الحوار المتمدن - موبايل



ما اعرفه عن نفسي !..

صادق محمد عبد الكريم الدبش

2018 / 11 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


ما أعرفه عن نفسي !... ما لا أعرفه يبقى
عند الأخر الذي هو مرأتي العاكسة لشخصيتي !..
لا يمكن لأي عاقل أن يرى نفسه وحقيقته دون أن يملك مرأت عاكسة !..
فمرأتنا العاكسة هو الأخر ، الذي يراك بعينه هو وليس بعينك أنت ، فلا يمكن أن نرى عملك جمالك لونك هيبتك ، أمانتك وصدقك ، إنسانيتك وحبك وغير تلك الأمور ، هذه وغيرها نراها من خلال الأخر !..
فعلينا أن نقر بأن الأخر ليس خصما ولا عدو !..
بل مكمل لكياننا وكينونتنا ، وسبب مباشر لاستمرار الحياة وجمالها ومفاتنها ، ويجب الدفاع عن الأخر ، كونه سببا مباشرا لاستمرار وجودنا .
تصور بأنك تعيش في هذا العالم الفسيح لوحدك ومن دون مرأت ؟... كم تكون كريهة ومملة ومستحيلة الحياة ..
فلنحب الأخر ونتحاور معه حوار الضرورة لوجودنا ، وليس حوار الطرشان مثلما يحدث اليوم في عراقنا ، الذين يتحاورون بالرصاص والقتل والتهجير والتجويع والتصادم ، وإنكار حق الوجود للأخر .
خسرت الكثير في حياتي العملية ، والحياة بطبيعتها ربح وخسارة ، نجاح وفشل ، فرح وحزن ، ليل ونهار جميل وقبيح ، حق وباطل ، هكذا هي الحياة ..
ربما لم أكن محظوظ بمعنى لم تحالفني الظروف .. ولكن كنت متفائل باستمرار ولم أيأس أبدا ..
أعتقد بأني صادق في طبعي وفي علاقاتي العامة والخاصة . ..
أشعر بحزن عميق في داخلي !!...
لكن لا أعبر عنه ولا أبديه للأخرين وحتى القريبين مني في كثير من الأحيان ، أستهجن بشكل كبير المجاملة التي تخرج عن إطارها الطبيعي ، التي قد تصل حد النفاق وبعيدة عن المصداقية والمحبة والتعايش .
أحترم من هم قريبين في البيت وفي السكن والمدرسة والحزب وفي العمل ومن جلاسي وأصدقائي ، أدافع عنهم بالعدل وبضمير ومحبة ، أسامح الى حد بعيد ، ولكن إن خرج من عقلي وقلبي وتكررت أخطائه ومسامحتي له ، فأعتقد بأنه لن يعود ثانية وسأتركه الى أبدا .
لست ناجحا في حياتي الخاصة !.. لي زوجة عظيمة وصبورة ومكافحة وتحملت وزر ما تعرضت له كوني شيوعي وهي كذلك من عائلة مناضلة وفية صادقة !..
ويمكن القول بأني فاشل حسب تقديري وتقييمي لما وقعت به من أخطاء ، فقد وقعت بأخطاء جسيمة لعدم اتخاذي القرار المناسب في الوقت المناسب لسوء تقدير وجهل لما واجهني في حينه ( والتاريخ هو ما كان !.. وليس ما يجب أن يكون ) ، ونتيجة لما ذكرت فقد انعكس سلبا على حياتي الخاصة وعلى وضعي النفسي ، وحتى أـثر سلبا على مكانتي الاجتماعية ، وخسرت الكثير نتيجة لتلك الأخطاء وهي ضريبة الحياة ، فالحياة تعاقبك وتقتص منك كونك لم تحسن التدبر والتدبير .
عاطفي أكثر من اللزوم ، أميل الى البكاء لأبسط الأمور ، ولأي حدث أو مشهد يعيشه الأخرين ، وتعرضت نتيجة الإرهاب الذي مارسه النظام القمعي والفاشي للبعث ، الى إصابتي بمرض عقلي ونفسي كلفني وعائلتي معاناة شديدة وخسائر مادية جسيمة نتيجة إشراف الأطباء النفسيين ، ومعاناة الأهل والأحبة وسهرهم المستمر ولسنوات على رعايتي ، والذهاب بي الى الأطباء النفسيين وأحيانا بشكل يومي ، وما زلت أتعرض الى انتكاسات صحية ونفسية بين فترة وأخرى وحسب الأجواء التي أعيشها ، ولكني لا أخجل من مرضي ولا أنكره فهو حقيقة أعيشها .
اجتماعي في طبعي وطبيعتي كإنسان ، وفي تكويني الأسري ، فأنا من أسرة شيوعية ودينية معروفة ، ومارست العمل السياسي من أربعينات القرن الماضي ومن بيت علم وفقه ودين .
أنا إنسان بسيط في ثقافتي وتعلمي ، أحمل شهادة الثانوية الصناعية ، وحتى هذه تم حجبها ولم تمنح وبدوافع سياسية ، لا أخفي عليكم فأنا أبحث عن المعرفة والثقافة متى توفرت الفرص في ذلك ، وأقرأ عندما أكون مستعد للقراءة .
ثقافتي في الأساس فلاحية قروية ، وكنا قبل الاحتلال الأمريكي كعائلة ، يعتبرونا ملاكين ، وكانت لدينا بساتين عامرة وتدر موارد جيدة ، ولكن بعد الاحتلال وهيمنة الميليشيات والقاعدة ومنع الناس من الاعتناء بالبساتين وبدوافع طائفية وسياسية ، تحولت هذه الجنان والتي كانت سلة العراق من الفواكه الى أثر بعد عين ، وتحولت الى أرض يتم الأن تحويلها الى أراض سكنية ، وتحولنا من ملاكين الى فقراء وعاطلين عن العمل .
أزعم بأني أحاول أن أتخلص من النزعة الفلاحية القروية والتقاليد الموروثة والعادات التي أصبحت لا تنسجم مع تطور الحياة العصرية ، وانعكس هذا التغير عبر هذه العقود إيجابا ، بموقفي من المرأة ونظرتي إليها ككيان يجب مساواتها مع الرجل .
ولكن بعد أن هيمن على السلطة قوى الإسلام السياسي ، فقد تعرض المجتمع العراقي بشكل عام والمرأة على وجه الخصوص الى محاولات إلغاء دورها ككيان يمثل نصف المجتمع ، ومورست كل أنواع الاضطهاد والقمع والتهميش ، والتعامل معها على أنها قاصر ومسلوبة الإرادة ، وانعكس سلبا على النشاط الاجتماعي وعلى حياتها ككائن على قدم المساوات مع أخيها الرجل .
لا شك بأنني ونتيجة لتنوع مصادر العلوم والمعارف بالرغم من محدوديته ، لمنه انعكس إيجابا شخصيتي ، وأزعم بأني أصبحت أنسجم مع الثقافة والحضارة الإنسانيتين وأتوق الى المزيد ، وتطورت رؤيتي لما يدور حولي من متغيرات سريعة وعاصفة في مختلف الميادين ، وأسعى اليوم للتخلص من القوالب الفكرية الجامدة ، المقيدة لحرية الفكر والثقافة وللحركة الكونية للمجتمع البشري وشروط تطوره ، الذي يعطيني مساحة أوسع لفهم ما استجد من جديد في حركة الحياة بتفاصيلها المختلفة وما طرئ عليها من جديد .
أشعر بقناعة شبه كاملة بما أصبح اليوم خيارا وهدفا في حياتي والذي هو هاجسي بل سعادتي وأنيسي في وحدتي ، في الوقت الذي كنت قد استقيته بالفطرة ، أو ورثته حاله حال اللغة والدين والمذهب والأصل .
بلغت السنة الثالثة من العقد الثامن ( 73) سنة ، ولكن ما زلت أسعى لتطوير مداركي بحدود الممكن ولم أتحول الى هرم عجوز ، بالرغم من معاناتي الرؤيا ، فلدي مشاكل معقدة البصر ( تقعر في شبكية العين ) وربما ... أقول ربما !.. وحسب ما يشير ذلك المشفى الذي أتعالج فيه منذ خمس سنوات ، ربما أفقد البصر ولكن ما زال من الوقت بقية ،
هذا لا يشكل عائق لي ، صحيح بدأت صعوبات تظهر أثناء القراءة والكتابة واحاول تدبر الأمر من خلال الصبر والتأني في تمييز الحروف بحيث أتجنب الوقوع في الأخطاء ، واعتقد بأن تقدم العمر له ضريبته ، لذلك هذه المشكلة لا تشكل لي قلقا يعيق نشاطي بشكل عام .
لا أخاف الموت ولا أنتظره !..
أدعه هو من ينتظرني ، أحاول مقاومته قدر المستطاع ولكني لا أخشاه .
أنا شيوعي علماني في نظرتي وتفسيري ورؤيتي لحركة الكون ولقوانين التطور ، واقتفي أثر الفلسفة الماركسية وقوانينها وما طرئ عليها من تطور خلال القرنين الماضيين ، والتي هي في تطور وحركة دائمين ( الشيوعية تجدد ثيابها مع الزمن ولا تشيخ / فردريك أنجلس ) .
لا أقر بنهج وفلسفة الميتافيزيقية المثالية وعلومها ، ولكن لا أنكرها على الأخرين وأحترم خيارات الناس .
الدين ونهجه وفلسفته وثقافته خيار فردي ، كونه علاقة الفرد بالإله الذي يؤمن به ، ولا يجوز أن يفرض على المجتمع أبدا ، حتى وان كانت أغلبية المجتمع تدين به ، وإن حدث ذلك ، فهذا اعتداء وإرهاب فكري وسياسي وثقافي لمن لا يؤمن به ، حتى وإن كان المخالفين هم نفر قليل ( الدين لله والوطن للجميع ، وما لقيصر!.. لقيصر .. وما للناس... للناس ) .
يستهويني الفن والفنانين والشعر القريض على وجه التحديد ، وأميل للتراث الفني والموسيقي ، كنت في صغري أحب التصوير والسينما والتمثيل ، وكنت أرغب أن أكون ممثلا !.. لكن أنا أريد .. وأنت تريد ، ومسار الحياة أرادت شيء مختلف .
بالرغم من محاولاتي المستمرة والجادة في أن أطوع الحياة وأختار المسار الذي أريد ، نجحت هنا وفشلت في أماكن عديدة هناك [ يقول الإمام والشاعر والفقيه الشافعي .. للمجتهد أجران !.. أجر على اجتهاده والأجر الثاني على نجاحه !.. ومن يجتهد ويفشل له أجر اجتهاده ] .
لم يمنعني فشلي كل تلك المحاولات لتسلق سلم النجاح ، وكنت أقتدي بحكمة ( القائد المغلوب والنملة ) وهي قصة معروفة وحكمة بليغة لمن أراد أن يسلك طريق النجاح والإصرار عليه .
الإنسان عليه أن يبحث وبسعي حثيثا وبإصرار وأنات وتبصر ، لشق طريقه وبناء حاضره ومستقبله ، ويسعى لتوفير وسائل النجاح وبحدود ما متيسر وممكن ، وأن يعتمد على قدراته الذاتية أولا وقبل كل شيء ، والاستعانة بمن يعتقد بأنه سيمد له يد المساعدة الأنية ، إن استجار به لمساعدته لتحقيق هدفه المراد تحقيقه .
دون المبادرة الذاتية والسعي لتحقيق المراد ، سيجد نفسه يعيش في دائرة ضيقة ويحصد الفشل وعدم نيل مراده في بناء حاضره ومستقبله .
شيء أخير أقوله وبمرارة وحزن وأسف ، من لم تتوفر لديه ظروف حياتية ومعيشية شبه مستقرة لبناء أسرة وعائلة وأولاد وبنات ، أنصحه كصديق وأخ وإنسان ، أن لا يتزوج وخاصة في الظروف الغير مستقرة ويتريث ويفكر كالنجار ، يحسب ويقيس سبع مرات وفي الثامنة يقطعها ، فإن أخطأ في قياسه فلن ينفعه الندم بعد ذلك .
أنا عشت 80 % تقريبا من عمري ( معتقل .. فصل سياسي .. هارب .. معتقل .. فصل سياسي !.. ومرض عضال .. معتقل .. مريض .. هارب .. مغترب وما زلت مغترب من أربعين عام ! ) هذه الأسباب وغيرها ، أدت بي لمتاهات وعقبات ومشاكل لا حصر لها .
هذا ليس تبرير للفشل الذي واجهني وعشته بتفاصيل مؤلمة وقاسية ، أحملها معي أين ما ذهبت ، في حللي وترحالي وهي حقيقة مرة .
وهنا لا جدوى للتبرير وأنا في 73 من العمر ، فتحملت وزرها بالرغم بمن ثقلها فإن الكثير منها لم أكن مسببا في مجملها ، لكن نحن شرقيين في ثقافتنا ( الابوية السيئة ) و كونك رب الأسرة تتحمل كل شاردة وواردة وما يترتب على ذلك من استحقاقات وانعكاسات ، وعليك أن تدفع ثمن ذلك ماديا ومعنويا .
بطبيعتي لا أضمر الكراهية لأحد ولا أبرر الكره .. فيقول لي أحد الأقارب ( أنت لا تعرف الكره والكراهية ! ) واعتقد هذا كذلك غير مقبول ونحن في عصر البلطجة كما يحدث في عراق اليوم .
أنا غير عدواني ولا أقر بفض المنازعات باستخدام القوة العضلية وبشكل يسيئ للإنسان ككائن اجتماعي ، واعتبر ذلك غباء وحماقة واعتداء على الأعراف والقوانين والقيم الإنسانية ،
لا أخفي عليكم سادتي بأني أشعر بجرح عميق ، عندما يعتقد المقابل بأنك ضعيف أمامه وعدم مبادرتك بالرد عليه ، بدل أن يعتبر ذلك ثقافة متحضرة ، تنم عن وعي وإنسانية واحترام لهذا الكائن العجيب الذي اسمه الإنسان .
أميل الى الطرب والشجن واللون الحزين، وربما ناتج عن كل ما أصابني من نكبات وإحن ونوائب صادمة على امتداد الخمسين عام الماضية .
أحب كل الناس والاجناس والملل والشعوب ، وأملي أن يعيش العراق وشعبه بأمن وسلام ورخاء في دولة المواطنة ، الدولة الديمقراطية العلمانية الاتحادية الواحدة .
صادق محمد عبد الكريم الدبش
27/11/2018 م







اخر الافلام

.. وجهات مثالية لقضاء عطلة الشتاء


.. 150 دولة توقع على اتفاق مراكش لمواجهة ظاهرة الهجرة


.. أزمة فرنسا.. خطاب في مواجهة السترات




.. النفط الليبي.. حالة -القوة القاهرة- لحماية الحقول


.. سلام اليمن.. مبادرتا غريفيث بشأن الحديدة وتعز