الحوار المتمدن - موبايل



هيثم عبيد، عبرت حرًّا، وبقينا عبيدًا

أدهم مسعود القاق

2018 / 11 / 14
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


أيّها الأخ، أيّها الحرّ، يا صديق الطفولة والشباب والكهولة، أأرثيك أم أرثي روحي التي تتماوت باحثة عن ارتحال لائق؟
أصحيح أنّي أنعي رجلًا، لم يتوان لحظة عن تنوير مجتمعه، ولم يخف مرّة تحذيره من معالم العدميّة والأميّة الثقافيّة والانحطاط الخلقيّ؟ أم أنعي وطنًا تحوّل إلى قبر على مقاس ساسة جهلة وتجار دماء ووجههم الآخر من جماعات التكفير المأجورة.
ولد المهندس الزراعيّ هيثم حسن عبيد في جرمانا، إحدى قرى الغوطة الشرقيّة في ريف دمشق، 1957م، لأسرة فلّاحية تمكّن أسلافها من انتزاع ملكية أرض الغوطة من الإقطاع العثمانيّ، وبرز من عائلته شخصيات وطنيّة تمكّنت من الإسهام بتحرير الأرض وتوطيد السلم الاجتماعيّ والتعايش المشترك بين أبناء دمشق وريفها برمتهم.
تخرّج هيثم من كلية الزراعة، وتعرّض في أثناء دراسته إلى اعتقال لدى فرع الأمن السياسيّ مع ثلّة من رفاقه الطلّاب، الذين عبّروا عن آرائهم مبكّرًا، في سبعينيات القرن الفائت، ودافعوا عن مصالح الطلبة الجامعيين باعتصامات طلابيّة، ثمّ دعوا إلى حكم وطنيّ ديمقراطيّ لتجنيب الوطن من ويلات الصراعات العبثيّة؛ التي رعاها نظام الحكم حينذاك.
وهيثم حسن عبيد من الشباب الذين أسهموا في تنظيم مظاهرات عدّة في جرمانا منذ سبعينيات القرن الماضي، ومنها: مسيرة طلابية أدانت التدخّل العسكريّ في لبنان، وتلك الأيدي القذرة التي اغتالت الشهيد كمال جنبلاط، ومظاهرة عارمة ضد نظام الحكم السوريّ الذي شرع يهادن إسرائيل على حساب شهداء الأمة إلى جانب أنور السادات وقتئذٍ، كان ذلك في جرمانا، وقبلها مشاركته تحركات طلابية في جامعة دمشق أدانت اغتيال الدكتور محمد الفاضل رئيس جامعة دمشق - آنذاك - الذي اغتاله رفعت الأسد.
استطاع أن يرتقي باختصاصه، الهندسة الزراعيّة، حتى انتدب من وزارة الزراعة إلى مراكز تدريب تابعة لمنظمات دوليّة، أوفدته إحداها في بعثة إلى اليابان، وأخرى إلى ألمانيا، اكتسب منهما الكثير من الخبرات والعلوم، وعاد ليفيض بعلمه على طلابه المتدربين، إلّا أنّه اعترض على مظاهر فساد ورشاوى؛ كان يقوم بها المتنفّذون في وزارة الزراعة؛ إذ إنّه - بشجاعة الرجل الشريف - أذاع فسادهم على الملأ، فما كان إلّا أن تدخّل رعاة الفساد من مخابرات السلطة، فأقالوه من منصبه، ليعيدوه إلى موظّف من دون فاعلية في أبهاء الوزارة،ومن ثّمَّ أصيب باحتشاء في عضلة القلب، عولج، واستقال إثر مرضه من وظيفته، فعاودته الكرّة بعد بضعة سنوات، مما أجبر على إجراء عملية قلب مفتوح.
أنشأ مشروعًا خاصًّا بعيدًا عن السلطة وفاسديها ومخابراتها، فأسّس محلًا لبيع الأدوات الكهربائية في جرمانا، من دون أن ينسى طموحاته بزيادة دوره التنويريّ، فقام بترجمات كثيرة من موسوعات بريطانيّة وكتب علميّة عن اللغة الإنجليزية، جلّها في مجال العلوم، ومن منشوراته ترجمة مهمّة في مجال علوم الفلك المعاصر، وقضايا تتعلّق بنظام المجموعة الشمسيّة، أصدرها على شكل كتاب كبير عن دار رسلان للنشر.
أبى هيثم حسن عبيد أن يعيش على هامش الحياة، كان مصرًّا أن يكون مؤثّرًا في وطن يتهاوى تحت ضربات طائفية السلطة وفسادها وإجرامها، وجهل رجال الدين وتعصبهم وكراهيتهم الآخر المختلف معهم، وانحطاط الشبيحة وسقوطهم في عالم الرذيلة، فاشتغل لزيادة الوعيّ السياسيّ والعلميّ لدى البيئات التي وُجد في أكنافها كلّها، وكان مؤثّرًا على كلّ من كان في حضرته، لأنّه يحسن فضيلة الاستماع للآخرين واحترام آرائهم.
كان رجلًا دمثًا، ابن جرمانا بحقّ، حمل توقًا للحرية وفكرًا تنويريًّا وإيمانًا كبيرًا بالعلم وسيلة للخروج من عتم الواقع المزري، الذي يعيشه مجتمع الدولة المتّسم بالجهل والقهر والتخلّف والفساد، إذ كان هيثم حسن عبيد بمرتبة المنارة لأبناء جيله منذ سبعينيات القرن الماضي، المنارة الكاشفة عن واقع شجّعت عليه سلطة نظام الحكم الطائفيّة؛ التي امتطت رجال التديّن الزائف، وشجعت على انتشار العشائريّة والسلفيّة، وأفشت الفساد والإفساد، حتّى طال أحزابًا سياسية مضلّلة وهزيلة، قياداتها مشبوهة.
أدرك هيثم حسن عبيد - منذ بداية أحداث الثورة السوريّة التي اندلعت في 15 / 3 / 2011م - أهميّة الانحياز إلى الشعب السوريّ الثائر، والوقوف إلى جانب الأحرار، الذين جابهوا سلطة قهرية فاسدة طائفيّة بصدورهم العاريّة وأصواتهم؛ التي شقّت عنان السماء مطالبين بالحرية والكرامة، ولم يكن يخفي مواقفه الشجاعة، بل جاهر بها مرتكزًا على حقيقة انتصار الحقّ في نهاية الصراعات، وإن كانت أجهزة المخابرات السوريّة تعاونت مع شبيحة فاسدين، واعتدت على المتظاهرين السلميين في بداية الأحداث، فإنّ هيثم حسن عبيد من الرجال القلائل الذين انضمّوا إلى تلك المظاهرات، وأدانوا، بل جابهوا تلك المظاهر التشبيحيّة القذرة في مدينة جرمانا وغيرها، ولعلّ إسهامه في تقديم المعونات الإغاثيّة والطبيّة لأحرار الثورة في قرى الغوطة وريف دمشق وحمص وغيرها، وفي أوساط من لجأ إلى جرمانا، بعد أن هدمت السلطة بيوتهم في قراهم وهجّرتهم مجبرين، إسهامه هذا من الفضائل التي تُحسب لابن جرمانا، الغوطة الشرقيّة، ابن دمشق العظيمة ولأهلها البررة في ريفها الماجد، هيثم حسن عبيد.
ستبقى أيّها الجميل حاضرًا في ذاكرة وطنك، مدينتك، أصدقائك، ستبقى روحك التوّاقة للحرية والمعرفة والكرامة ترفرف فوق أحلامنا، نستمدّ منها طاقة لإكمال درب الحرية الذي اخترته.
سلامًا على روحك أيّها الأخ والصديق، بعد إصابتك بجلطة دماغيّة جعلتك تصارع المرض أسابيع عدّة، سلامًا في يوم رحيل جسدك عنّا، في 14 / 11/ 2018م، شهر موت الأحبّة، شهر الأحزان الباقيّة، نعاهدك أن نرفع راية التنوير التي لن تسقط من فوق رؤوسنا ما حيينا.
د. أدهم مسعود القاق، مدير مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر







اخر الافلام

.. الشرطة السودانية تفرق مئات المتظاهرين مع وصول الاحتجاجات إلى


.. الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد في المغرب: الفيدرالية تح


.. فريق الغوص الكويتي.. ثلاثة عقود من حماية البيئة البحرية




.. قيادى ناصرى: لن ينسى المصريين إنجازات جمال عبد الناصر


.. فريق الغوص الكويتي.. ثلاثة عقود من حماية البيئة البحرية