الحوار المتمدن - موبايل



(ريحة البلاد)

سلام محمد المزوغي

2018 / 11 / 11
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


أواصل الحوار مع صديقتي اللاأدرية.. وأتكلم عن الأحلام..

كنت يوما صغيرا، وكنت أحلم ككل الصغار.. ثم كبرتُ، وكبرتْ معي أحلامي لكن أساسها كان واحدا: كثير من الحب، من السعادة ومن القوة لكن في بلدي.. لم أفكر يوما في مغادرته حتى بعد أن وعيت ما فاتني في صغري ولا أزال لا أفكر في ذلك وعذري اليوم أني أين ذهبت سأسمع آذانا وسأرى دينا وعربا..
تستهويني سيبيريا وكثير من الأماكن في الصين، لكني لم أستطع.. علاوة على أني لست الوحيد المريض بهذا الوباء الذي لا علاج له، ولست الوحيد الذي يقرر: علمتها حب البلد وأهله، وعلمتها رفض الدين وحملته وسدنته، ولسوء حظي لم تثر عليّ ولم تصحّح ما عندي من أخطاء.. إن وُجدت.
نختفي وراء أعذار واهية منها أعمالنا، ونحن العالمان أننا لن نذرف دمعة عن التنازل عنها وتركها في البلد الذي تركنا، ونحن العالمان أيضا أننا لن نخسرها في مكان آخر لو غادرنا البلد بل سنعود إليها بعد وقت وجيز.. ولا نزال نتذرع بأعمالنا، مثلما نتذرع بأهلنا وبأصحابنا ونحن منذ زمن غرباء بين حفنةٍ من الرعاع الجهلة..
لكن الحقيقة ليست كل ذاك، بل وباؤنا الفتاك وشعاراتنا الزائفة وأقوالنا التافهة التي عليها لا نزال نحيا كغيرنا من الرعاع الجهلة الكذبة المنافقين: لم أسمع فيروز كل صباح عندما كنت صغيرا ولم أنعم بصوتها "الملائكي" كما يقولون عنه، السيد الوالد لم يكن يسمع إلا أهل البلد "أولاد البلاد"، كان ككل الناس ولم يكن ذلك موقفا أو فكرا لكنه كان تصرفا طبيعيا وببداهة بريئة بعيدة عن كل تحزب أو أدلجة؛ كم كرهت "الأستاذ" الجموسي في صغري وكم ضجرت من أغانيه، وكم قرفتُ من "عم" الهادي الجويني ومن صليحة..
غنّى "الأستاذ" ((رِيحْةِ البِلادْ مَلْطَفْهَا....مَا تِشْبَعْ مِنْهَا يُومْ، وِصْحِيحْ مَا يَعْرَفْهَا....كَانْ اللِّي عَاشْ مَحْرُومْ))*، وغنّي "عم" الهادي ((هَاذِي غُنَّايِةْ حُبِّي....مَكْتُوبَة بِالدَّمْ، دَمّْهَا مِنْ ڤَلْبِي....نَغْمِتْهَا مَزْمُومْ، رُوحِ الفَنِّ العَرْبِي....التَّكْ فِيهَا الآهْ، وِالدُّمْ التَّنْهِيدَة))**، ورقص أبي صباحات كثيرة وهو يدور بأمي غير مكترث بخجلها وبخجلي وغنّى مع صليحة ((بَخْنُوڤْ بِنْتِ المَحَامِيدْ حَدَّه، رَدَّه بِرَدَّه.... وْعَامِينْ مَا يِرْدَعُوشِي بِضُدَّه / آهْ وْطِيعُو لَسْمَرْ، يَا مُسْلِمينْ الله طيعو لسمر.... مَا طَاعَتِ العُرْبَانْ زَيِّ العَسْكَرْ، يَا مُسْلِمِينَ الله.))***.
كان ذلك في منتصف الثمانينات، آخر أيام "الزعيم" "المجاهد الأكبر".. كنت مع "أولاد البلاد" نسخر من الـ KGB ونسمهم بالغلظة والعنجهية، ومنهم كانت صليحة: لا أتكلم عن المخابرات السوفياتية لكن عن الكاف K باجة B وجندوبة G من الشمال الغربي للبلاد، كنا قول عنهم "دزيرية" أي هم أقرب للجزائر منهم لنا، نحن "أولاد البلاد".. كنا لا نحب "البَلْدِيَّة" ونسمهم بالتخنث وقلة الرجولة ومنهم "عم" الهادي و "سيدي" علي الرياحي، أبناء العاصمة.. وكنا "نكره" "الصّْفَقْ" أي الصفاقسية - ونقصد سكان المدينة لا كل سكان الولاية/المحافظة بأريافها وقراها - وننعتهم بالشح وحب المال. أما أهل الجنوب فكنا نضحك من لهجتهم ونصفهم بِـ "الليبية" ونرى أنهم أقرب لليبيا منهم إلينا: نحن "أولاد البلاد" "التوانسة الحقيقيين"، نحن "منبع الرجولة وأصحاب الأنفة والعزة"، نحن "مركز البلاد وبوصلتها"، نحن أهل الوسط "الجلاص والهمامة والفراشيش" (محافظات القيروان/سيدي بوزيد والقصرين)، نحن من يقود الثورات ومن يرفض الظلم، نحن خير خلف لخير سلف؛ أجدادنا الأشاوس أصيلي الصحراء، نحن حملة الدم العربي الأصيل وورثة الشرف والأنفة، نحن الجلاص الورثة الحقيقيين للدماء الهلالية الأصيلة (نسبة إلى بني هلال) ومعنا أبناء عمومتنا الهمامة والفراشيش!
أعود لـ "المجاهد الأكبر"، "الساحلي" (من الساحل، والصفة تجمع ولايات المنستير، سوسة والمهدية).. عندما كبرنا قليلا، قدرناه لكننا لم ننس أنه جعل من مدينة المنستير - مسقط رأسه - مدينة غنية وآثرها على غيرها دون أي استحقاق وخصوصا على وسطنا "العظيم" الذي لم يزده أي شيء مقارنة بالساحل.. حمدنا لبورقيبة قضاءه على الاخوانجية بعد "الاستقلال" كما قالوا لنا وعلمونا أن بلدنا "استقل" وحمدنا الشيء نفسه لبن علي: كل شيء يمكن أن يقبل إلا الاخوانجية، ولم يغب عنا لحظة واحدة ما فعلوه بالجزائر في عشريتها "السوداء" كما سميت مع أننا فهمنا عندما كبرنا أكثر أن الجزائر مثل ليبيا مثل المغرب مثلنا نحن لم يغب عنها السواد يوما منذ أن قدم "أجدادي" بنو هلال ومن قبلهم بقرون بقية الأجداد.
ألخص أو أشرح القليل مما قيل: كانت تلك الثقافة التي تربى فيها أغلب التوانسة إن لم أقل كلهم، زعم بورقيبة أنه قضى على الجهويات لكنه كذب ونهج نفس نهج المستعمِرين الذين سبقوه أي واصل التفرقة بين أفراد شعبه وضربهم ببعض ليستمر حاكما أوحدا وزعيما ومجاهد أكبر، ونفس السياسة متواصلة منذ قدوم الفينيقيين وإلى اليوم.. الجلاص والهمامة والفراشيش لا علاقة لهم لا ببني هلال ولا بغيرهم ممن قدموا من عربان الصحراء..
مأساتنا لخصتنا صليحة - دون أن تدري - في الأغنية التي نقلتُ منها، صليحة الأمازيغية من أب جزائري وأم تونسية غنتْ عن عروس لن تكفِ سنتان لتحضيرها ومحمد رسول الله يقول تزوجها ولو بخاتم من حديد وإن لم تجد فبما عندك من القرآن - كلام الله! -.. أبي لا يزال منذ عرفته "عابدا" لأمي، لم يضربها يوما ولم يهنها بل ظل طوال حياته ممتنا لها لأنها فرضته - وهو الفقير - على عائلتها الغنية لكنه عندما رقص وهو يدور بها طالبها - دون أن يعي - بالطاعة مستدلا بطاعة العربان العمياء كطاعة العسكر..
الأهم من هذا كله أننا شربنا حب البلد وتلك ثقافة لا نزال نفتخر بها إلى اليوم وحتما سنورثها لأبنائنا، لكن الفرق بيننا وبين أبنائنا سيكون شاسعا لأننا كلنا أحببنا بلدا مجهولا غريبا أما أولادنا فسنورثهم حب بلد حقيقي وأصولا حقيقية وإن تسبب ذلك في معاناتهم وفي جعل حياتهم جحيما، سنورثهم الغربة التي غنى عنها الأستاذ الجموسي لكنها غربة تختلف عن غربته.. غربة "أولاد بلاد" في بلدهم الذي هجرهم ونبذهم وارتمى في أحضان مستعمِريه وجلاديه.

............
* https://www.youtube.com/watch?v=-duDs51CIRM
** https://www.youtube.com/watch?v=1Eo5nHBE42c
*** https://www.youtube.com/watch?v=rTrajsirAn8







اخر الافلام

.. قناة العربية - البث المباشر


.. البرلمان الأوروبي ينتقد مصر حقوقيا ويشجب التعاون الأمني معها


.. الحصاد-الشيوخ الأميركي يدينه بالإجماع.. تضييق الخناق على بن




.. من واشنطن-مستقبل العلاقات الأميركية السعودية بعد قرارات مجلس


.. -السترات الصفراء- في إسرائيل تتظاهر ضد نتنياهو في تل أبيب