطاء الكرد من أجل تعزيز سلطتها الاجتماعية. هناك أمر آخر يتعلق برجال الدين الكرد. من يستطيع أن ينكر أنهم كانوا، مثل رجال الدين العرب والمسيحيين، أذناب النظام السوري. كانوا يرتزقون من وراء كيل المديح للأسد الأب والابن. فأحدث حزب الاتحاد الديموقراطي انقلاباً على هذا الصعيد. بدأ يبرز في المجتمع الكردي رجال دين يتمسكون بقضية شعبهم مثل أي سياسي أو مثقف كردي.
كانت هذه السيرورة الثورة الفعلية في كردستان سوريا. فقد حطمت المقاتلة الكردية أصفاد الفكر الرجعي والسلوك الرجعي، ولعبت الدور الأبرز في تحرير المجتمع من براثن الذكورية الكردية والرجعية الدينية. هل يستطيع اليوم أن يستخدم أحد الرجال الكرد كلمة "امرأة" كنقيصة ويتهم بها رجلاً كردياً آخربأنك امرأة. لقد أبدت المرأة الكردية شجاعة عجز عنها الكثيرون من الرجال الكرد، وساسة ومثقفون الكرد.
يلتجئ بعض المثقفين الكرد الرجعيين إلى التاريخ لتبرير خلفيتهم الرجعية المتأصلة. فيخدعون الشبيبة الكردية بأن القبائل الكردية ورؤساؤها ورجال الدين الكرد كان لهم الدور الأبرز في الثورات والانتفاضات الكردية عبر التاريخ. هذا الكلام صحيح. ولكن هناك صحيح آخر لا يدركه هؤلاء الرجعيون. وهو أن كل هذه الثورات والانتفاضات فشلت لأن من كان على قيادتها هم رؤساء القبائل ورجال الدين. هؤلاء الرجعيون غير قادرين ادراك حقيقة كردية. وهي أن العقل القبلي والعقل الديني الكرديين لم يرتقيا يوماً إلى مفهوم الأمة والقومية والدولة.
هل قرأ هؤلاء الرجعيون التاريخ الكردي بإمعان؟
لنظر إلى تاريخنا القديم. إلى ذلك التاريخ الذي يعود إلى ما قبل الميلاد. إلى تلك المرحلة التي كان الشعب الكردي مجموعة قبائل. وأقصد العودة إلى تاريخ الامبراطورية الميدية. وإلى السؤال الأساسي: كيف انتصر الميدون على أعظم امبراطورية في الشرق، وهي الامبراطورية الآشورية، بالرغم من محاولات سابقة باءت بالفشل؟
يورد الدكتور حسن كريم الجاف على لسان المؤرخ هيرودوس المشهور ما يلي: "أهم نصر أحرزه الميديون بقيادة "كي اخسار" "هوخشترا" كان قضاءهم على الدولة الآشورية القديمة حيث قال هيرودوس عن هذا الملك الميدي: هو أول ملك ميدي استطاع تحويل وحدات القبائل الميدية شبه العسكرية المتفرقة إلى جيش موحد منظم واستحدث في فن السوق والتعبئة نظاماً جديداً". *
تصوروا النتيجة المتوقعة لو قبلت قيادة وحدات حماية الشعب بمجيئ بيشمركة روزافا إلى سوريا بهيكليتها المستقلة وتحت الأهداف السياسية التي رسم له المؤسسون؟ أما كانت هذه القوة ستنقسم هي نفسها إلى مجموعة تابعة لعليكو ومجموعة تابعة لبرو وأخرى تابعة لبشار حكيم؟ أما كان سيحدث الاقتتال الكردي- الكردي الذي كان سيستنزف القوات الكردية أمام العدو كما حدث في كردستان العراق أواخر القرن الماضي وبالأمس القريب في كركوك؟
لا يمكن أن تحقق أية قوة عسكرية النصر دون أن تكون موحدة وتحت قيادة واحدة ومرتبطة بقيادة سياسية متماسكة. هذا ما يقوله التاريخ وليس ما أقوله أنا.
في الخاتمة أكرر أن انتقاد الأخطاء والسلبيات بجرأة وطنية وقومية شيء، وأن تجعل انتقاداتك ستاراً لتحقيق أهداف خاصة تخفيها عن الشعب لأنك لا تتجرأ التصريح بها الآن، شيء آخر. وما دام حزب الاتحاد الديمقراطي هو حزب حاكم اليوم فانتقاده ضرورة موضوعية حتى لا يتحول إلى حزب صنمي كما تحولت الأحزاب الشيوعية والقومية في السلطة.
-------------
* موسوعة تاريخ ايران السياسي للدكتور حسن كريم الجاف. المجلد الأول. بيروت – لبنان- الطبعة الأولى 2008. الصفحة 23.







اخر الافلام

.. سر الغموض المرافق للبحث عن الحقيقة في الفيلم


.. كيف تمزق الصين عائلات الإيغور في شينجيانغ


.. الأخبار الكاذبة.. واللقاحات المضادة لها




.. المغرب: ما احتمال تخفيف الأحكام الصادرة بحق قادة حراك الريف؟


.. لماذا أمر التحالف بقيادة السعودية بوقف الهجوم على الحديدة ال